الانتخابات التشريعية الجزائرية : الخارطة والدلالات وحديث عن الأخلاق والتمكين - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

الانتخابات التشريعية الجزائرية : الخارطة والدلالات وحديث عن الأخلاق والتمكين

0 77

مركز الجزيرة للدراسات –  بقلم بوحنية قوي *- 10/6/2021

تنتظر البرلمان الجزائري المقبل تحديات كبيرة منها ما هو مرتبط باسترجاع الأموال المنهوبة وإعادة صياغة قوانين مكافحة الفساد والتي وعد بها الرئيس، ومنها ملف الذاكرة باعتباره أحد الملفات حساسية في التعاطي مع الموروث التاريخي المرتبط بملف التعامل مع المستعمر الفرنسي السابق .

تطرح الانتخابات التشريعية المقبلة عدة تساؤلات جوهرية ترتبط بعمق التغير السياسي والدستوري الذي ستشهده الجزائر خلال العقود المقبلة؛ إذ إن ما سيفرزه الاستحقاق البرلماني المقبل سينعكس أثره على سرايا الحكم وطبيعة النظام السياسي ودواليب هندسة المشهد الانتخابي المقبل والذي تحكمه مفردات جديدة يُسوِّقها الرئيس، عبد المجيد تبون، في مختلف خرجاته الإعلامية. فكما أن لكل رئيس جزائري “معجميتَه اللغوية السياسية” بدءًا بالرئيس الأسبق، ابن جديد، وكذلك زروال والرئيس المعزول، بوتفليقة، فإن لتبُّون رسائله المعجمية والتي تنطلق من رؤى تسويقية تحكمها مصطلحات “الجزائر الجديدة” و”أخلقة الحياة السياسية” و”التمكين السياسي للشباب”، وهي مفردات أضحت السمة اللصيقة بالطيف السياسي الانتخابي الذي سيسيطر على مفاصل البرلمان المقبل.

أولًا: في مخرجات الاستفتاء على الدستور

في السباق السياسي الانتخابي، جرى العرف الجزائري والسياسي أن لكل رئيس دستورَه، والحال نفسها تنطبق على الرئيس تبون الذي أكد في مجمل حملاته الانتخابية التي سبقت استحقاق الانتخابات الرئاسية التي عرفت ضغطًا وموافقة من طرف المؤسسة العسكرية متمثلة في قائد الأركان الراحل، الفريق أحمد قائد صالح، لصالح تيار الخيار الدستوري على حساب الخيار السياسي والذي اعُتِبَر وفق رؤية المؤسسة العسكرية بمنزلة قفزة في المجهول. 

وعقب فوز تبون بالانتخابات الرئاسية التي جرت في 12 ديسمبر/كانون الأول 2019 وبنسبة بلغت 58.13%، لم يمض عام على تولِّيه سدة الحكم ووفاءً بالتزامه بإجراء تعديل دستوري عميق، فقد جرى الاستفتاء على الدستور في تاريخ 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 وهو تاريخ يحمل رمزية عالية في المخيال الجمعي الجزائري. للإشارة، فقد شهد الاستفتاء على التعديل نسبة مقاطعة مرتفعة إذ بلغ عدد الأصوات المعبَّر عنها 5 ملايين فقط من أصل 23 مليون مسجَّل في الهيئة الناخبة وهو ما يمثل نسبة 23.84%، وهي نسبة ضئيلة أصابت مبادئ الشرعية في مقتل على اعتبار ما ساد العملية من إجراءات تعبئة عميقة شاركت فيها فعاليات سياسية وحزبية حُسِبت تاريخيًّا على النظام السابق، ناهيك عن انخراط وسائل الإعلام الثقيلة في هذا المسعى في عملية لقيت استهجانًا من طرف طبقات واسعة من التيار الحراكي الرافض لإجراءات الاستفتاء لكونه ينظر إليه كأداة للأزمة لا ميكانيزم للحل.

وزاد من هذا الاتجاه حملة التعبئة غير المبررة من طرف الجهاز التنفيذي الحكومي وهو ما سبَّب حالة “عميقة” شكَّلت شرخًا ظاهرًا تمثَّل في نفور كتلة ضخمة من الهيئة الناخبة التي رأت في سلوكيات بعض أعضاء الطاقم الحكومي حالة استفزاز غير مبررة.

