التطورات في الاستراتيجية الاسرائيلية خلال ستة عقود - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

التطورات في الاستراتيجية الاسرائيلية خلال ستة عقود

0 229



إستهلال نظري

على الرغم من الادّعاء الصهيوني التاريخي بالعداء مع النازية، فقد تأثرت إسرائيل بالعقيدة العسكرية الألمانية ومرتكزها إستراتيجية الحرب الخاطفة، وهي خلاصة الفكر العسكري الغربي، والتجربة التطبيقية للجيش الألماني في الحرب العالمية الثانية. وقد أحدثت هذه الاستراتيجية تبدّلاً جوهريًا في مفاهيم الحرب، حيث نقلتها من حال الثبات والجمود إلى الحركية السريعة في ميادين القتال. ويمكن القول، إنّها ولدت كنقيضٍ لحرب الخنادق الرتيبة، والقتال الجبهوي المباشر، اللذين طبعا تلك الحرب بطابعهما. ولم يكن بالإمكان إبصارها
النور، لولا القفزة التكنولوجية، خلال عقود ما بين الحربين، ولا سيما في حقلَيْ صناعة الطائرات والمدرّعات، جناحي إستراتيجية الحرب الخاطفة، التي اعتمدتها إسرائيل ولا تزال، متمثّلةً سمة العصر المتميزة بالسرعة. وجوهر هذه الحرب، يقوم على توفير الحماية الجوّية للقوات المدرّعة، المتوغّلة في جبهة العدو، بقصد الوصول إلى مركز الثقل العملياتي لديه وتدميره، وإذا تعذّر ذلك، فأقلّه إفقاده الرغبة على مواصلة القتال.

وساعد في إبراز مزايا الحرب الخاطفة، اقترانها بأسلوب الاقتراب غير المباشر، الذي وصفه الإستراتيجي البريطاني ليدل هارت بأنّه: “يأخذ أبعادًا أوسع وأشمل، إذا ما تضمّن المناورات على المؤخّرات”(1). ولبُّ هذا الأسلوب مهاجمة الخصم في الاتجاهات غير المتوقّعة، كما فعل هنيبعل في غابر الزمان، عند غزوه الأراضي الرومانية، وسلوكه طريقًا طويلاً وعرًا عبر جبال البيرنيه والالب، لتأمين عنصر المفاجأة. وكذلك فعل الجيش الألماني خلال غزوه لفرنسا، في حين اكتنف خطّ ماجينو المنيع، وبدل الدخول من وسط بلجيكا، إلتفّ عبر غابات الأردين وتضاريسها الصعبة، محقّقًا عنصرَيْ المبادأة والمفاجأة، اللذين شلاّ إرادة القيادة
الفرنسية كلّيًا. حينها، إستعدّ الفرنسيون لمعركة سجيّتها دفاعية سكونيّة، بالارتكاز على التحصين والعوائق والنيران الثابتة، بينما اعتمد الألمان حربًا هجومية متحرّكة خاطفة، مستخدمين مناورة الهجوم السريع والحاسم. إنّ أسلوب الاقتراب غير المباشر يشبه جريان المياه التي تلتفّ حول الموانع، قاصدة النقاط الضعيفة القابلة للتسرّب. ويقول الكاتب الإنكليزي بريان بوند:”إنّ ليدل هارت هو النبي المعترف به عالميًا، للحرب الخاطفة، وبطل الاقتراب غير المباشر”(2).

خيار الضرورة
منذ تأسيسه، تبنّى الجيش الإسرائيلي إستراتيجية الحرب الخاطفة، وأسلوب الاقتراب غير المباشر، كضرورة واجبة فرضتها خصائص الكيان الصهيوني المتعلّقة بـ: ضيق الجغرافيا، وضعف الديمغرافيا، وقلّة الموارد الطبيعية، فضلاً عن إحاطته بطوق من الأعداء، يُفترض امتلاكهم فائضًا من القدرات المتنوعة. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، اسحاق رابين: “إنّ عقيدة ليدل هارت الخاصّة بالاقتراب غير المباشر، قد تواءمت، إلى حدّ كبير، مع اختيار إسرائيل لوسائل ترمي إلى التغلّب على نقص العديد والأسلحة في فترة الحرب الأولى (1948 –   1949″(3) ) .

وكان قصده حرب الاستيلاء على فلسطين، حيث استخدم الإسرائيليون هذا الأسلوب، مراراً، ضدّ الجيوش العربية وجيشي الجهاد والانقاذ، في جولتَيْ القتال الثانية والثالثة من حرب العام 1948. وبرز هذا الأسلوب جلياً، ضدّ جيش الإنقاذ، في هجومهم على قرى الجليل، ولا سيما معركة ترشيحا. وكذلك حين عبرت مدرّعاتهم، منطقة مزروعة بالألغام، على محور صفد – ميرون، ما شكّل مفاجأة غير متوقّعة للمدافعين العرب. لقد أتاح تبنّي الدولة العبرية لاستراتيجية هجومية، معالجة نقاط ضعفها الجيوبوليتكية، والتعويض عنها ببناء جيش مبادر ومتحرك، قادر على نقل المعركة، خلال وقت وجيز، إلى أرض الخصم. ويؤكد الباحث العسكري المصري محمود عزمي: “إنّ افتقار إسرائيل لعمق جغرافي – إستراتيجي، كان له أثره الكبير في تحديد معالم الإستراتيجية الهجومية التي تتبّعها”(4).

وبرهنت حروب الجيش الإسرائيلي عن جدوى استراتيجيته العسكرية، التي تحتلّ مساحة
واسعة من الإستراتيجية العليا للدولة، المسكونة بهاجس الأمن، محقّقًا عبرها، تفوّقًا نوعيًا في أغلب منازلاته ضدّ الجيوش العربية. وكان دائمًا يضع نصب عينيه، ضرورة حسم الحرب بالسرعة القصوى، لأنّه بحسب وصف الكاتب الفرنسي جاك بينودي: “جيش طويل الباع، لكنّه قصير النفس”(5). ومردّ قصر النفس يعود إلى خصائص الكيان الصهيوني، المشار إليها، التي حوّلته إلى مجتمع إسبارطي جميع أفراده محاربون، ليتناسق مع شعار، مؤسس الكيان، ديفيد بن غوريون كل الشعب جيش.
ولتسويق هذا الشعار من دون توقّف عجلة الحياة، إتّبع الإسرائيليون نظام خدمة عسكرية مرنًا وعمليًا، شبيهًا إلى حد كبير، بنظام التعبئة السويسري، أسهم بتشكيل قوات مسلّحة قوامها: قوة نظامية في حالة جهوزية دائمة، وهي خليطٌ من الضباط والجنود المحترفين، زائد أفراد الخدمة الإلزامية، وقوة إحتياطية مؤلفة من كلّ الإسرائيليين الذين خدموا في الجيش، ولم تتجاوز أعمارهم الخمسين عامًا، بحيث يتمّ استدعاؤهم، بقرار من مجلس الوزراء عند الضرورة القصوى. ولأنّ هؤلاء صفوة القوى المنتجة في الكيان الصهيوني، فإنّ أيّ حرب طويلة، حتى لو كان النصرُ خاتمتها، تؤدي إلى نزف إقتصادي يُرخي بثقله على الكيان بمجمله. عندها
ينطبق المثل القائل: “نجحت العملية لكن المريض مات”.

الدعم الخارجي
ما كان بمقدور الدولة العبريّة إعتماد إستراتيجية الحرب الخاطفة، لولا توافر عاملين رئيسين:
أ- الدعم الغربي غير المحدود في ميادين شتى، بخاصّة العسكري منها. وكانت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، قد أصدرت “الإعلان الثلاثي” العام 1951 والذي تعهّدت بموجبه حماية الكيان الصهيوني، والذود عنه بمواجهة أيّ نوع من المخاطر. هكذا أمّن الكيان ظهيرًا إستراتيجيًا أثبت جدواه في كلّ حروبه، بخاصّة حرب العام 1973، حين مدّته واشنطن، على وجه السرعة، بجسرين جوّي وبحري لنقل السلاح والعتاد إليه. وفي العقدين الأوّلين من وجوده، تكفّلت هاتان الدولتان الأوروبيتان بالجزء الأكبر من الدعم العسكري. ومثالاً لا حصرًا، قدّمت باريس إلى تل أبيب، غداة العدوان الثلاثي على مصر، 72 طائرة ميستير – 4
النفّاثة، و200 دبابة من طراز 13 – AMX، ومدافع 155 ملم. وفي ما بعد، زوّدتها طائرات الميراج التي أدى استخدامها، دورًا حاسمًا في حرب حزيران/ يونيو 1967.
لم يقتصر الدعم الفرنسي على السلاح التقليدي فحسب، إذ منذ العام 1957، بدأ تنفيذ مشروع “لافوازيه” لمساعدة إسرائيل على امتلاك القدرة النووية، التي وفّرت لها مظلّة ردع غير تقليدية تجاه محيطها العربي. وبررت القيادة الفرنسية عروضها السّخية، آنذاك، بكرهها للرئيس جمال عبد الناصر، واتّهامه بدعم الثورة الجزائرية. ولقد عبّر الجنرال شارل ديغول عن عمق العلاقة مع إسرائيل، العام 1961، في أثناء تكريم بن غوريون في قصر الأليزيه بقوله: “نخب إسرائيل صديقتنا وحليفتنا”(6). وتقتضي الدقّة القول، إنّ ديغول أوقف غداة حرب حزيران/ يونيو 1967، إمداد الدولة العبرية بالسلاح، وفي أواخر العام 1968، منع تزويدها قطع الغيار، احتجاجًا على تدمير الأسطول الجوي المدني اللبناني على أرض مطار
بيروت. أمّا بريطانيا، فدورها غنيّ عن التعريف، كونها صاحبة الفضل الأكبر في نشوء الدولة العبريّة، وتمكينها من الاستيلاء على أرض فلسطين وطرد شعبها.

لكن بعد غروب شمس هاتين الإمبراطوريتين، تصدّرت الولايات المتحدة قائمة الدّاعمين للكيان الصهيوني. ويقول شيمون بيريز: “بدأت الرعاية الأميركية المباشرة لإسرائيل، وضخّ السلاح إليها مع تسلّم كينيدي ونائبه جونسون مقاليد السلطة في واشنطن، وتمّ تزويدنا الطائرات والدبابات أواسط الستينيات”(7). في ما بعد، حصلت إسرائيل على عدد من طائرات سكايهوك النفّاثة المطاردة، ودبابات باتون من الولايات المتحدة؛ وكانت قد سمحت لكندا، في أواخر العام 1955، بتسليم إسرائيل: “42 طائرة نفّاثة من نوع سابر – 84، صناعة كندية بإجازة أميركية”(8).
بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، باتت الولايات المتحدة المورّد الرئيس للسلاح إلى الدولة العبرية، وقد ورثت نفوذ بريطانيا وفرنسا، في منطقة الشرق الأوسط.

بإثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، تدفّق آلاف الضباط والرتباء والجنود من يهود أوروبا والولايات المتحدة إلى فلسطين، حاملين معهم اختصاصاتهم وخبراتهم، التي اكتنزوها خلال قتالهم إلى جانب جيوش الحلفاء. هذا فضلاً عن فرقتين يهوديّتين خدمتا تحت أمرة الانتداب البريطاني مباشرة. والجدير بالذكرأنّ موشيه دايان، فقد إحدى عينيه عند جسر الخردلي في الجنوب اللبناني، في إبّان قتاله إلى جانب الجيش الإنكليزي ضدّ القوات الفرنسية الموالية للجنرال بيتان. وقد انضوى عدد كبير من المتطوعين اليهود في صفوف “البلماخ”، الجناح
العسكري للهاغاناه، قبل أنّ يتمّ دمجهم مع المنظمات الصهيونية المسلّحة، الهاغاناه والارغون وشتيرن أوليحي ليشكّلوا في ما بينهم الجيش الإسرائيلي.
يقول حاييم هرتزوغ: “كانت الخبرة التي اكتسبها 30 ألفًا من المتطوّعين اليهود في جميع أسلحة الجيش البريطاني، ذات قيمة عظيمة عند تأسيس جيش الدفاع الإسرائيلي”(9). هذا الرقم يقتصر على اليهود الذين التحقوا بالجيش الإنكليزي فحسب، من دون ذكر الآلاف غيرهم، ممّن خدموا في صفوف جيوش الحلفاء الأخرى.

ولتأمين صَهْر هؤلاء جميعًا، ضمن هيكل عسكري موحّد، عمل الجنرال إيغال يادين، أحد صائغي الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، منذ العام 1947، على ابتكار رؤية تنظيمية، تتناسق مع هذه الإستراتيجية، وتنقل المنظمات الصهيونية من مجموعة عصابات مسلّحة إلى قوّات نظامية، وذلك قبل الإعلان الرسمي عن ولادة الجيش الإسرائيلي. هذا من دون إغفال قدوم مئات العلماء والخبراء والفنيين اليهود المهرة، حاملين معهم عُصارة المعرفة الغربية وعلومها. وقد استفاد الكيان الصهيوني من خبرات بعضهم، لإنشاء صناعة عسكرية زوّدت جيشه ولا تزال، جزئًا وازنًا من احتياجاته.
ولأنّ الإستراتيجيات والخطط العملانية وتكتيكات القتال تبقى مجرد مفاهيم نظرية بحتة، إن لم يجرِ فحصها والتأكّد من مدى مطابقتها للواقع الميداني؛ فقد نفّذت إسرائيل مئات المعارك والهجمات والتوغّلات، في عمق دول الطوق العربية المتاخمة لفلسطين. وإذا وضعنا حرب العام 1948 جانبًا، فقد قامت بخمس حروب كبرى، كان أولها العدوان الثلاثي على مصر.

الاختبار الأوّل
إنّ توافر عنصرَيْ “الدعم الخارجي”، لم يحلْ دون حاجة الجيش الإسرائيلي إلى أعوام عديدة قبل اكتمال عدّة الحرب الخاطفة؛ ففي أثناء عدوان 1956، إستعان بالطائرات الفرنسية والإنكليزية، لتغطية توغّل قواته البرّية في شبه جزيرة سيناء نتيجة ضعف سلاح الجوّ لديه. في تلك الحرب إستخدم الإسرائيليون، لأول مرّة، قوات المظلّيين، حين حملت 16 طائرة “داكوتا” كتيبة منهم إستولت على منطقة الممرات الطبيعية وسط سيناء، فشكّلت رأس جسر للقوّات الإسرائيلية التي تقدّمت عبر محاور ثلاثة:

الأول، محور الكونتيلا – تمادا – نخل – ممر متلا – قناة السويس.

الثاني، محور أم قطف – أبو عجيلة – بير جفجافة – قناة السويس.
الثالث، محور رفح – العريش – القنطرة – قناة السويس، في عملية إقتراب غير مباشرة، قاصدة تدمير مركز الثقل العملاني للجيش المصري. ونجحت القوّة الإسرائيلية، خلال بضعة أيام، في احتلال قطاع غزّة وصحراء سيناء. ولم تنسحب إلاّ، في آذار/ مارس 1957، إثر انتشار القوات الدولية على الحدود المصرية الفلسطينية، وضمان موافقة القاهرة على مرور السفن التجارية الإسرائيلية عبر مضائق تيران التي تربط جنوب فلسطين بالبحر الأحمر وعبره ومنه إلى القارة الأفريقية.
في المقابل، حشد الجيش المصري الجزء الأكبر من قواته في مدن السويس وبور سعيد وبور فؤاد والإسماعيلية تحسّبًا لعمليات إنزال بريطانية فرنسية مشتركة. وكان يعتقد بأن هاتين القوتين تشكلان الخطر الرئيس عليه، وإذا قدّر لهما السيطرة، فلن تكتفيا باحتلال الأرض، بل ستسعيان إلى إطاحة سلطة الرئيس جمال عبد الناصر الذي عمل على تقويض نفوذهما الاستعماري من خلال دعمه الثّوار المناهضين لهما في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

وبناءً على الخلاصات الميدانية، قرّرت القيادة الإسرائيلية توسيع ملاك قوات المظلّيين، وتكثيف التدريب على القتال الليلي، وإيلاء شأن أكبر لورش الصيانة المتحرّكة التي ترافق القوّات المدرّعة وتصلح الأضرار والأعطال في الميدان.
كما تمّ تحويل سلاح المشاة إلى قوّات ميكانيكية محمولة، وصرّح الجنرال أرييل شارون عشية حرب 1967: “إنّه لا يوجد عسكري واحد يمشي في جيشنا اليوم”(10).
وأظهر عدوان 1956، تطوّرًا ملحوظًا في أداء الجيش الإسرائيلي الذي قاتل كقوّة نظامية محترفة، تجيدُ التنسيق بين الأسلحة المختلفة، في دلالة على الجهد المبذول، خلال السنوات الثماني، المنقضية على تأسيسه. وقد استخدم، آنذاك، اللواء، كتشكيل رئيس في المعركة.
كما كلّفت القيادة الجنرال عايزر وايزمن، الطيار السابق في سلاح الجوّ الملكي البريطاني، بإعداد خطّة لتطوير سلاح الجو، فعمل على تزويده طائرات قاذفة مطاردة في آن واحد، وأخضع الطيّارين لبرنامج تدريب مكثّف، داخل الكيان الصهيوني وخارجه. لقد أُوتي هذا البرنامج أهدافه، إذ يمكن القول، إنّ الطيار الإسرائيلي من أكثر الطيّارين كفاءة في العالم. وكان عديد الطيّارين الإسرائيليين، آنذاك، يفوق عدد الطائرات العاملة، بحيث يتناوب في أثناء الحرب، أكثر من طيّار على الطائرة الواحدة، بهدف تحقيق الاستفادة القصوى من الإمكانات
المتاحة.
إرتكزت رؤية وايزمن على تعويض ضآله العمق الإسرائيلي من خلال الإمساك بسماء
المعركة. وهكذا استبدل العدو، آنذاك، ضيق الجغرافيا باتّساع السماء. ويقول وايزمن: “لأنّ بلدنا خالٍ من كل عمق إستراتيجي، وهذا أمر يعرفه الجميع، مقابل ذلك لدينا سماء ممتدّة في الارتفاع، وفي الأفق، وذلك هو عمقنا الإستراتيجي”(11). من جهته، حدّد الجنرال موشيه دايان مهمّة أساسية لهذا السلاح، تتلخّص بمساندة الجيش النظامي لكبح أيّ هجوم معادٍ، لحين وصول القوّات الاحتياطية إلى الجبهة، متحدّثًا: “عن فجوة زمنية تراوح ما بين 24 و 72 ساعة، يسدّها سلاح الطيران”(12).

النظرية والتطبيق
إضطلع سلاح الجوّ الإسرائيلي، بقيادة الجنرال “موردخاي هود”، بدورٍ حاسمٍ في حرب حزيران/ يونيو 1967، حيث نجح بالقضاء على نظيره المصري خلال ثلاث ساعات، وبأسلوب مشابه، عطب سلاحَيْ الجوّ الأردني والسوري. لقد وجّه هذا السلاح ضربةً قاضية للطيران العربي، حيث دمّر 416 طائرة مصرية وسورية وأردنية كانت غالبيتها جاثمةً فوق مدارج المطارات، بينما اقتصرت خسائره على 26 طائرة، معظمها سقط بواسطة سلاح الدفاع الجوّي.
حقّقت عملية “اليمامة البيضاء” مفاجأةً إستراتيجيةً، برهنت عن مستوى عالٍ من التخطيط والتدريب والتنفيذ، بحيث حسمت نتيجة الحرب قبل أن تبدأ، سامحةً للطيران الإسرائيلي بالسيطرة الكاملة على سماء المعركة، والتفرّغ لتقديم المعونة إلى التشكيلات البرّية.
وكان الجيش المصري قد نشر خمس فرق مشاة وفرقتي مدرّعات، موزّعة على محاور
سيناء الثلاثة: الشمالي والأوسط والجنوبي، إضافة إلى قطاع غزّة. في المقابل حشدت القوّات الإسرائيلية ثلاث فرق مدرّعة على الحدود الغربية مع مصر، وتقصدت افتعال حركةً دائمةً على المحور الجنوبي، لتضليل القيادة المصرية بشأن اتّجاه الضربة الرئيسة. وقد اعتقدت هذه القيادة أنّ العدو سيكرّر سيناريو عدوان 1956،
لكنّ الهجوم الافتتاحي لفرقة الجنرال يسرائيل تال (صاحب مشروع دبابة ميركافا) تمّ على المحور الشمالي بدءًا من منطقة رفح.
وفي الوقت نفسه، تقدمت فرقة الجنرال شارون على المحور الأوسط، متجهة نحو منطقة أبو عجيلة الحصينة التي تشكل عقدة مواصلات هامة، وتحوي الكثير من المواقع العسكرية المصرية. في حين تغلغلت وحدات الجنرال إبراهام يوفيه، عبر الكثبان الرملية، بين هذين المحورين لتأمين مجنّبات الفرقتين المهاجمتين، وقطع الصّلة بين الوحدات المصرية. وبعد سيطرة القوّات الإسرائيلية على هذين المحورين، نقلت جهدها إلى المحور الجنوبي، قاصدةً ممرّ متلا، لسدّ الطريق على انسحاب المدرّعات المصرية وتدمير أكبر عدد منها. وفي غضون 48 ساعة وصل الجنود الإسرائيليون إلى الضفّة الشرقية من قناة السويس.
هذا وقد خسر المصريون في تلك الحرب، حوالى ثلثي قوّتهم المدرّعة، دُمّر أغلبها
بواسطة سلاح الجوّ الإسرائيلي الذي لم يفارق سماء سيناء طوال فترة القتال.
ولولا مساندته الحثيثة، لما كان بإمكان القوّات المهاجمة أن تحسم المعركة لمصلحتها وتبرز براعتها بتطبيق إستراتيجية الحرب الخاطفة، مستخدمة أساليب الاقتراب غير المباشر.

