الإنترسبت - بقلم جيريمي سكاهيل - قد يواجه ترامب المحاكمة - لكن ليس بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

الإنترسبت – بقلم جيريمي سكاهيل – قد يواجه ترامب المحاكمة – لكن ليس بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها

0 78

الإنترسبت –  بقلم جيريمي سكاهيل – 4/1/2021

«بالنسبة لرؤساء الولايات المتحدة، يُمكن الصفح عنهم في جرائم التعذيب وقتل المدنيين، لكن لا يمكن الصفح عنهم في الممارسات المماثلة لأفعال المافيا والرشوة التي تُدفع مقابل السكوت».

مكالمة مسربة مخزية

في مستهل تقريره أشار الكاتب إلى أن المكالمة الهاتفية المخزية التي أجراها دونالد ترامب مع مسؤول الانتخابات بولاية جورجيا أثارت على الفور دعواتٍ تطالب باتخاذ إجراءاتٍ ضد الرئيس الأمريكي الذي سيصبح قريبًا رئيسًا سابقًا. ولسبب معقول كانت المكالمة محاولة واضحة من رئيس الولايات المتحدة للضغط على مسؤولي الولاية وتهديدهم من أجل «العثور» على أصوات ناخبين لا وجود لها، والتي ربما تؤدي إلى إلغاء إرادة الناخبين.

عندما سُئل حكيم جيفريز، النائب الديمقراطي في مجلس النواب الأمريكي، يوم الاثنين عن إمكانية عزل ترامب بسبب المكالمة المسَّربة، اعترض قائلًا: «نحن لا ننظر إلى الوراء، بل نتطلع إلى الأمام». وكانت كلمات جيفريز مأخوذة حرفيًا من كلمات باراك أوباما، الرئيس الأمريكي السابق، عندما قرَّر ألا يُحاكم أي شخص متورط في برنامج التعذيب التابع لوكالة المخابرات المركزية.

سؤال مميز

ويطرح رحيل ترامب الوشيك عن السلطة سؤالًا مميزًا حول سياسات المساءلة في واشنطن. إذ ظل ترامب طيلة مدة ولايته التي استمرت أربع سنوات ينتهك القواعد الأساسية للقانون، ويستغل منصبه الرئاسي، ويستخدم السلطات التنفيذية لحماية أصدقائه وزيادة ثرواتهم، بالإضافة إلى أنه ارتكب أعمالًا ترقى إلى أن تكون جرائم حقيقة، والتي ربما يُحاكم عليها أي شخص عادي إذا ارتكبها. وخلاصة القول: إن ترامب أساء استخدام سلطات الرئاسة لتحقيق مكاسب شخصية.

الدعوات المُطالِبة بمحاكمة ترامب بعد خروجه من الرئاسة تصاعدت لأسباب معقولة جدًّا. إلا أن هذه الدعوات تدور في فلك انحراف ترامب الشخصي وسلوكه الفظ، ولا شيء من هذه الدعوات يتعلق بجرائم الحرب التي ارتكبها. فلن تجد حركة تطالب بمحاكمته بموجب القانون الدولي بتهمة اغتيال مسؤول عسكري إيراني على أراضي دولة ثالثة. ولن تجد دعوات تطالب بمحاكمته لأنه دعم حملة الإبادة الجماعية للإرهاب التي يشنها السعوديون في اليمن، وحرَّض عليها بعجرفة، ناهيك عن عدم التخطيط لإجراء تحقيقات بشأن التغييرات التي طرأت على سياسته وسمحت بقتل المدنيين على نطاق واسع في العمليات العسكرية الأمريكية.

فرص لم تُستغل

يبدو أن هناك بعض الغموض، ولكن ما السبب وراء ذلك؟ في الوقت الذي أعرب فيه بعض الديمقراطيين عن غضبهم وانزعاجهم من رعونة ترامب وتهوره على الصعيد الدولي، كانت معظم سياساته فيما يخص الأمن القومي تتلاءم تمامًا مع معايير الممارسات الأمريكية العادية. وعلى مدى أربع سنوات ورَّطت آلة الحرب المكوَّنة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي بواشنطن إدارته في ميزانيات عسكرية حطَّمت الأرقام القياسية، وبلغت ذروتها عندما تجاوز الحزبان اعتراض ترامب على مشروع قانون الإنفاق الدفاعي (أقر الكونجرس مشروع القانون الذي يتضمن موازنة بقيمة 740 مليار دولار). وحرص كبار الأعضاء في الكونجرس على إرضاء صناعة الدفاع، وإشباع شهية الطبقة السياسية الحاكمة النَّهِمة للحرب.