استمر النظام السياسي في خياراته الدستورية رغم صعوبة المشهد وضبابيته وقد زاد من سوء الوضع حالة جائحة كورونا التي عقَّدت من الأداء الحكومي لحكومة رئيس الحكومة، جراد عبد العزيز، الأولى والثانية، ناهيك عن الوضع الصحي للرئيس تبون وانتقاله للعلاج في ألمانيا لعدة مرات ولفترة قاربت الشهرين وهو ما شكَّل مانعًا من سلاسة انتقاله بين الولايات الجزائرية المختلفة وفَتَحَ مجالًا للتأويلات المختلفة والمتباينة عن غيابه عن العرس الانتخابي الرسمي يوم 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 انتهت بعودته لتوقيع مرسوم التعديل الدستوري والسنة المالية 2021، ثم اعتماده بعد ذلك على لقاءات دورية تليفزيونية مسجلة بين مختلف وسائل الإعلام الوطنية والدولية على غرار جريدة لوبوان الفرنسية وفرانس 24 واللقاء الاستثنائي مع قناة الجزيرة، الذي بُثَّ بتاريخ الثلاثاء 8 يونيو/حزيران، في رسالة مفادها القطع مع كثير من سلوكيات عهد بوتفليقة الذي كان في حالة عداء مستحكم مع وسائل الإعلام خصوصًا الوطنية منها.

ترك الاستفتاء تأويلات عديدة بدأت بمحتويات التعديل الدستوري ودور المؤسسة العسكرية في التعديل الدستوري الجديد وإمكانية مشاركتها في عمليات خارج التراب الوطني مبتعدًا تدريجيًّا عن الخيارات العقائدية الأمنية السابقة ومستجيبًا لتحديات الوضع الإقليمي المشتعل في إفريقيا وفي دول الجوار. كما أثارت لجنة صياغة الدستور التي يرأسها الخبير القانوني، أحمد لعرابة، لغطًا كبيرًا بين رافض ومبرر، وصولًا إلى إعلان نتيجة الاستفتاء عندما أثار رئيس السلطة الوطنية للانتخابات، السيد محمد شرفي، أثناء إجابته على أسئلة الصحافة بعد إعلان نتيجة الاستفتاء حول آليات الاستفتاء ونتيجته والظروف التي شابته بعبارته الشهيرة: “السوسة المدسوس”، وهي عبارة جزائرية تشير إلى أن “وراء الأكمة ما وراءها”، وفهم منها الكثير وجود نية تزوير مبيتة، كما فهمها آخرون وجود ضغوط تلقتها هيئته في العملية الإشرافية المعقدة. وقد اتضح الأمر بعد أشهر سواء في تغيير قانون الانتخابات التي تحولت بموجبه السلطة الوطنية إلى إحدى أدوات إدارة الحملة والعملية الانتخابية بعد أن كانت في السابق تتمتع بقانون عضوي. كما تغيرت هيكلتها لاحقًا بإسقاط رؤوس كبيرة كانت تملأ الشاشات ووسائل الإعلام وبعضها كان ملكيًّا أكثر من الملك، وانتهاء بإعطاء صلاحيات مهمة لهذه الهيئة المستحدثة والتنصيص عليها دستوريًّا في التعديل الدستوري الأخير.

أسهم إقرار الدستور الذي كان نفقًا ضروريًّا لابد للعبور خلاله لتدارك الدولة من الانهيار ورفض سياسة القفز في المجهول، إلا أن أنصار الحل السياسي رأوا فيه انتهاكًا لأحكام الدستور واستمرارًا للوصاية على الشعب باعتماد دستور جديد بنسبة ضئيلة. إلا أن هذا لم يمنع مناقشة مدى مشروعيته حسب بعض القانونيين في اعتماد الوثيقة الدستورية التي أريد لها أن تكون صالحة للأجيال القادمة وألا تكون عرضة للتعديل السريع بمجرد وصول رئيس جديد لقصر المرادية وذلك بالنظر إلى نسبة التأييد الضعيفة التي حظي بها(1).