وبعد أن اطمأنت قيادة العدو إلى حسن سير الأمور على الجبهة المصرية، باشرت عند
الحادية عشرة من صباح 5 حزيران/ يونيو، هجومها على الجبهة الأردنية. وكان الجيش الأردني قد وزّع ستة ألوية مشاة، ولواءين مدرّعين في الضفّة الغربية، بينما حشد نظيره الإسرائيلي عشرة ألوية مدرّعة وميكانيكية قامت بالتوغّل في عمق الضفّة من القطاعين الجنوبي والشمالي. وكانت مدينة القدس هدفًا محوريًّا للهجوم المعادي، الذي تصدّرته قوّات المشاة والمظلّيين، نظرًا إلى ضيق شوارع المدينة غير المؤاتية لحركة المدرّعات. ولتأمين عزلها، وتحويلها إلى أحياء مقطّعة الأوصال، صوّبت هذه القوّات اتجاهات هجومها على المرتفعات المشرفة، والطرق الرئيسة المؤدّية إليها، فأحكمت سيطرتها على طريق رام الله في الشمال، والطريق المؤدّي إلى الخليل في الجنوب، والطريق الرابط بين مدينتَيْ بيت لحم
والقدس. وفي الوقت نفسه، كانت الوحدات الإسرائيليّة بمؤازرة سلاح الجوّ، تهاجم مدن
نابلس وجنين ورام الله والخليل وطولكرم وأريحا. ولولا دعمه المباشر، حيث قصفت طائراته، مرارًا، مراكز القيادة والتجمّعات وخطوط الإمداد والمواقع الحصينة للجيش الأردني، لعجزت القوّات المهاجمة عن إنجاز مهمّاتها. وعلى الرغم من ذلك، فقد قاتلت القوّات الأردنية ببسالة وفقدت الآلاف من أفرادها نتيجة الغارات الجوّية الكثيفة بينما بلغت “الخسائر الإسرائيليّة على الجبهة الأردنية، 550 قتيلاً و2500 جريح”(13). لقد استخدم الجيش الإسرائيلي في قتاله أساليب المباغتة والعزل والتطويق، والهجوم على مجنبات القوّات المدافعة، التي تمّ
عزلها، ومنع إيصال النجدات اليها. ومساء يوم 7 حزيران/ يونيو، استتب الأمر له،
حين دخل المدينة المقدسة وباقي مدن الضفّة الغربيّة وبلداتها.

وبعدما أحكم العدو قبضته على صحراء سيناء والضفّة الغربيّة، باشر عمليّاته، صبيحة 9 حزيران/ يونيو، على الجبهة السورية، مستخدمًا النيران الجوّية ومدافع الهاوتزر بكثافة لتدمير شريط مواقعها الأمامية، وإسكات مرابض مدفعيتها. وعلى أثر ساعات من التمهيد الناري، هاجمت القوّات الإسرائيليّة عبر محورين: الأوّل، تقدّم لواء مدرّع بقيادة الجنرال ألبرت ماندلر، من أقصى الشمال سالكًا طريق كفارسولد – القلع – زاعورة – بانياس، للاقتراب من المدخل الشمالي لمدينة القنيطرة. في الوقت نفسه، التفّ لواء جولاني حول تلّي العزيزيّة وفاخر الحصينين، حيث كانت تدافع عنهما، كتيبتان سوريّتان. وعند حلول المساء، حقّق
هذان اللواءان الأهداف المرسومة لهما، بعد قتال تلاحمي، ولا سيّما داخل حصون تلّ العزيزيّة، الذي تعرّض لعشرات الغارات الجوّية، وآلاف القذائف المدفعية.
أمّا المحور الثاني، فقد صعّدت فيه وحدات العقيد يوري رام المدرّعة، بمؤازرة لواء مظلّي جنوبًا، لتتقدّم ببطء إلى جسر بنات يعقوب، بعدما استولت على القرى القريبة من بحيرة طبريا. وفي صباح اليوم التالي، سقطت بلدة بانياس بيد قوّات ماندلر التي تابعت سيرها نحو مدينة القنيطرة، بالتلازم مع تقدّم القوّة الآتية من جسر بنات يعقوب – العتيقة – كفرنفاخ، فتلاقى فكّا الكمّاشة حول مدينة القنيطرة، التي سقطت من دون قتال، بعدما أخلتها القوّات السورية، ربّما خوفًا من التطويق.
وجريًا على عادتها، استخدمت القوّات الإسرائيليّة أسلوب التطويق والمهاجمة من الخلف، كما فعلت في معركة تلّي العزيزيّة وفاخر. ونظرًا إلى تضاريس الجولان الصعبة، قلّلت، إلى حدّ كبير، من استعمال المدرّعات، مركّزة على قوّات المشاة والمظلّيين، الذين تمّ ابرارهم بواسطة طائرات الهليكوبتر، التي استخدمت بكثافة في المعارك. ومع سقوط مرتفعات الجولان وضعت حرب الأيام الستّة أوزارها.

أفردنا هذه المساحة لتلك الحرب بالذّات، كونها قدّمت المثال على تطبيق الحرب الخاطفة، وحقّقت جملة أهداف إستراتيجية للدولة العبرية، لا تزال تستفيد من مزاياها حتى الآن. فقد لبّت رغبات المشروع الصهيوني بالتوسّع والإستيطان لإستقدام المزيد من المهاجرين اليهود. وفكّت عقدة ضيق جغرافية الكيان حيث بعد احتلال صحراء سيناء والضفة الغربية وقطاع غزّة وهضبة الجولان، باتت مساحته تزيدُ عن أربعة أضعاف مساحة فلسطين. وبهذا الصدد يقول حاييم هرتزوغ: “بعد حرب الأيام الستّة، تغيّر الموقف الإستراتيجي لمصلحة إسرائيل تغيّرًا جذريًّا.
فأصبحت، لأوّل مرّة، تتمتّع بعمق دفاعي؛ ففي الجنوب، باتت صحراء سيناء بمنزلة عازل طبيعي، وتأمّنت السيطرة على الضفّة الغربية، وأُبعدت القوّات المعادية عن الشريط الساحلي، وخط “الخصر الضيّق” لإسرائيل، والمناطق المحيطة بالقدس. وفي الشمال، أصبحت المدفعية والمدرّعات الإسرائيلية، هي التي تهدّد دمشق، على عكس ما كان قائمًا من تهديد سوري للجليل الشمالي”(14). هذا من الناحيتين الإستراتيجية والعسكرية، فماذا عن الجانب السياسي؟
لقد سبّبت نتائج الحرب صدمة قويّة للمشروع القومي العربي، الذي اتّخذ، بعد وفاة الرئيس عبد الناصر، منحى انحداريًا، فتبدّل الكثير من القناعات والمفاهيم السائدة، آنذاك، وبدأت الأنظمة العربية، التي طالما “نادت” بتحرير فلسطين، ورفض وجود إسرائيل، تخفض، تدريجًا، من سقف أهدافها، لتكتفي بطلب استرجاع أراضي العام 1967، وفق القرار الدولي 242.
وبالعودة إلى تقويم تلك الحرب، علّق ليدل هارت على أداء الجيش الإسرائيلي بالقول: “على الرغم من أنّ غودريان ورومل كانا كريمين للغاية في الإقرار بتأثيري عليهما، إلا أنّهما لم يدركا الجانب الأكثر حذقًا في الاقتراب غيرالمباشر، بمثل الدقّة التي أدركها الإسرائيليون”(15). وعقّب الجنرال إيغال يادين على كلام الإستراتيجي البريطاني قائلاً: “لقد تعلّمنا جميعنا لسنوات طويلة من كتبك، وكان نجاح معارك الأيام الستّة شهادة على سلامة تعاليمك، التي، لحسن طالعنا، لم يتعلّمها العرب”(16).
لقد شكّلت حرب حزيران نموذجًا مثاليًا لإستراتيجية الحرب الخاطفة، ورفعت من مكانة سلاح الجوّ الإسرائيلي كثيرًا في نظر القادة الصهاينة، فعمدوا إلى تحديثه، لتحلّ طائرات الفانتوم و السكايهوك الأميركية، مكان طائرات ميستر الفرنسية المتقادمة. وقد بلغت: “الميزانية المخصّصة لهذا السلاح، عشية حرب تشرين 1973، 52% من إجمالي ميزانية الدفاع”(17).

بروز المقاومة
لكنّ الانتصار الإسرائيلي الباهر في حرب 1967 لم ينل من الإرادة العربية، بل أنتج النقيض المتمثّل بالمقاومة الفلسطينية التي قامت فلسفتها، في البداية، على الحرب الشعبية كبديل عن حروب جيوش الأنظمة العربية. وقد نقضت هذه الفلسفة الفكرة الصهيونية الزاعمة، بأنّ الإسرائيليين يقيمون على أرض بلا شعب، أيّ نفت وجود الشعب الفلسطيني. فجاءت مقاومته المسلّحة نفيًا لهذا النفي، ونفي النفي إيجاب. وفي السنوات الأولى لإنطلاقتها، نفّذت تلك المقاومة عشرات العمليات النوعية داخل شريط المستوطنات الصهيونية، المتاخمة للحدود اللبنانية والأردنية والسورية، وتصدّت للتوغّلات الإسرائيليّة، بخاصّة على الجبهة الأردنية. وجاءت معركة بلدة الكرامة، الواقعة شرقي نهر الأردن، آذار/ مارس 1968، لتشكّل مفصلاً
نوعيًّا في أداء المقاومة وقدرتها، حين نجحت، إلى جانب الجيش الأردني، بمنع العدو من دخول البلدة وتحقيق أهدافه بالقضاء على قواعد المقاومة فيها، وتحميله حوالى مئة إصابة بين قتيل وجريح، مستخدمة في قتالها تكتيكات حرب العصابات. بعد تلك المعركة، اكتسبت المقاومة الفلسطينية مشروعيّة رسمية وشعبية في العالم العربي، وأصبحت منظمة التحرير الممثّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
وكان الجيش الإسرائيلي قد تنبّه، باكرًا، لهذا النوع من القتال، فوسّع من ملاك ألوية النخب المخصّصة للتّعامل مع النشاطات الفدائية. وفي هذا السياق، زار موشيه دايان فيتنام الجنوبية، العام 1966، للاطّلاع على الأساليب الأميركية الخاصّة بمكافحة حرب العصابات.