إلى أن الولايات المتحدة سنحت لها فرصة في الماضي القريب لإظهار أن البلاد بمقدورها محاسبة قادتها على جرائمهم الرسمية. وكان ذلك بداية من 20 يناير (كانون الثاني) 2009، اليوم الذي أدَّى فيه أوباما وجوبايدن اليمين الدستورية، واللذان أخذا بزمام السلطة بعد ثماني سنوات من الحكم الدموي لجورج دبليو بوش وديك تشيني. لكن أوباما رفض بشدة تحميل أي مسؤول من عهد بوش المسؤولية عن التدمير الكامل للعراق، وقتل مئات الآلاف من المدنيين. كما لم يحاكم أي شخص من الذين أشرفوا على سجون التعذيب السرية التابعة لوكالة المخابرات المركزية، أو الذين أشرفوا على برنامج الاختطاف.

المنطق السائد حول عقيدة أوباما «التطلع إلى الأمام، بدلًا عن النظر إلى الوراء»، والتي أعلنها لأول مرة بصفته رئيسًا منتخبًا، تمثَّل في أنه كان من الممكن أن يكون الأمر كارثيًّا على الروح المعنوية لوكالة المخابرات المركزية إذا أقدَمت إدارة أوباما على مقاضاة الجلادين. وكانت السردية تقول إن أوباما يرى الانتِهاكات التي حدثت في عهد بوش مروِّعة، ويعارضها بشدة، وأنه كان سيستخدم القانون في عالم مثالي للسعي إلى تحقيق العدالة، لكنه في نهاية المطاف تراجع بسبب تعقيدات الحكم، والحفاظ على أمن البلاد.

لا تعادي المخابرات الأمريكية.. حتى لو كنتَ رئيسًا!

استنادًا إلى المنطق كان من غير الممكن أن يتحمل أوباما تبِعَات تنصيب نفسه عدوًا لوكالة المخابرات المركزية. لكن لا تنظر لأبعد من الصداقة الحميمة التي طورتها عائلة أوباما مع عائلة بوش على مدى 12 سنة ماضية لترى مدى سخافة هذه السردية تمامًا. واختار أوباما أن يكون صديقًا رائعًا لبوش، وأن يحسِّن من صورة الأخير، مع أنه (بوش) أكثر شخص مسؤول عن هذه الجرائم.

والرسالة التي نخلُص إليها مفادها أن أوباما لم يكن ليُحاسبهم بسبب الأسباب الفنية فحسب، بل لأنه كان يعتقد أنه ليس من الضروري أن يخضعوا إلى المساءلة الأخلاقية أيضًا. ويمكن لبوش أن يعيش حياته السعيدة على اعتبار أنه رسام، وأن يُهدِي «حلوى بنكهة النعناع» على نحو هزلي إلى ميشيل أوباما (يشير الكاتب إلى ما فعله بوش مع ميشيل أوباما في عدد من الجنازات، على سبيل المثال حدث ذلك أثناء مراسم تشييع السيناتور الأمريكي جون ماكين). هل تحدثني عن ممارسات تعذيب؟ أو جرائم حرب؟ لقد كان ذلك في عام 2008.

عندما وصل أوباما إلى السلطة أُتِيحت لنا فرصة لإرسال رسائل شديدة اللهجة إلى الرؤساء وغيرهم من المسؤولين الذين يرتكبون جرائم حرب، أو يأمرون بالتعذيب والاختطاف، بالإضافة إلى التجسس على المواطنين الأمريكيين. لكن أوباما اختار عمدًا ألا يسير في هذا الطريق. وفي غضون أيام من توليه منصبه أصدر أوباما بنفسه توجيهات بشن غارات باستخدام الطائرات المسيرة في باكستان أسفرت عن مقتل مجموعة من المدنيين، كان من بينهم طفل واحد على الأقل. وبحلول نهاية عام 2009 ضاعف أوباما من أعداد القوات الأمريكية في أفغانستان، ووسَّع نطاق الغارات الجوية، إلى جانب أنه كان على وشك إطلاق حملة قصف سرية في اليمن مستخدمًا قنابل عنقودية محرمة دوليًّا. وهذا الأمر لم يدخل حيز التنفيذ.

سيظل ترامب منبوذًا بين فئة «الكبار»، وألا تربطه أية علاقة بأوباما أو أي من الرؤساء الأمريكيين السابقين بعد خروجه من الرئاسة. إذ إن الجرائم التي ارتكبها ترامب من النوع الفظيع الذي يسيء إلى جلال هذه الفئة (الكبار)، حتى أنه لا يمكن أن يرقى للانضمام إليها. ويمكن الصفح عن ممارسات التعذيب وقتل المدنيين (التي ارتكبها بوش وأوباما)، لكن الصفح والغفران غير وارد عن الممارسات المبتذلة وغير المسؤولة على غرار عصابات المافيا، واستخدام الرشوة مقابل السكوت، إلى جانب تحقيق المكاسب من استغلال المنصب (التي فعلها ترامب).