للإشارة، فقد عرفت الجزائر محطات دستورية متفرقة تراوحت بين التعديلات العميقة والدساتير الجديدة وكانت على التوالي دستور 1963، ودستور 1976، ودستور 1989، ودستور 1996 الذي عُدِّل 3 مرات في سنوات 2002 و2008 و2016 وصولًا إلى الاستفتاء حول التعديل الدستوري لسنة 2020.

وككل عملية انتخابية تستمد شرعيتها من الناخب ومن العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فقد شرع الرئيس عقب عودته في تبني خطاب ترميمي جامع في لقاءاته المختلفة يرسل تارة رسائل لخصومه السياسيين في كونه يدرك مراميهم وتحركاتهم وتارة إلى أقطاب الحراك الذي اعتبره “حراكين اثنين”: أحدهما أطلق عليه الحراك الأصيل أو المبارك والذي اعتبره أسقط حكم العصابة بخروج 13 مليون جزائري في جمعات مختلفة لإسقاط بوتفليقة، وحراك متشرذم مُتَلاَعبٌ به لا يمتلك مطالب واضحة، وهو ما جعل النظام السياسي يمنع الرخص للمسيرات ويعتبرها مخترقة وتخدم أجندات أعداء الوطن وهو بذلك يعيد “خطاب الأمننة “الذي يربط دائمًا بين متغير الحالة الأمنية وضرورة التحكم فيها وما تشهده البلاد من تحولات تخدم أهدافًا مشبوهة.

ثانيًا: الكتل التصويتية والكيانات السياسية والقوائم الحرة: غياب البوصلة

أكد رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، محمد شرفي، أن القوائم المقبولة كليًّا ودون تحفظ لخوض غمار تشريعيات 12 يونيو القادم بلغ عددها 1483 قائمة منها 646 قائمة حزبية و837 قائمة من المترشحين الأحرار. وأوضح شرفي في لقاء صحفي عقب الاجتماع الذي جمعه بممثلي 16 حزبًا سياسيًّا بمقر السلطة يوم 9 مايو/أيار أن هذه الأخيرة استقبلت 4900 قائمة عبَّرت عن رغبتها في المشاركة في الانتخابات التشريعية القادمة وسحبت الاستمارات.

وبلغ عدد القوائم التي أودعت الاستمارات 2490 من بينها 1237 تابعة لأحزاب سياسية و1253 قائمة حرة، وأضاف أن القوائم المقبولة “كليًّا ودون تحفظ” بلغ عددها 1483 قائمة منها 646 قائمة حزبية و837 قائمة من الأحرار. ولدى تطرقه إلى الأسباب المؤدية إلى رفض قوائم عن غيرها، قال شرفي إنها تتمثل في الصلة مع أوساط المال والأعمال المشبوهة (1199 قائمة مرفوضة) والمحكوم عليهم نهائيًّا بعقوبة سالبة للحرية (281 قائمة) ونقص الوثائق المطلوبة (410 قائمة)(2).

كما تعهد رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، بحماية الأصوات في الانتخابات البرلمانية المقررة 12 يونيو الجاري، وذلك خلال مؤتمر صحفي له خصص لتقييم الأسبوع الثاني من الحملة الدعائية للبرلمانيات، معلنًا أن “عهد العلبة السوداء انتهى، وانطلاق الجزائر الجديدة، وهو شعار الولاية الرئاسية للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، سيكون خلال هذا البرلمان”، مشيرًا إلى أن “سلطة الانتخابات جاهزة من كل النواحي بما فيها الالتزام القانوني والأخلاقي لحماية أصوات الناخبين”(3).

تستمد الانتخابات التشريعية المقبلة خصوصيتها من خلال الملامح التالية:

1- هي أول انتخابات تشريعية تأتي في ظل حكم الرئيس، عبد المجيد تبون، بعد قرار اتخذه الرئيس بحل البرلمان السابق، بتاريخ 1 مارس/آذار 2021، بموجب مرسوم رئاسي رقم 21/77 والذي اعتُبر بمنزلة برلمان غير شرعي في نظر المعارضة؛ إذ على مدار أكثر من عقد تم تمرير عديد القوانين بمراسيم رئاسية دون العودة إلى المؤسسة التشريعية وهو ما غيَّب حالة المشاركة السياسية الحقيقية وأدى إلى تفشي ظاهرة شراء الأصوات وغياب ما أضحى لاحقًا يسمى “الأخلاقية السياسية”.