وكردٍّ على النشاط الفدائي، اعتمد هذا الجيش سياسة العقاب الجماعي، باستهدافه مناطق انطلاقه. ونال لبنان الحصّة الوفيرة من هذا العقاب، حيث شهدت قراه الحدودية توغّلات شبه يومية، وعمليات قتل وتدمير منظّمة بحقّ المدنيين، نفّذتها القوّات الإسرائيلية، ولا سيما بعد اتفاق القاهرة 1969، فضلاً عن الإغارات الجوّية شبه الدائمة. وبذريعة أنّ فلسطينيين اثنين، انطلقا عبر مطار بيروت لتنفيذ عملية خطف طائرة، أقدم الكوماندوس الإسرائيلي، العام 1968، على تدمير ثلاث عشرة طائرة مدنية رابضة فوق مدارج المطار.
تقصّدت إسرائيل من هذه السياسة، جعل ثمن احتضان المقاومة الفلسطينية غاليًا ومكلفًا، وقد نجحت، إلى حدّ بعيد، بتحقيق مبتغاها. ففي تلك المرحلة، إزداد اعتماد الجيش الإسرائيلي على الغارات الجوّية ضدّ المخيّمات الفلسطينية، والمناطق اللبنانية المتاخمة لها. وكذلك على قوّات النخبة المحمولة بطائرات الهليكوبتر، لملاحقة المجموعات الفدائية الناشطة على الحدود.

الإستنزاف
على مقلب آخر، لم يتقبّل الرئيس جمال عبد الناصر تجرّع هزيمة حزيران/ يونيو 1967، وكرفض لنتائجها، أعلنت القمة العربية المنعقدة في الخرطوم، أوّل شهر أيلول/ سبتمبر، اللاءات الثلاث: لا صلح، لا مفاوضة، لا اعتراف. وعمد عبد الناصر إلى بناء القوّات المسلّحة وفق أسس قتالية جديدة، حيث تمّ التركيز على خريجي الجامعات، كونهم أقدر على استخدام الأسلحة الحديثة التي زوّدهم إياها السوفيات، بعدما تبيّن أنّ أحد أسباب إخفاق الجيش المصري يعود إلى وجود عدد كبير من غير المتعلّمين في صفوفه. كما سلّم أمرته إلى مجموعة من القادة الأكفياء، أمثال الفريق محمد فوزي والفريق الشهيد عبد المنعم رياض واللواء سعد
الدين الشاذلي واللواء عبد الغني الجمسي وغيرهم. وتحوّلت قناة السويس إلى منطقة احتكاك يومي، تطوّر ليصبح حرب استنزاف مفتوحة خلال العامين 1969 و 1970، أعادت الثقة بالنفس إلى الجندي المصري، وفرضت على الجيش الإسرائيلي خوض نوع من الحروب الطويلة لم يألفها من قبلُ. فلجأ إلى خطّة دفاع، تمثّلت ببناء خطّ بارليف وخطّ آلون على الجبهة السورية. حينها، نجح الجيش المصري بتعطيل دينامية نظيره الإسرائيلي، وأرغمه على اللجوء إلى التخندق، والاختباء داخل الحصون الخرسانية، متّبعًا أسلوب القتال الثابت. هذا السلوك اُعتبر كبحًا للرّوح الهجومية، بما يتعارض مع إستراتيجية الحرب الخاطفة المتحرّكة. وعلّق عايزر وايزمن بالقول: “إنّ حرب الاستنزاف تُعدّ فشلاً للإستراتيجية العسكرية
الإسرائيلية”(18). حينها، طرأ عامل جديد، بدخول بطاريات صواريخ مضادة للطائرات
(سام) من طرز “أس إي 6” و “أس إي 4” و “أس إي 2” ميدان المعركة، وبفعلها، بدأت
طائرات الفانتوم تتهاوى يوميًا فوق جبهة القناة، ولقد عبّر وايزمن عن سخطه متحدّثًا: “عن أسطورة الصاروخ الذي لوى جناح الطائرة”(19).

المباغتة العربية
ساهمت هذه الصواريخ بإرباك سلاح الجوّ الإسرائيلي، والحدّ من نشاطه في الأيام الأولى من حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، حين استفاقت الدولة العبرية على هجوم عربي كبير أشبه بالكابوس: اختراق الجيشين المصري والسوري، بغتةً، خطوط دفاعها على جبهتين في آن واحد، محقّقين عنصر المفاجأة الإستراتيجية للمرة الأولى عربيًا، ما أفقد الجيش الإسرائيلي توازنه لبضعة أيام، قبل أن يستعيد زمام المبادرة ويقلب رياح الحرب لمصلحته؛ مستفيدًا من جملة أخطاءٍ إستراتيجية ارتكبتها القيادة السياسية المصرية، ولا سيما الإصرار على الهجوم المرتجل يوم 14 تشرين الأول/ أكتوبر، ونتائجه الكارثية عسكريًا، حيث خسر جيشها، خلال بضع ساعات، ما يقارب الـ 250 دبابة، غالبيتها سحبت من قوّات الاحتياط المتمركزة غرب القناة.
إنّ فشل هذا الهجوم، مهّد لفتح ثغرة الدفرسوار، وعبور الجيش الإسرائيلي إلى غرب القناة، وتدمير بطاريات صواريخ “سام”، وتطويق الجيش الثالث. فاستجدّ وضعٌ ميدانيٌ صعبٌ، سرّع من قبول الرئيس السادات وقف إطلاق النار، وفكّ الارتباط وفق الشروط الإسرائيلية، من دون مراعاة وضع الجبهة السورية الحليفة. حينها، قال الكاتب محمد حسنين هيكل: في حرب 1967 خذل السلاح السياسة، بينما في حرب 1973 خذلت السياسة السلاح.
بناءً على خلاصات تلك الحرب، عدّل الجيش الإسرائيلي في هيكل سلاح المدرّعات، بحيث أُضيفت سرية مشاة ميكانيكية إلى كلّ كتيبة مدرّعة، لتأمين الحماية لها.
أُتّخذ هذا التدبير نتيجة الخسائر الجسيمة التي لحقت بالدبابات الإسرائيلية، بفعل صواريخ “ساغر” والقذائف ذات الحشوة الجوفاء، في إبّان المواجهات البرّية،إلى حدّ أنّ بعض الجنرالات طرح على بساط البحث، دور الدبابة ومستقبلها. من ناحية ثانية، شكّل استخدام الصواريخ المضادة للطائرات عقدة للإسرائيلي، نتيجة فعاليتها بالحدّ من قدرة المناورة الجوّية لديه، وإسقاطها 80 طائرة من أصل 140، هي مجموع خسائره في تلك الحرب.
في ما بعد، عمل العدو بمساعدة خبراء أميركيين، على فكّ لغز تلك الصواريخ، فجاء اجتياح جيشه للبنان، العام 1982، مناسبة للثأر منها، حيث نجحت طائراته الحربية بالتشويش على بطاريات الصواريخ السورية المنتشرة في البقاع وتدميرها. لم تقتصر الخسائر السورية، آنذاك، على تدمير الصواريخ فحسب، بل فقدت دمشق ما يقارب مئة طائرة، وبضعة آلاف من الجنود في مواجهات غير متكافئة. كما أدّى الاجتياح إلى إخراج منظمة التحرير من لبنان، والاتيان بحكم موالٍ للغرب(20).

حرب اللاتماثل
استخلصت القيادة السورية دروس تلك الحرب الصعبة والمكلفة في آن واحد، وبدأت البحث عن سبل التوازن مع الإسرائيلي، خارج منظومة الحرب الكلاسيكية: الطائرة والدبابة. وبعد انقضاء وقت طويل على حدوثها، كتب الخبير الإسرائيلي عوفر شيلح:
“لا يجهل الضباط الإسرائيليون أنّ الرئيس السوري السابق حافظ الأسد أدرك، منذ العام 1982، أنّ العرب ليسوا بحاجة إلى سلاح جوّ مواز للسلاح الذي تملكه إسرائيل شرطًا لموازنة قوّتها، وفي استطاعتهم تحقيق التوازن بواسطة صواريخ ثقيلة وكثيرة، تُطلق على الجبهة المدنية في إسرائيل، وتلحق الضرر بها، وتردعها عن شنّ الحرب”(21). ومنذ العام 1983، لوحظ جنوح القيادة السورية المبكّر نحو الصواريخ ذات المسار المنحني، في إطار سعيها لبناء ذراع طويلة قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، تعويضًا عن ضعف قدرات سلاح الجوّ لديها. وقد حصلت، حينها، على صواريخ أرض – أرض، من طراز “س. س.21” الروسية الصنع، مداها 120 كلم، قادرة على ضرب مدن شمال إسرائيل ووسطها. كما عمدت إلى ملء ترسانتها التسليحية بأنواع أخرى من الصواريخ، لا سيما المضادّة للدبابات.
وأدّى خروج مصر من دائرة الصراع مع العدو كلّيًا، والتزامها خيار التحالف مع الولايات المتحدة، وتخلّي معظم الدول العربية عن التزاماتها القومية، إلى تعزيز المنحى الجديد لدى القيادة السورية. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فقدت هذه القيادة ، أيّ أمل بتحقيق توازن إستراتيجي كلاسيكي مع العدو. وبدأت تتبلور لديها، تدريجًا وببطء، معالم إستراتيجية الحرب اللامتماثلة، التي تجري الحروب، على أساسها، بين قوّتين غير متساويتين في القدرات يسعى الطرف الضعيف فيها لإظهار قصارى قدرته على الصمود، بينما الطرف القوي يعمل على الاستفادة القصوى من كثافة النيران، وتفوقه التكنولوجي، لتحقيق الغلبة سريعًا.
لقد غدت إستراتيجية الحرب اللامتماثلة، مرتكز المذهب العسكري السوري.
وللدّلالة على افتراق دمشق عن إستراتيجية الحرب الكلاسيكية، والابتعاد عن اقتناء أدواتها، بصورة شبه كلّية، يشير التقرير السنوي الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي للعام 2009، إلى أنّه: “بينما لا تزال إسرائيل تواصل شراء طائرات مقاتلة حديثة، وطائرات مراقبة، وطائرات إنذار مبكّر، وتسرّع من وتيرة تزويد الجيش الأنظمة المضادّة للصواريخ، وناقلات مدرّعة ودبابات أكثر حماية. من جانبها، تقوم سوريا بزيادة مخزونها من المدفعية الصاروخية والأسلحة المضادّة للدبابات”(22). هذه الأسلحة تتناسب، تمامًا، مع إستراتيجية الحرب اللمتماثلة التي لا تحتاج إلى طائرات مقاتلة، ولا إلى مدرّعات ثقيلة، نظرًا إلى تفوّق العدو البيّن في هذين المجالين. ولكي لا تنفق دمشق المال والجهد في غير مكانهما، تعمل على خط تسلّح مغاير، توفّر من خلاله الأسلحة المضادّة والكابحة لعناصر القوّة الإسرائيلية. وأتت “حرب لبنان الثانية” بالنسبة إليها،بمنزلة رؤية نجمة القطب في مسير ليلي، لتؤكد صوابية الطريق الذي سبق وسلكته.