2- تعتبر أول انتخابات تتم دون مساحيق المنظمات الجماهيرية التي كانت تملأ الفضاء السياسي وتمارس التخوين ضد من يعارض مسار السلطة، وبروز أقطاب سياسية وجمعيات وحركات مجتمع مدني جديدة مختلفة المشارب ومتعددة الاهتمامات بسبب تسهيل السلطة إجراءات الترخيص ومنح الاعتماد لآلاف الجمعيات الوطنية والولائية والمحلية.

3- تتميز الانتخابات بأجواء تطبعها حالة عدم اليقين وعدم التأكد uncertainty؛ ففي المواعيد الانتخابية السابقة كانت أحزاب السلطة تضمن نصيبها بالغالبية النسبية أو المطلقة وهي غير موجودة في هذه المحطة الانتخابية، بل إن بعض أحزاب السلطة على غرار حزب جبهة التحرير أُسقط كثير من قوائمها في ولايات مهمة وبعضها أُسقط منه رؤوس ثقيلة تنتمي إليها بدعوى شبهة المال الفاسد نتيجة التحقيقات الإدارية الأمنية وتم تعويضها لاحقًا بأسماء جديدة.

4- هذه الانتخابات تستدعي مفاهيم القبيلة والعرش والجهة بقوة وهو ما برز في الولايات الداخلية والتي تُعطَى فيها الأولوية في السلوك التصويتي للدوائر الضيقة والحساسيات الجهوية على حساب الانتماء الحزبي بل إن استدعاء هذا المعطى يبرز حتى داخل القائمة الواحدة بسبب استحداث نظام انتخابي جديد اعتمد نظام “القائمة المفتوحة” وهو ما جعل أغلب المترشحين داخل القائمة الواحدة يمارسون الدعاية الانتخابية لصالحهم على حساب القائمة الواحدة.

5- مكَّن نظام الانتخابات الجديد رقم (21-01، المؤرخ في 10 مارس/آذار 2021) من إعطاء الأولوية للمشاركة للشباب بدعوى التمكين السياسي لهم وألغى الإجراءات المعمول بها في نظام القانون العضوي السابق والمسمى بقانون توسعة حظوظ المرأة في المجالس المنتخبة والذي أثبت عدم كفاءته التشريعية في ظل هيمنة السلطة التنفيذية.

6- بروز أقطاب تستظل بعباءة الرئيس على غرار تجمع نداء الوطن والذي يضم عشرات الجمعيات الوطنية والذي تم الإعلان عن تأسيسه بتاريخ 6 مارس/آذار 2021 لغرض دعم المسار الانتخابي وتشكل هذا التيار من تكتلات شبابية ونقابية وجامعية وكشفية يرأسهم مستشار الرئيس تبون المكلف بالمجتمع المدني والجالية بالخارج، السيد “نزيه برمضان”.

7- مكَّن النظام الانتخابي الجديد من التخلص من وجوه قديمة عشَّشت في مبنى زيغود يوسف لأكثر من عهدتين؛ فقد منع النظام الانتخابي الجديد إمكانية الترشح لأكثر من عهدتين وهو ما أقصى رؤساء أحزاب وشخصيات سياسية راديكالية حُسبت على اتجاهات بعينها مثل زعيمة حزب العمال السابقة، لويزة حنون، وكثير من نواب الولايات الداخلية.

8- في ظاهرة تحتاج إلى بحث معمق ظهرت شخصيات تنتمي إلى تيارات سياسية بعينها وكيانات سياسية معارضة رفض أضرابها الانخراط في المشاركة التشريعية إلا أنها ترشحت في قوائم حرة، كما سجل الملاحظ حالات التجوال السياسي بين مختلف التشكيلات السياسية.

9- بروز تباين شديد في الحراك السياسي؛ إذ برزت شخصيات نشطة في الحراك كانت ترفض أي خيارات دستورية وترى أن الرئيس تبون غير شرعي إلا أنها انخرطت في العميلة الانتخابية سواء في قوائم حرة مستقلة أو في أحزاب سياسية ظهرت بعد الحراك.

10- بروز ظاهرة غريبة كانت تعاب على أحزاب التحالف الرئاسي لتفاجئ المتابع السياسي بترشيح تشكيلات سياسية وطنية وإسلامية لأبنائهم وبعض أفراد العائلة وهو ما سُمي بالتوريث السياسي، وهذه الظاهرة لقيت استهجانًا كبيرًا من طرف المتابعين للشأن السياسي والهيئة الناخبة.

11- تماهت الحدود بين مختلف التشكيلات السياسية في الحملة الانتخابية والتي استمرت لثلاثة أسابيع بحيث لم يظهر في الخطاب أي ملامح يتمكن الباحث من خلالها من الفصل بين الاتجاهات السياسية الوطنية والإسلامية والعلمانية، المعارضة والمؤيدة، وبرز الخطاب السياسي في أغلبه هشًّا لا يحمل ملامح واضحة، غير سياسات الوعود العامة بحيث إن قراءة عميقة في الخطاب من الناحية الدلالية تُظهر أن كثيرًا من المترشحين لا يفرقون بين دور نائب البرلمان ودور المنتخب في المجالس المحلية.

12- ارتفاع عدد المترشحين في الولاية الواحدة رغم كون عدد المقاعد الانتخابية محدودًا. ويعود ذلك إلى اعتبارات كثيرة منها ما ارتبط بالوعود التي قطعها الرئيس تبون بضمان نزاهة العملية الانتخابية ومنها ما ارتبط بالمترشحين أنفسهم والذين يُعِدُّون أنفسهم لموعد الانتخابات المحلية والمتوقع إجراؤها قبل نهاية 2021؛ إذ تمثِّل هذه الانتخابات “تربصًا مغلقًا” استعدادًا للموعد المقبل والذي يشهد عادة احتدامًا كبيرًا ولغطًا سياسيًّا واجتماعيًّا واسع الانتشار.

13- تقديم تسهيلات كبيرة للقوائم الحرة من حيث عدد التوقيعات المطلوبة للترشح على عكس ما سبق والتي ارتبطت بنظام العتبة الانتخابية التي كانت عائقًا كبيرًا أمام انخراط الوجوه الجديدة في العملية السياسية.

14- بالنظر إلى قانون الانتخابات الجديد، فقد لوحظ غياب التجمعات الجماهيرية الضخمة والتي كانت تتم تحت إشراف الإدارة لغرض توجيه السلوك الانتخابي لصالح توجه بعينه والاستعاضة عنها باللقاءات الحوارية والتجمعات الصغيرة لغلبة منطق الاتصال الشفوي والوجاهي على حساب التجمعات الاستعراضية المكلِّفة وغير المجدية خصوصًا مع تفعيل وتعزيز الأحكام المرتبطة بالجرائم الانتخابية ناهيك عن ظروف جائحة كورونا التي حتَّمت الالتزام بالبرتوكول الصحي الخاص بالتباعد الجسدي وهو ما لم يتم التقيد به في لقاءات كثيرة.

15- أن حالة التشظي والهزال سواء في الخطاب السياسي لدى كثير من رؤساء الأحزاب وتدخلاتهم التلفزية غير الموفقة والكاريكاتورية، حوَّلت كثيرًا من هذه التشكيلات إلى مصدر للتنكيت والاستهزاء بل إن الخرجات الإعلامية غير الموفقة لبعض رؤساء الأحزاب السياسية أحرجت قواعدهم النضالية وجعلت حالة التعاطف السياسي والحزبي تنتقل لدى المواطن والمتابع من حزب معين إلى آخر ومن كيان سياسي إلى قائمة مستقلة وهكذا. ويعتقد الباحث أن هذه الحالات بحاجة إلى دراسات عميقة ترتبط بميكانيزمات التسويق السياسي وآداب الحملة الانتخابية وفنون التواصل السياسي الذي لوحظ غياب منسوبه للأسف الشديد.

16- بالمقابل، تستمر بعض التشكيلات في تبني خطاب المقاطعة لاعتبارات تاريخية وسياسية تمر بها البلاد مثل جبهة القوى الاشتراكية والتجمع الوطني الديمقراطي، وحزب العمال، والحركة الديمقراطية الاجتماعية وبعض تيارات الحراك.