النار عن بعد: دور القوات الجوية وأسلحة االدقة العالية في حسم المعركة هذه المتغيّرات الكبرى، جعلت الجيش الإسرائيلي يُعيد النظر بخططه العملانية ومفاهيمه القتالية وتكتيكاته، من دون المسّ بجوهر إستراتيجيته. لأنّ الإستراتيجيات، عادة، لها طابع الثبات النسبي، فلا تخضع لتبدّلات جوهرية إلا في حال حصول أمرين أساسيين: تطوّر نوعي في علم الحرب، مثلما حدث بعد الحرب العالمية الأولى، أو تحقيق قفزات تكنولوجية تدفع بالصناعة العسكرية قُدمًا على غرار إنجازات العقدين الأخيرين من القرن الماضي. حينها، برزت الطائرة الشبح،
والطائرة المسيّرة من دون طيار، والصواريخ العالية الدقّة وغيرها من أدوات الحرب فوق الحديثة، فضلاً عن الثورة الهائلة في عالم الاتصالات والأقمار الصناعية.
هذا الانفتاح التكنولوجي شرّع الأبواب على مداها لتعديل الكثير من أساليب التفكير وآليات الصراع التي مسّت ثوابت الاستراتيجيات السائدة ما مهّد لنظرية “النار عن بعد” التي صاغها الجنرال في سلاح الجوّ الأميركي، “جوهان ثيرون”، وهي خلاصة تجربتَيْ حرب يوغوسلافيا والعراق. فالحربُ الأميركية على هاتين الدولتين قدّمت نموذجًا قتاليًا جديدًا، فتح المجال لتغييرات عميقة في مفهوم الحرب الحديثة. (استخدم حلف الناتو، لاحقًا، هذا النموذج في الحرب على ليبيا).
ولأنّ الجيش الإسرائيلي يستخلص الدروس من تجاربه، وتجارب الآخرين أيضًا، عملاً بقول بسمارك: “الحمقى وحدهم لا يتعلّمون إلا من تجاربهم الخاصّة”(23)، فقد تلقّف هذه النظرية التي تتناسب، تمامًا، مع قدراته النارية الدقيقة غير المحدودة، وتراعي حساسيته تجاه الخسائر البشرية في آن واحد.

لقد لبّت نظرية “النار عن بعد” توق الجيش الإسرائيلي إلى حرب نظيفة، بلا دماء أو دموع، أقلّه في الجانب المهاجم، ونفّذ تطبيقاتها الأولى خلال عمليتَيْ “تصفية الحساب” (العام 1993) و “عناقيد الغضب” (العام 1996) ضدّ المقاومة في الجنوب اللبناني. وبناءً على خلاصتهما، والتطوّر النوعيّ في عمليات المقاومة، آنذاك، بدأ هذا الجيش بإجراءات متدرّجة تأخذ بالاعتبار تغيّر ظروف مسرح العمليات وتبدّل طبيعة الخصم. ويقول مدير معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، “غابرييل سيبوني”: “وجدت الدولة العبرية نفسها في مواجهة تهديدات تختلف في جوهرها عن التهديدات التي واجهتها خلال السنوات الخمسين الأولى من قيامها.
وبدأ التهديد بالتغيّر في أعقاب إدراك أعدائنا العميق، لانعدام قدرتهم على تحقيق إنجازات مؤثّرة بالوسائل العسكرية الكلاسيكية”(24).
في هذا السياق، شكّل رئيس الأركان، يومها، الجنرال شاوول موفاز لجنة بحث برئاسة الجنرال غابي أشكينازي، قائد الجبهة الشمالية، مهمتها إعداد تصوّر للتّعامل مع هذه الجبهة. وبعد أقلّ من عام، انسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان (أيار/ مايو 2000) بفعل ضربات المقاومة وصمود اللبنانيين، فكانت المرّة الأولى، التي يُخلي فيها العدو، أرضًا عربية بلا شروط أو مفاوضات. حينها، تشكّلت معادلة جديدة غيّرت في مجرى الصراع العربي – الإسرائيلي، مفادها أنّ احتلال الأرض في ظلّ المقاومة، عبءٌ على محتلّيها، انسجامًا مع حكم التاريخ، باستحالة بقاء الاحتلال متى وُجدت المقاومة. ولأنّ الانسحاب ليس بالحدث العابر، فقد حفر عميقًا في خلفية العقل الإسرائيلي القائم على فكرتَيْ التوسّع والغلبة. وتبدّى الأمر جليًّا، في تصرّفات العدو المرتبكة والمتردّدة، حيال عمل برّي واسع، في أثناء حرب صيف 2006، خوفًا من التورط في المستنقع اللبناني مجدّدًا.
وبعد أشهر على الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، انطلقت الانتفاضة الثانية (أيلول/ سبتمبر 2000) داخل الأراضي الفلسطينية، مترافقةً مع العمليات الاستشهادية، التي هزّت الأسس الأمنية للعدو، فاتّخذ رزمة تدابير مضادّة وعنيفة، من ضمنها سياسة بناء الجدران العازلة التي قطّعت أوصال المدن والبلدات العربية. وعلى الرغم من عنصريتها وأذيتّها للمواطنين الفلسطينيين، إلا أنّها عبّرت عن ميل دفاعي لدى الدولة العبرية مخالف لطبيعتها الهجومية.
وبالعودة إلى لجنة أشكينازي، فقد وضعت مفهومًا جديدًا، عُرف بنظرية “تفعيل القوة” للتّعامل مع المواجهات المنخفضة التوتّر، أيّ مقاتلة المنظّمات المسلّحة في حروب محدودة. ارتكز هذا المفهوم على المزج المتزامن بين النيران الدقيقة والجهد البرّي الذي تبدّل مضمونه، بحيث لم يعد يعني زجّ تشكيلات كبيرة في مواجهات مفتوحة وواسعة، والاستعاضة عنها باستخدام وحدات برّية صغيرة ضدّ الأهداف التي يصعب تدميرها من الجوّ.

شقَّ المفهوم الجديد طريقه إلى التطبيق العملي، حين تبوّأ الجنرال موشيه يعلون رئاسة الأركان، فبادر إلى تعيين فريق عمل طاقم التفكير الآخر الذي أصدر كتيّبًا بعنوان “الجزيء الديناميكي”، تناول فيه فكرة القتال المبعثر قبالة قوى شبه عسكرية. هذا النوع من القتال، لا يحتاج إلى فرق مدرّعة للقضاء على الخصم، إذ يكفي استخدام وسائط مثل المسح الاستخباري للميدان، والنيران الجوّية، والصواريخ العالية الدقّة، إلى جانب قوات برّية صغيرة متحرّكة – جزيئات ديناميكية – مهمّتها السيطرة على أرض المعركة، بعد التأكّد من إنهاك العدو وانهيار قواه. أقرّت الأركان الإسرائيلية هذا المفهوم، صيف 2003، تحت مُسمّى “كيلع”، وتمّ تسويقه من قبل شعبة العمليات إلى خطّة “كاسحة الجليد” وفحواها تحقيق الانتصار على الخصم بواسطة النيران الكثيفة المقترنة بنشاط برّي محدود.
لقد بدأ التمهيد العملي لهذا المفهوم، بعد معركة “تحرير الكويت” مباشرة، حينها، تحدّث رئيس الأركان ايهودا باراك: “عن جيش تكنولوجي أكثر، مهني أكثر، جيش محترف(25)”. وفي أواخر التسعينيات، طوّر الفكرة رئيس الأركان الأسبق “دان شومرون” متحدّثًا عن “جيش صغير وذكي”، وعمد الى إلغاء بعض المراتب القيادية وتقليص الوحدات، وتنحيف الهيكل العسكري. وكان عوفر شيلح من أكثر المتحمّسين لهذه الصيغة، فدعا إلى إلغاء الخدمة الإلزامية، وتقليل الاعتماد على القوّات الاحتياطية. كما اعتبر أنّ معالجة النواقص والعيوب في الجيش الإسرائيلي تتطلّب: “تحوّل جيش الشعب إلى جيش مهني، يعتمد على أفراد محترفين، مؤهّلين لخوض حروب الألفية الثالثة”(26). يبدو أنّ بعض الخبراء الإسرائيليين، تأثّر بالإجراء الفرنسي، آنذاك، القاضي بإلغاء خدمة العلم، والعودة إلى مفهوم الجيش
المحترف، بحسب تعبير الجنرال ديغول، من دون لحظ عناصر الاختلاف ما بين موقع
فرنسا ودورها كعضوٍ فاعلٍ في حلف النّاتو، وغير محاطة بالأعداء، كما هي حال
الكيان الصهيوني.
هذا المسار المتدرّج، والمتناسق مع نظرية “النار عن بعد”، الذي اتخذه الجيش الإسرائيلي، خلال سنوات عديدة، تعدّى، في مضمونه، مجرّد تغيير بعض مفاهيمه القتالية ليطال صلب إستراتيجية الحرب الخاطفة الميكانيكية، التي اختلّت “ثنائيتها” من خلال طغيان دور سلاح الجوّ عليها. وبموجب هذه النظريّة، لم يعد كافيًا أنّ يؤدّي دورًا حاسمًا في الحرب فحسب، بل ألقيت على عاتقه مهمّة تحقيق النصر، على غرار ما فعل في كوسوفو والعراق. هذه المراهنة الكبيرة على سلاح الجوّ أدّت، تلقائيًا، إلى تراجع دور الذراع البرّية، ومعها فكرة المناورة والجيش المناور. وقد شهدت هذه الذراع، على مدى سنوات، تخفيضًا في عدد وحداتها، وعديد أفرادها، واقتطاعات دورية من موازنتها السنوية. كما ساهم إنغماسها بعمليّات إخماد الإنتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلّة إلى تراجع مستوى أدائها القتالي.