17- يشارك الإسلاميون بمختلف تنويعاتهم في العملية الانتخابية التشريعية المستقبلة لكن لفظ الإسلاميين لم يعد له وهج سحري أو تأثير في المتلقي، كما يقول الكاتب “بومدين بوزيد”، كما لم يعد وصمًا تخويفيًّا عند الخصوم السياسيين والأيديولوجيين بل إن معجمية التنابز التي ورثناها عن التسعينات لم تعد معبِّرة عن التغير الذي شهده خطاب بعض الأحزاب السياسية المحسوبة على التيار الإسلامي. فقد استطاع بعضها الانفلات بمرونة من التصنيف المذهبي أو الفكري خاصة من الناحية الشكلية وذلك بتركيبة براغماتية يرى المتابعون أنها ستقضي على شظايا هذا التيار خصوصًا المنشقين عنه والباحثين عن هوية. ويبدو الرئيس تبون راغبًا في التعاطي مع الجميع وقد ظهر ذلك في استقبال جميع الفاعلين السياسيين.

إن ترشح تبون في الانتخابات الرئاسية بصفة المستقل جعله في حِلٍّ من أي ارتباط عضوي بالحزب الذي انتمى إليه سابقًا والذي نكص قادته على أعقابهم في اللحظات الأخيرة بتفضيلهم دعم رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي على حسابه. وهذه المناورة بغضِّ النظر عن دوافعها جعلت الرئيس في أريحية من التعاطي مع التشكيلات التي حُسبت تاريخيًّا على التحالف الرئاسي ورغم ذلك فالرئيس بحاجة لأغلبية مريحة تدعم الأغلبية الرئاسية التي ستسيطر على البرلمان.

خاتمة: الحصيلة والقراءة

أقرَّ التعديل الدستوري وميَّز بين فرضيتين في مسألة “ترؤس الحكومة”، هما:

وزير أول في حالة ما أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية رئاسية، أي نفس أغلبية رئيس الجمهورية، وهنا يكون رئيس الجمهورية حرًّا في اختيار الوزير الأول وليس هناك ما يقيد الرئيس في اختياره للوزير الأول ولا يقيده باستشارة الأغلبية البرلمانية. وهنا يكلِّف الرئيس الوزير الأول باقتراح تشكيل الحكومة ويقوم هذا الأخير بإعداد مخطط عمل الحكومة وليس برنامج الحكومة ويقدم المخطط إلى المجلس الشعبي الوطني للموافقة عليه.

الفرضية الثانية: يترأس الحكومة رئيس حكومة في حالة ما أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية مغايرة للأغلبية الرئاسية؛ وفي هذه الحالة يعيَّن رئيس الحكومة من الأغلبية البرلمانية ويكلفه الرئيس بتشكيل الحكومة في أجل أقصاه 30 يومًا وبإعداد برنامج الحكومة من برنامج الأغلبية البرلمانية وإذا لم يصل رئيس الحكومة إلى تشكيل حكومة في غضون 30 يومًا يعيِّن رئيس حكومة جديدًا ويكلِّفه بتشكيل الحكومة. وفي هذه الحالة، يُعرض برنامج الحكومة على مجلس الوزراء ثم يعرض على المجلس الشعبي الوطني وفي هذه الحالة رئيس الحكومة له صلاحيات تشكيل الحكومة ويقدم برنامج الحكومة وليس مخطط العمل وبهذا يكون المشرِّع، وفق الدستور الجديد، قد عزَّز إمكانية التعايش بين الرئيس المنتخب والحكومة(4).

هذا، ويعطي قانون النائب للبرلماني المستقل الحق في الانتماء لاحقًا إلى أي تحالف أو تشكيلة سياسية، والعكس غير صحيح. وهذه العملية من شأنها أن تعزز موقع تبون في حالة تشكيله لحزب سياسي مستقبلًا وهي عملية غير مستبعدة، رغم أن الرئيس قدَّم إشارات إيجابية فحواها عدم رغبته للترشح لعهدة ثانية والسعي لتمكين الشباب ولكن هذا لا يمنعه من تشكيل تيار سياسي يحمل إرثه السياسي في المستقبل.

من ناحية ثانية، أمام البرلمان المقبل عملية صعبة تتمثل في تطوير وتعزيز العملية التشريعية والتخلص من هيمنة السلطة التنفيذية والخروج من القراءة الأحادية للنصوص.

نسجل بهذا الصدد الدور المهم الذي تلعبه السلطة الوطنية للانتخابات وإمكانية النظر في تشكيلتها وتعزيز مهامها وتخليصها من جميع التبعات القانونية الإدارية وتمكينها من الارتقاء القانوني الأخلاقي الذي يفرض ويعزز استقلاليتها المالية والتنظيمية والأخلاقية بعيدًا عن الوجوه التي شكَّلت مشهدًا سياسيًّا بائسًا غير محايد.

كما أن دور المحكمة الدستورية يجب أن يُفعَّل وتفعيله يكون بالتسريع بتأسيسها وفق ما ينص عليه الدستور في مواده (185-198). ورغم أن الدستور الجديد أورد في أحكامه الانتقالية أنه يتم العمل بالمؤسسات الدستورية وفق أحكام القانون في انتظار تنصيب المؤسسات الدستورية الجديدة، مما يجعل المجلس الدستوري مكبلًا في الوقت الحالي إذ لا يمكن أن يمارس دوره ودور المحكمة الدستورية معًا. فالمجلس يمارس مهامه وليس مهام غيره خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالعملية الانتخابية وإجراءات الطعن التي أقرَّها قانون الانتخابات الجديد والتي يجب أن تتم ضمن الآجال وأمام المحكمة الدستورية ناهيك عن أن المجلس الدستوري لا يُصدر قرارًا وإنما آراء بينما إصدار القرارات من صلاحيات المحكمة الدستورية.

هذا من الناحية الدستورية وهذا الشق تحديدًا يرتبط بالشق المهم والذي تم استحداثه كميكانيزم لمراقبة التمويل والتمويل المشبوه للحملات الانتخابية درءًا للشبهات ولانتشار المال الفاسد الذي تفشى طيلة العقود السابقة.

ومن ناحية إدارة نظام الحكم، يبدو الرئيس تبون أمام مهمة مستقبلية ترتبط -حسب الباحثين في نظريات الحكم وإدارة السلطة- بفحص القواعد القانونية التي تنظم هذه المسألة وتعقُّب السوابق التاريخية التي جرى العمل بها وتواترت عليها الممارسة الفعلية وتتمثل في التقنين الكامل والتحديد الصارم لكيفية إتمام هذه العملية بكافة إجراءاتها دون ترك مجال للصدفة(5) مع فتح المجال للخبرات الخلاقة التي تسهم في إغناء المشهد السياسي والانتخابي ويكون ذلك بتعزيز مؤسسات الشفافية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني باعتبارها قوى فاعلة.

إن تساؤلات ومهمات عويصة وملفات معقدة تنتظر البرلمان المقبل منها ما هو مرتبط باسترجاع الأموال المنهوبة وإعادة صياغة قوانين مكافحة الفساد والتي وعد بها الرئيس بالإضافة إلى ملف الذاكرة باعتباره أحد الملفات حساسية في التعاطي مع الموروث التاريخي المرتبط بملف التعامل مع المستعمر الفرنسي السابق.

لا تزال فئات واسعة من الشعب الجزائري تؤمن بعدم جدوى العملية الانتخابية، ويبدو العمل السياسي والانتخابي في حاجة ماسَّة إلى حوكمة انتخابية حقيقية تراعي امتلاك النظام القدرة على إرساء ثقافة سياسية ديمقراطية تبدأ بتغيير النظرة إلى العملية الانتخابية في معناها وآلياتها وأهدافها لأن العقلية السياسية السابقة الحاكمة اتخذت من احتكار السلطة والبقاء فيها بمثابة لخلفية الحاكمة لكل تصرفات السلطة السابقة إلى درجة حولتها إلى مجرد سلطة انتخابية(6) توظف كل طاقاتها مثلما تستغل إمكانيات الدولة لخدمة أغراض انتخابية للسلطة السابقة كعمل يومي يمتد على طول الفترة الفاصلة بين كل عملية انتخابية وأخرى.

الملاحق : جداول احصائية ذات صلة بالاستحقاق

جدول رقم 1: القوائم والتشكيلات السياسية المشاركة في الانتخابات التشريعية، 12 يونيو/حزيران 2021 قبول 1483 قائمة حزبية وحرَّة بشكل كلي .