حرب لبنان الثانية
شكّلت “حرب لبنان الثانية” مختبرًا حقيقيًّا لفحص هذه الرؤى والمفاهيم، واستبيان مدى ملاءمتها على أرض الواقع. وسرعان ما كشفت مجرياتها، بأنّ سلاح الجوّ الإسرائيلي، بكلّ جبروته، عاجزٌ عن إخضاع المقاومة وفرض الاستسلام عليها. ويعود السبب الرئيس إلى طبيعتها “الشبحية” غير الواضحة المعالم والمفاصل، على عكس الطبيعة الجليّة للقوات النظامية، التي حدّدها جوهان ثيرون كضرورة لنجاح نظريته. هذا العجز دفع برئيس الأركان، في أثناء سير الحرب، الجنرال دان حلوتس للقول: “إنّ الطائرة تدمّر، لكنّها لا تحتلّ تلّة أو ترفع علمًا”(27).
وفي الميدان تبيّن للعدو، أنّه يواجه قوّة مدرّبة منظّمة تمتاز بالعزم والصبر والثبات نجحت في فرض قوانين المواجهة عليه، وفق استراتيجيّتها وتكتيكاتها القتاليّة، حارمة إيّاه المبادرة، والقدرة على الاستفادة من فائض نيرانه، والتحكّم بسير القتال. لقد أبطلت المقاومة جزءًا كبيرًا من نيران العدو حين جرّته إلى قتال الأزقّة في البلدات والقرى الحدوديّة، حيث تنعدم مناورة
المدرّعات، وتبطىء حركتها. ولتفادي الخسائر في صفوفها، اُضطرّت القيادة الإسرائيلية إلى زجّ جنود المشاة، في معارك قتال تلاحمي لا يتناسق كثيرًا مع تكتيكاتهم المرتكزة على تفادي الاشتباك المباشر، قدر الإمكان، إفساحًا في المجال للنيران الكثيفة المتنوعة، التي توفّرها أسلحة الدعم الإسرائيلية.

في تلك المعارك، برهنت المقاومة عن براعة عالية في قتال الشوارع، وحُسن استخدام الأسلحة المضادّة للدروع. وقد خاضت المواجهات بمجموعات صغيرة مستقلّة تملك حرّية المبادرة ضمن حدود القطاع المكلّفة بالدفاع عنه، فجمعت بين أسلوب القتال الكلاسيكي، من حيث التمسّك بالجغرافيا، على غرار ما فعلت في بنت جبيل وعيتا الشعب وعيناتا، وبين طريقة حرب العصابات القائمة على المفاجأة والتمويه والتخفّي والحركة الدائمة. ساعد هذا النمط القتالي المركّب في منع العدوّ من حسم الحرب بالسرعة المعهودة، فتحوّلت إلى صراع استنزاف دام 33 يومًا، كان مرشّحًا للإطالة لولا صدور القرار الدولي 1701. وبهذا أُعطب مكوّن من مكوّنات العقيدة الأمنيّة الإسرائيلية الذي ينصّ على حسم الحرب بالسرعة القصوى.
إضافة إلى ما تقدّم، واجه الجيش الإسرائيلي في “حرب لبنان الثانية” معضلتين شائكتين كانتا من أسباب إخفاقه: الأولى، تمثّلت بالصواريخ المضادّة للدّروع من الجيلين الثالث والرابع، بخاصّة صاروخ “كورنيت – أي” الروسي الصنع الذي وصفه “زئيف شيف” بـمفاجأة الحرب، والقادر على اختراق تدريع أيّ دبابة في العالم.
وقد حوّلت هذه الصواريخ العالية الدقّة الآليّات الإسرائيليّة إلى “طرائد” سهلة الاصطياد، وشلّت حركة سلاح المدرّعات، نتيجة خسارته لواءً كاملاً، ما بين تدمير وإعطاب، على الرغم من محدوديّة المواجهات البرّية. بهذا عطّل المقاومون الذين برهنوا عن كفاءة عالية، باستعمال هذه الصواريخ أحد جناحَيْ إستراتيجية الحرب الخاطفة.

وكعلاج لهذه المسألة، لجأ الجيش الإسرائيلي إلى الحلول التقنية، فتبنّى برنامجًا طموحًا يقضي بتزويد دبابات القتال الرئيسة كلّها، منظومات مضادّة للصواريخ، مثل “معطف الريح” و”تروفي أكتف”، وهما من إنتاج شركة “رفائيل”  للصناعة العسكرية الإسرائيلية، تفوق كلفة الواحدة منهما 300 ألف دولار، وتشتمل المنظومة الاعتراضية: “على جهاز رادار عالي الحساسية، قادر على كشف الصاروخ المهاجم، واطلاق صاروخ باتجاهه لتدميره”(28). اتّخذ الإسرائيلي هذا الإجراء لتحصين سلاح المدرّعات في سياق ترميم إستراتيجية الحرب الخاطفة. وكتب عوفر شيلح معلّقًا: “إنّ القوّة التكنولوجية ليست الحلّ، فمع كل الاحترام للتكنولوجيا الإسرائيلية، ليس واضحًا إذا ما كان “معطف الريح” سيحلّ المشكلة نهائيًّا. ودلّت التجربة على أنّ الصواريخ ستنحرف في نهاية المطاف”(29).
ويعتقد شيلح أن الحلّ الجدّي يكمن “في الخطط القتاليّة الذكيّة، وخبرة الطواقم التي تقود الدبابات وقدرتها على التحمّل. في هذه الحالة، مهنيّة الجيش تحسم الموضوع أكثر من التكنولوجيا”(30). يشير تعليق الخبير عوفر شيلح إلى تراجع واضح عن حماسته لفكرة “الجيش الصغير الذكيّ” التي تبلورت، في الأساس، على خلفيّة القفزة التكنوليجية التي ميّزت نهاية الألفية الثانية.
أمّا المعضلة الثانية، فتمثّلت بالقصف الصاروخي، وهي أشدّ وطأة على الكيان الصهيوني، حيث أمطرت المقاومة عمقه بالصواريخ ذات الآماد المتعدّدة، فشلّت مناطق حيوية منه طوال أيام الحرب. هذا وقد نجحت إسرائيل في نقل الصراع إلى العمق اللبناني، لكنّها فشلت في تحييد عمقها عن تداعياته، فسقط مركّب ثانٍ من مركّبات عقيدته الأمنية المتمثّل بتحييد الداخل وحصر النار بأرض الخصم.
حاول الجيش الإسرائيلي، في إبّان القتال، معالجة مسألة الصواريخ بواسطة سلاح الجوّ الذي نشط في ظروف مؤاتية للغاية، حيث لا طائرات معادية أو دفاع جوّي يحدّان من مناوراته في السماء اللبنانية. وقد حقّق نجاحًا مقبولاً قبالة الصواريخ البعيدة المدى، المحمولة على قاطرات، نظرًا إلى ثقل حركتها وصعوبة إخفائها، في حين سجّل عجزًا كاملاً تجاه منصّات الكاتيوشا ومثيلاتها من الصواريخ القصيرة المدى القادرة على رمي صلياتها، والاختباء قبل وصول الطائرات الإسرائيلية.

عقب أخيل
هذا التهديد المستجدّ، دفع بالكيان الصهيوني إلى تسريع وتيرة تأمين نظام حماية طبقي ضدّ الصواريخ المنحنية بكلّ أنواعها. وكان قد باشر، منذ مطلع الألفية الثالثة، العمل على إنجازه، بعد تزايد خطرها، وتركيز أعدائه، دولًا وحركات مقاومة، على اقتنائها. والعام 2010، استكملت شركة “رفائيل” إنتاج منظومة القبّة الحديدية، المخصّصة لإسقاط صواريخ مداها دون الـ 70 كلم. وقرّرت القيادة الإسرائيلية نشر عشرين منظومة منها، قبل حلول العام 2013، لاستكمال بناء قوس الاعتراض الصاروخي، فوق المناطق والمنشآت الحيوية، المدنية والعسكرية من الكيان.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية تتخوّف، جديًّا، من تحوّل منشآتها، ولا سيما قواعد سلاح الجوّ، ومقرّات الأركان والاستخبارات، ومراكز التعبئة والتجمّع إلى أهداف مغرية لقصف الخصم الصاروخي. هذا التخوّف يستند إلى أساس، فقادة المقاومة أكّدوا، مرارًا، نيتهم استهداف مثل هذه المنشآت وغيرها، من الأهداف الإسرائيلية. وبناءً عليه، تبلور مفهوم لدى العدو: “بأنّه إذا تمّ ضرب قواعد حيوية، ومناطق انتشار القوات العسكرية بواسطة الصواريخ الأكثر تقدّمًا ودقّةً، فإنّ هذا الأمر سيؤثّر على قدرة الجيش الإسرائيلي، وعلى تنفيذ خططه الهجومية
بشكل حرّ ومستمرّ”(31). ولدرء هذه المخاطر، باشر العدو عمليًّا، بنشر منظومة القبّة الحديدية، فنصب أربع بطاريات منها حتّى الآن، في خراج مدن حيفا وأسدود وعسقلان ومستوطنة سديروت. وقد زعم أنّ بعضها اعترض صواريخ قادمة من قطاع غزّة،
ونجح بإسقاطها. هذا الزعم لا ينسجم كثيرًا مع الوقائع الميدانية، فعلى أثر عملية إيلات الفدائية الاحترافية، قصف الطيران الإسرائيلي القطاع، فردّ الفلسطينيون بإطلاق عشرات الصواريخ على مدن ومستوطنات النقب الغربي من دون إسقاط أيّ منها.

يُدرك الإسرائيلي أنّ المخاطر التي تهدّد جبهته الداخلية تتخطّى الصواريخ القصيرة المدى التي ينحصر تأثيرها بضرب قشرة المستوطنات الحدودية؛ فالمقاومة اللبنانية، عزّزت من ترسانتها كمًّا ونوعًا، وباتت تمتلك ذراعًا صاروخية تطال أيّ هدف على الخارطة الفلسطينية. وتكمن المعضلة الأكبر، في أن الخطر الصاروخي لم يعد يقتصر على المقاومة اللبنانية وحدها، بعدما أصبحت هذه الجبهة هدفًا إستراتيجيًا في مرمى تصويب كلّ أعداء الدولة العبرية. وباتت الصواريخ المنحنية بطرزها المتنوّعة، تحتلّ حيزًا كبيرًا من مساحة ترساناتهم الحربية. وبهدف تأمين الحماية من الصواريخ البالستية والبعيدة المدى، طلب باراك من الولايات
المتحدة مدّ يد العون، لكون منظومة “العصا السحرية” وصاروخ “حيتس” المنتج إسرائيليًا، بدعم مالي وتقني أميركي، والمخصّص للتّعامل مع الصواريخ البعيدة والمتوسطة المدى، لا تزال في طور التصنيع والاختبارات العملانية.
وكانت واشنطن قد تعهّدت، في حال نشوب حرب شاملة، تنخرط فيها إيران أو سوريا، بإرسال منظومات “ثاد” و “أيجيس” و “باك – 3” المركونة فوق متن سفن الأسطولين
الخامس والسادس إلى قبالة الشاطئ الفلسطيني. هذه الصواريخ تشكّل شبكة صدّ اعتراضية قادرة على التعامل مع أهداف معادية ضمن الارتفاعات كافة. في هذا السياق، تندرج سلسلة مناورات “جونيير كوبرا” المشتركة التي تقام دوريًا، بقصد التدرّب على دمج قدرات الاعتراض الصاروخي الأميركية والإسرائيلية، في أثناء الحرب، ضمن منظومة عمل واحدة، وتحت أمرة موحّدة. ولتعزيز قدرة الرصد والتعقّب لدى المنظومة الإسرائيلية، زوّدت واشنطن تل أبيب: “رادارًا متطوّرًا من طراز AN-TRY-2، مع طاقمه المؤلّف من 120 جنديًا أميركيًا، وهو قادر على رصد الصواريخ المهاجمة خلال دقيقتين، كونه مربوطًا بشبكة الانذار المبكّر الأميركية، وتمّ نصبه في إحدى قواعد الجيش الإسرائيلي بصحراء النقب”(32). هذا
الارتقاء الاستراتيجي في العلاقة، نقل الدور الأميركي، من خانة الرعاية والدعم وتقديم الخبرات، إلى موقع المشاركة المباشرة في أيّ حرب إسرائيلية مقبلة.

ولأنّ الفوارق تلاشت، تقريبًا، بين الجبهتين الأمامية والداخلية، تجهدُ القيادة الإسرائيلية لتحضير الكيان، لحرب تنهمر فيها مئات الصواريخ يوميًا، قد يحمل بعضها رؤوسًا غير تقليدية. لهذا خضع خلال السنوات الخمس الفائتة للعديد من التدريبات والمناورات، أهمّها “نقاط التحوّل” التي تجري سنويًا، وتنخرط فيها كلّ أجهزة الدولة المدنية والعسكرية على المستويات كافة بهدف اختبار مدى كفاءتها بمواجهة حرب مربّعة الأضلاع، تشترك فيها إيران وسوريا والمقاومة في لبنان وقطاع غزّة. هذا فضلاً عن تجهيز الملاجئ والغرف المحصّنة، والتدريب على إجلاء المستوطنين إلى مناطق أكثر أمنًا. هذا الكمّ من التدريبات والتحضيرات
والإجراءات، يدلّ على أهمية الجبهة الداخلية، التي تعدّ بمنزلة عقب أخيل في
الإستراتيجية الإسرائيلية، لأنّه من دون حمايتها وتحصينها، من الصعوبة على
العدو الاندفاع نحو حرب جديدة(33).

احتدام الجدل الداخلي
أثارت المعالجات التّقنية لمسألة القصف الصاروخي، حفيظة بعض الجنرالات والخبراء الإسرائيليين الذين اعتبروها مضيعة للوقت، وهدرًا للمال لا طائل منه لاعتقادهم بأنّ المنظومات الإعتراضية، حتى لو برهنت عن نجاحاتها، لا تضمن توفير دفاع محكم السدّ، لأنّ اختراق عشرات الصواريخ، يكفي لتحقيق مبتغى الخصم الآيل إلى تعطيل دورة الحياة في المناطق المعرّضة للنيران، وإجبار مستوطنيها على الإخلاء أو الاختباء في الملاجئ. ويتقصّد الخصم إشعارهم بأنّ الحرب الدائرة على الجانب الآخر ليسوا بمنأى عن تأثيرها. ويقول الباحث الإسرائيلي العقيد رون تيرا: “إذا كان ضرب 60% من القدرات القذائفية لحزب الله، سيقلّل من عمليات إطلاقها على المؤخّرة الإسرائيلية من 250 قذيفة إلى 100 في اليوم
الواحد، فهذا لن يغيّر من الجدوى الحربية /الإستراتيجية لحزب الله، الهادفة
لشلّ الحياة في إسرائيل”(34).
في حين، قارب بعضهم المسألة من جانبها الاقتصادي، كون الحرب عبارة عن “اقتصاد مكثف”، وأعطى مثالاً، عن ثمن الصاروخ الاعتراضي للقبّة الحديدية البالغ حوالى 40 ألف دولار، وقارنه بالثمن الزهيد لصاروخ الكاتيوشا أو القسّام. وأجرى عملية حسابية بسيطة، لحرب تدوم شهرًا فقط، تسقط فيها مئات الصواريخ يوميًا، فوجد أنّ كلفتها الباهظة، لا تتناسب، أبدًا، مع جدواها العملانية الخجولة.
هذا الأمر، دفع الخبير الإسرائيلي رؤوبين بدهستور للتساؤل متهكّمًا: “ما هوالمنطق الكامن وراء إطلاق صاروخ كلفته 100 ألف دولار، لإسقاط ماسورة ثمنها عشرات الدولارات؟. وإذا نجح الصاروخ الاعتراضي بإصابة صاروخ القسّام، سيحوّله إلى شظايا، من شأن كلّ شظية منها أن تقتل”(35)، ما يعني، أنّه بالإمكان تحويل المبارزة بين الصاروخ والمنظومة الاعتراضية، إلى حرب استنزاف إقتصادية؛ فخلال يومَيْ 8 و 9 نيسان/ أبريل 2011 أطلقت المقاومة من قطاع غزّة عشرات الصواريخ وقذائف الهاون على مدن النقب ومستوطناته؛ “فنجحت المنظومة بإسقاط ثمانية صواريخ، بلغت كلفة إسقاطها 1,1 مليون دولار”(36)، أيّ تعدّت كلفة إسقاط الصاروخ الواحد المئة وثلاثين ألف دولار. وكبديل عن المنظومات الاعتراضية، إقترح الجنرال “يتسحاق بن يسرائيل” قائلاً: “يجب أن نصبّ جلّ اهتمامنا على
إعداد الجيش الإسرائيلي لحسم الحرب بسرعة، وعندها يصبح تحصين الجبهة الداخلية غير ضروري”(37). هذا الكلام يحمل دعوة للعودة إلى المنهج الأوّل، منهج الهجوم البرّي الواسع، للسّيطرة على مناطق إطلاق الصواريخ وتدميرها.

يبدو أنّ القيادة العسكرية الإسرائيلية لم تغفل هذا الجانب في إطار إستراتيجية ثلاثية لمكافحة التهديد الصاروخي، قوامها: سلاح الجوّ، ومنظومات الاعتراض الصاروخي، والقوات البرّية، لخلق توازن بين مركّبات الدفاع والهجوم في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي. وبناءً على الدروس والعبر المستقاة من “حرب لبنان الثانية”، وتوصيات لجنة فينوغراد، لم تكتف القيادة الإسرائيلية بهذا القدر من الإجراءات، بل أقرّت جملة تدابير لمعالجة عيوب تلك الحرب، شملت إعادة النظر بالمراتب القيادية العليا، وأساليب التفكير، والتدريب والتسليح والمفاهيم
القتالية(38). كما وضعت برنامج تدريب طموحًا، لتأهيل أذرعة الجيش المختلفة، ولا سيما البرّية منها، تماشيًا مع مفهوم جديد، “تايـفن”، اعتمدته الورشة الاركانية، صيف 2007، كبديل عن مفهوم “كيلع” الذي خيضت الحرب على أساسه، ولم يثبت فعاليته. أعاد “تايفن” البريق إلى القوّات البرّية، فأُعيد تدريبها، وتعزّزت موازنتها، وتوسّع ملاكها، بعد إنشاء فرقة مدرّعة ولواء إنضمّا إليها.
هذه مؤشرات تدلّ على طبيعة الحرب المقبلة، والحيّز الكبير المخصّص لقوى البرّ فيها، مع الحفاظ على مكانة سلاح الجوّ، كقوّة حاسمة، لا غنى عن دورها أبدًا، ليتناسق جناحا الحرب الخاطفة من جديد.

عودٌ على بدء
ينوي الإسرائيليون إدخال تعديلات على دور سلاح الجوّ في الحرب المقبلة، بحيث يكفّ عن هدر طاقاته بملاحقة الصواريخ الصغيرة، ويركّز على تنفيذ “عقيدة الضاحية”، بعد تعميم تجربتها. وقد صرّح بهذا الخصوص، قائد الجبهة الشمالية السابق الجنرال “غادي أيزنكوت”، لصحيفة يديعوت أحرونوت قائلاً: “إنّه يعتبر اصطياد مطلقي الصواريخ حماقة مطلقة، إذ عندما تكون آلاف الصواريخ في الجانب الآخر، لا يمكنك اصطيادها”(39). وعن طبيعة الحرب المقبلة أكّد: “سنستخدم قوّة نيران غير متكافئة، ضدّ كلّ قرية تُطلق منها النار على إسرئيل، وسنلحق بها ضررًا ودمارًا هائلين”(40). وفي هذه المقابلة لم يخف تهديداته ضدّ الحكومة والجيش والبنى التحتية في لبنان. أمّا باراك فكان كلامه أكثر وضوحًا: “إذا اندلعت مواجهة في الشمال، سيتحوّل كلّ لبنان إلى هدفٍ”(41). وما لم يقله أيزنكوت وباراك، عن أسلوب جيش العدو في إدارة الحرب المقبلة، أفصح غابرييل سيبوني عنه: “بمقدور الجيش الإسرائيلي أنّ يستخدم القوّة النارية والمعركة البرّية معًا: ستكون مهمّة القوّة النارية توجيه ضربة عميقة مستمرّة تعزّز من الردع، بينما هدف القوات البرّية احتلال المنطقة التي يتمّ تشغيل وسائط إطلاق الصواريخ منها والسيطرة عليها سيطرة عملية”(42).

يعزّز كلام سيبوني، وخبراء إسرائيليين آخرين، من اعتقادنا بأنّ الحرب الآتية، إذا حدثت، ستقوم على الجهد الجوّي بالتناسق مع عمل برّي واسع، لحسمها بأقصى سرعة ممكنة، لكي لا تتكرر تجربة “حرب لبنان الثانية”. وتدل التحضيرات الجارية على المستويين الإستراتيجي والتكتي أن الجيش الإسرائيلي، وبالاستناد إلى مقولة “عود على بدء”، قد عاد أدراجه نحو استراتيجيته الأولى، أي الحرب الخاطفة.
والدلالة البيّنة على ذلك، تصريحات قادته، وبرامج تدريباته وتطبيقاتها على مواقع و”قرى” جرى استحداثها في الأغوار الفلسطينية، شبيهة بقرى الجنوب اللبناني. هذا فضلاً عن تبنّيه مفهومًا قتاليًا، تايفن، أعاد الروح إلى قواته المدرعة. وتظهر الاستعدادات الإسرائيلية ميلاً واضحًا لعودة متجددة إلى أسلوب المناورة على الأجنحة، والتطويق، والاندفاع باتجاه عمق الخصم ما يؤشر إلى سيناريو محتمل، أقرب إلى سيناريو اجتياح العام 1982، مع تعديلات تراعي اختلاف طبيعة الخصم، ومتغيرات مسرح العمليات. وفي تقدير افتراضي، يستوجب هذا السيناريو تنفيذ سلاح الجوّ المعادي، عند حلول ساعة الصفر، إغارات كثيفة على كل مواقع المقاومة المحتملة، المرصودة في بنك الأهداف الإسرائيلية. وتُعطى الأولوية لمهاجمة منصّات الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، للتقليل قدر الإمكان، من حجم النيران التي سوف تنهمر على العمق الإسرائيلي في إطار الرد المضاد للمقاومة. ولن تنتظر قوات العدو المدرّعة، وقتًا طويلاً لتبدأ تقدمها على المحاور الرئيسة، تحت غطاء نيران سلاحَيْ الجوّ والمدفعية الكثيفة، واضعةً مهمة احتلال البقعة الجغرافية التي يمكن إطلاق الصواريخ القصيرة المدى منها كهدف أوّلي لها. ومن المقدر أن تكون وستكون عمليات الإبرار الجوّي الكثيفة
إحدى سمات الحرب. هذا النوع من العمليات يهدف إلى إقامة رؤوس جسور للقوّات المهاجمة، وتقطيع الأوصال، والإمساك بالمرتفعات المشرفة، ومفارق الطرق الرئيسة، والاستيلاء على النقاط الحصينة، لإبعاد القصف الصاروخي، قدر الإمكان، عن العمق الإسرائيلي. لكنّ أي سيناريو من هذا النوع طموح ذو كلفة عالية، ودونه معوّقات كبرى، قياسًا على تجربة المواجهات البرّية صيف 2006. ويدرك الإسرائيلي أنّ توغّل فرقه المدرّعة في عمق الجنوب اللبناني، سيصطدم بقوى المقاومة ووحدات الجيش اللبناني المنتشرة في جنوب نهر الليطاني وشماله. ومن المؤكد أنّ هاتين القوّتين آخذتان بالاعتبار هذا السيناريو وغيره من خطط الحرب الإسرائيلية.
وسنكتفي بهذا القدر، لأنّ الحرب الآتية، وسبل مواجهتها، ليستا موضوع بحثنا الآتي.