 

❊ القوائم المقبولة دون تحفُّظ تشمل 646 قائمة حزبية و837 قائمة حرَّة
❊ 2490 قائمة أودعت الاستمارات منها 1237 حزبية و1253 قائمة حرَّة
❊ 898 قائمة مقبولة تضم مترشحًا مرفوضًا
❊ رفض 297 قائمة بصفة كلية منها 223 حزبية و47 قائمة حرَّة
❊ 1199 قائمة مرفوضة بسبب الصلة بأوساط المال والأعمال المشبوهة

جدول رقم 2: الجدول التالي يبرز عدد مرات تدخل رئيس الجمهورية بالتشريع بأوامر خلال الفترة التشريعية الممتدة من (1997- إلى غاية 1 مارس/آذار 2021 تاريخ حل المجلس الشعبي الوطني وفق المرسوم الرئاسي رقم 21 ــ 77 المؤرخ في 17 رجب عام 1442 الموافق 1 مارس/آذار 2021):

الفترة التشريعية عدد مرات تدخل رئيس الجمهورية بأوامر تشريعية
1997 ــ 2002 9
2002 ــ 2007 36
2007 ــ 2012 31
2012 ــ 2017 2
2017 ــــ 1 مارس/آذار 2021 1 (أمر رقم 21 ــ 01 المتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات) بعد حل المجلس الشعبي الوطني

ـــ المصدر: يُنظر الرابط الإلكتروني التالي: www.apn.dz

جدول رقم 3: النتائج النهائية للاقتراع الخاص بالاستفتاء على مشروع تعديل الدستور، الذي جرى يوم الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني 2020 فيما يلي النتائج النهائية للاقتراع التي أعلن عنها رئيس المجلس، كمال فنيش:

 

الناخبون المسجلون على مستوى التراب الوطني 23.559.320
العدد الإجمالي للناخبين المسجلين بمن في ذلك المقيمون بالخارج 24.466.618
الناخبون المصوِّتون على مستوى التراب الوطني 5.616.481
العدد الإجمالي للناخبين المصوِّتين بمن في ذلك المقيمون في الخارج 5.661.551
 نسبة المشاركة 23،84 بالمئة
الأوراق الملغاة 637.308
عدد الأصوات المعبَّر عنها 5.024.239
المصوِّتون بنعم 3.356.091 أي بنسبة 66.80 بالمئة
المصوِّتون بلا 1.668.148 أي بنسبة 33.20 بالمئة

*بروفيسور بوحنية قوي، باحث وكاتب جزائري.

مراجع

(1) نصر الدين بوسماحة، الجزائر: قراءة قانونية في التعديل الدستوري 1 نوفمبر 2020 المنظمة العربية للقانون الدستوري، يناير/كانون الثاني 2021.

(2) تشريعيات 12 يونيو: بداية العد التنازلي لانطلاق الحملة الانتخابية، موقع وكالة الأنباء الجزائرية، 10 مايو/أيار 2021، (تاريخ الدخول: 6 يونيو/حزيران 2021): https://cutt.ly/DnYe3CG

(3) الجزائرية… التشريعية 2021، التشريعيات بين تطمينات الحكومة وتخوف أحزاب من التزوير، فيديو، 6 يونيو/حزيران 2021، (تمت المشاهدة في 7 يونيو/حزيران 2021):  https://cutt.ly/2nYwaEJ

(4) محمد ضيف، طبيعة نظام الحكم في ظل التعديل الدستوري، مجلة المجلس الدستوري، عدد خاص عن أشغال الملتقى الدولي حول الدستور في خدمة المواطن المحاور الكبرى للتعديل الدستوري 2020، يومي 5 و6 أكتوبر/تشرين الأول 2020، العدد 14 – 2020.

(5) صلاح سالم زرنوقة، نظرية انتقال السلطة، المركز العلمي للدراسات السياسية، عمَّان-الأردن، 2014، ص 84.

(6) محمد العجمي، بين ثورة المجتمع وتأسيس الساسة: مشروع دستور خارج السياق، مجمع الأشرطة، تونس، 2014 ص

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.