الخاتمة
ما تقدّم، هو عرض لسيرورة مسار تدرّجي للجيش الإسرائيلي، يُبيّن باقتضاب، ما فعله خلال عقوده الستّة، وما شهدته بنيته التنظيمية والعقيدة من متغيّرات، شملت المستويات الثلاثة، التكتي والعملاني والإستراتيجي، وتفريعاتها المتشعّبة. هذه المتغيّرات كانت نتاج عوامل ذاتية وموضوعية، لها علاقة بخلاصات حروب الدولة العبرية، وحروب حلفائها أيضًا. وكذلك بالقفزات العلمية والتكنولوجية، وانعكاسها تطوّرًا في حقل صناعة أدوات القتال، بخاصّة منها
وسائط النيران الدقيقة القادرة على تدمير العدو عن بعد.
إنّ القصد من الإضاءة على سيرورة الماضي، هو محاولة لقراءة صيرورة المستقبل، وما يخبئه من حروب أدمنت إسرائيل على التهديد بالشروع بها، ضدّ أعدائها، ولا سيما في لبنان. ويستوجب التنّبؤ بخبايا الغد، رصد سلوك العدو، وما يصدر من قول وفعل عنه. وكلاهما يشير، مذ توقّفت “حرب لبنان الثانية”، إلى رغبة جامحة لديه، بإشعال فتيلها مجدّدًا، لكن بشرط توافر الظروف الملائمة، لكي لا يصاب بالخيبة ثانيةً. لذا يجري الإسرائيلي حسابات دقيقة، تُقوّم عناصر الربح والخسارة الخاصّة بالحرب المحتملة، مضافًا إليها عنصرٌ مستجدٌّ، لا بدّ من أخذه بالاعتبار، ويتعلّق بالعصف الذي يلفّ بلاد الضادّ مغربًا ومشرقًا، مخلخلاً أسس
النظام الرسمي العربي المتقادم. فالوضع الحالي بتعقيداته وتشعّباته، يُخرج حصرية قرار الحرب من أيدي الطرف المعني مباشرة، لأنّه في ظلّ الاضطراب الحاصل، يصعب حصر نيرانها بجبهة محدّدة، ومنع انتشارها لتشمل المدى الاقليمي برمته.

إنّ العنصر المستجدّ، وعلى الأخصّ ما يحدث في مصر وسوريا، يحمل بالمنظور الإسرائيلي، نقاط سلب وإيجاب في آنٍ واحد. وقد تمثّلت نقطة السلب بحدوث الثورة المصرية التي أطاحت نظامًا، أقام شراكة إستراتيجية مع الولايات المتحدة، وقدّم في إبّان العقد الأخير، خدمات جلّى، في مجالات شتّى، للأمن القومي الإسرائيلي.
وبانت تباشير المتغيّر المصري، ومردودها السلبي على الكيان الصهيوني، حين أحجمت حكومته عن تنفيذ عقاب برّي ضدّ قطاع غزّة، كردّ على عملية إيلات، خشية تثوير الجمهور المصري، المطالب أصلاً، بطرد السفير الإسرائيلي، وإعادة النظرباتفاقيات كمب ديفيد، إضافة إلى تصنيف القيادة العسكرية الإسرائيلية للجبهة الجنوبية مع مصر، جبهة “محايدة” حتى الآن، بعد أن كانت صديقة في عهد مبارك. في المقابل تمثّلت نقطة الإيجاب، إسرائيليًا، بأحداث سوريا الآيلة إلى إنهاكها وإضعافها، كونها تشكّل حبل السرّة الرابط بين مكوّنات ما يعرف بمحور الممانعة، المناهض للمشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة. وإنّ أيّ تغيّر سلبي في دور سوريا، سوف يقلّل من قدرات هذا المحور، ويؤثّر على مجمل عملية الصراع مع
العدو الإسرائيلي.
أخيرًا، يشير متن بحثنا، إلى أنّ حرب لبنان الثانية وتداعياتها، كانت المؤثر الأول في استعادة الجيش الإسرائيلي لإستراتيجية الحرب الخاطفة. وهي استعادةٌ تبرز وجهين في آن واحد، أحدهما ينمُّ عن مرونة تميّز بها هذا الجيش الإسرائيلي، وأخرى تظهر شيئًا من التخبّط والبلبلة، جعلته يستدير إلى الخلف.
أمّا السؤال عن مدى صوابية العودة أو عدمها، فيبقى الحكم النهائي عليها، رهنًا بنتائج حرب “ثأرية”، يعمل العدو، بلا كلل، لاستكمال عدّتها، وتوفير عناصر نجاحها الميداني.

الهوامش*

1-   ليدل هارت، “الإستراتيجية وتاريخها في العالم”، دار الطليعة، بيروت، الطبعة
الأولى، 1967، ص44.
2-  بريان بوند، “الفكر العسكري عند ليدل هارت”، المؤسسة العربية للدراسات
والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1979، ص224.
3- المرجع ذاته، ص229.
4- محمود عزمي، “دراسات في الحرب الخاطفة”، دار الحقيقة، بيروت، الطبعة
الأولى، 1972، ص246.
5-  جاك بينودي، “تساحال”، شركة المطبوعات الشرقية، بيروت، الطبعة الأولى،
1982، ص129.
6- شيمون بيريز، “حروبنا مع العرب”، الشركة الحديثة لتوزيع الكتب والمنشورات،
بيروت، 1971، ص115.
7- المرجع ذاته، ص78.
8-  المرجع ذاته، ص76.
9- حاييم هرتزوغ، “الحروب العربية الإسرائيلية (1948 – 1982)”، سينا للنشر،
القاهرة، الطبعة الأولى، 1993، ص15.
10- ادغار أوبالانس، “الحرب الثالثة”، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،
بيروت، الطبعة الأولى، 1988، ص32.
11-  هيثم الكيلاني، “المذهب العسكري الإسرائيلي”، مركز الدراسات الفلسطينية،
بيروت، الطبعة الثانية، 1969، ص657.
12- موشيه دايان، “حرب الغفران”، دار الجليل للنشر، عمّان، 1976، ص32 .
13- حاييم هرتزوغ، “الحروب العربية الإسرائيلية”، مرجع سابق، ص213.
14- حاييم هرتزوغ، “الحروب العربية الإسرائيلية”، مرجع سابق، ص221
15- بريان بوند، “الفكر العسكري عند ليدل هارت”، مرجع سابق، ص229
16- المرجع ذاته، ص248
17- إيليا زعيرا، “حرب يوم الغفران”، المكتبة الثقافية، بيروت، 1996، ص28
18- سليمان رشيد سليمان، “الإستراتيجية النووية الإسرائيلية”، دار الطليعة،
بيروت، الطبعة الأولى، 1988، ص11
19-  عايزر وايزمن، “السماء ليست الحدود”، دار الجليل للنشر، عمّان، 1978، ص404
20- للمزيد، أنظر محمد خواجه، كتاب “إسرائيل الحرب الدائمة (اجتياح العام 1982”)، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى، 2010
21- عوفر شيلح، صحيفة معاريف، 28/5/2010.
22-  التقرير الإستراتيجي السنوي، الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي
الأسرائيلي، 2010، ترجمة باحث للدراسات، ص265.
23- ليدل هارت، “الإستراتيجية وتاريخها في العالم”، رجع سابق، ص41
24-  غابرييل سيبوني، “التقرير الإستراتيجي السنوي” 2010، مرجع سابق، ص78.
25- عوفر شيلح، “لماذا يجب إحداث ثورة في الجيش الإسرائيلي” ترجمة باحث
للداراسات، بيروت، 2004، ص48.
26-  عوفر شيلح، “لماذا يجب إحداث ثورة في الجيش الإسرائيلي”، مرجع سابق، ص60.
27- مقابلة مع دان حالوتس، صحيفة هارتس، 3/8/2006
28-  صحيفة معاريف، 3/7/2009
29- عوفر شيلح، “التكنولوجيا ليست الحل”، صحيفة معاريف، 25/8/2007
30- المرجع ذاته.
31- مئير إلران، “التقرير الإستراتيجي السنوي”، 2010، مرجع سابق، ص94
32- صحيفة هأرتس، 29/9/2008.
33- للمزيد، انظر مقالة محمد خواجه، صحيفة السفير، 15/8/2011.
34- رون تيرا، “النضال حول سجيّة الحرب”، الدار العربية للعلوم ناشرون،
الدوحة، 2010، ص19.
35- رؤوبين بدهستور، صحيفة هأرتس، 31/12/2007.
36- علي دربيج، صحيفة السفير، 8/8/2011.
37- يتسحاق بن يسرائيل، صحيفة يديعوت أحرونوت، 10/12/2007.
38- للمزيد، انظر محمد خواجه، كتاب “الشرق الأوسط تحوّلات إستراتيجية”، دار
الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى، 2008.
39-  مقابلة مع غابي أيزنكوت، صحيفة يديعوت أحرونوت، 3/10/2008.
40- المرجع ذاته.
41-  صحيفة هأريتس، 25/11/2009.
42-  غابرييل سيبوني، “التقرير الإستراتيجي السنوي”، 2010، مرجع سابق، ص88.

*محمد خواجه – باحث في الشؤون العسكرية مجلة الدفاع الوطني * العدد-79 يناير.2012 * موقع الجيش اللبناني * 2/3/2012

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.