واستحضرت حقبة ترامب عددًا من الموازنات بينه وبين الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون، ومفهوم الأخير أنه «عندما يفعل الرئيس ذلك، فهذا يعني أنه قانوني». وتُعد الموازنة هنا مناسبة؛ لأن ترامب قال بالفعل: «عندما يصبح شخص ما رئيسًا للولايات المتحدة، تصبح صلاحياته وسلطته كاملة. وهذا هو الحال الذي ينبغي أن يكون عليه». ومع ذلك كانت هذه هي الحجة نفسها التي تحججت بها وزارة العدل الأمريكية في عهد أوباما عندما تدخلت في يونيو (حزيران) عام 2009 للدفاع عن وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد وغيره من المسؤولين الأمريكيين المتهمين بممارسة التعذيب والقتل في سجن جوانتانامو.

قانون «ويستفول» لتحصين المسؤولين الأمريكيين

إن مركز الحقوق الدستورية كان قد رفع دعوى مدنية ضد رامسفيلد و23 مسؤولًا عسكريًّا وطبيًا آخرين، واتهموهم بأنهم «كان لهم دور في الاحتجاز غير القانوني لسجناء جوانتانامو وتعذيبهم، بالإضافة إلى الظروف غير الإنسانية التي كانوا يعيشون فيها أدَّت إلى موتهم في نهاية المطاف». ووقتئذ تدخَّل مكتب النائب العام الأمريكي إريك هولدر في القضية وزعم أنه بموجب «قانون ويستفول» لا يمكن تحميل رامسفيلد والآخرين المسؤولية عن مثل هذه التصرفات.

وكانت الولايات المتحدة قد أصدرت «قانون ويستفول» في عام 1988 بوصفه تعديلًا على القانون الفيدرالي الخاص بدعاوى المسؤولية التقصيرية «لتحصين المسؤولين الفيدراليين من المسؤولية القانونية الشخصية عن الضرر العام المنفذ داخل نطاق عملهم مع توفير العلاج المناسب للأشخاص المتضررين». وبعد ويستفول تحملت الحكومة المسؤولية القانونية عن الدعاوى المرفوعة ضد المسؤولين الفيدراليين، وهو ما أدَّى على نحو فعَّال إلى إحباط أية محاولة لمحاسبة المسؤولين.

إن المدَّعين الأمريكيين العمومين استخدموا هذا القانون خلال عهد إدارتي بوش وأوباما لمحاولة إعفاء كبار مسؤولي إدارة بوش من المسؤولية عن دورهم المزعوم في أية جريمة مرتكبة، وتحميل الحكومة الأمريكية المسؤولية. وفي 26 يونيو (تموز) 2009 كتب توني ويست، مساعد النائب العام الأمريكي، أن «نوع الممارسات المزعومة ضد المتهمين كانت متوقعة، وكانت نتيجة مباشرة لمسؤوليتهم عن احتجاز مقاتلين أعداء مشتبه بهم، وجمع معلومات استخبارية منهم».

وفي دفاعه عن موقف الحكومة استشهد ويست بقانون السوابق والأحكام القضائية، إذ ذكر أن «ارتكاب المتهمين العاملين في وزارة الدفاع ووزارة الخارجية للإبادة الجماعية، والتعذيب، والترحيل القسري، والممارسات الوحشية وغير الإنسانية، والمهينة، كانت ضمن نطاق عملهم»، بالإضافة إلى ذلك فإن هناك سوابق قضائية مماثلة تبرر ممارسة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية للتعذيب بوصفه جزءًا من واجبهم الرسمي.

كان حقًا اعترافًا مذهلًا أقرَّت به وزارة العدل في عهد أوباما: أن الإبادة الجماعية والتعذيب والترحيل القسري ليست سوى جزء من عمل بعض المسؤولين الأمريكيين. (وللعلم فإن ويست هو زوج شقيقة كامالا هاريس، نائبة الرئيس الأمريكي المنتخب، ومنافس على منصب النائب العام في عهد بايدن).

وزارة العدل الأمريكية تحمي المجرمين

ترامب كان يتباهى بأنه «يستطيع أن يُطلق النار على أي شخص وهو واقف في منتصف فيفث آفينيو (شارع رئيس في حي مانهاتن بمدينة نيويورك)، ولن أفقد أي صوت من أصوات الناخبين». وقد يكون هذا صحيحًا بالنسبة لأغلبية قاعدته الجماهيرية الداعمة. لكن الصحيح أيضًا هو أن ترامب، أو أي رئيس أمريكي آخر، يُمكنه أن يقصف أحياءً مدنيَّة في دول أجنبية أخرى عمدًا دون أن توجه له أية تهمة.

من الأسلم الافتراض بأن ترامب لن يُحاكم على أية جريمة حرب ارتكبها بصفته رئيسًا للولايات المتحدة. وإذا حاول ضحايا التعذيب، أو القتل خارج نطاق القضاء، محاكمة ترامب أو أتباعه، فمن المؤكد أن وزارة العدل الأمريكية في عهد بايدن ستتدخل لإحباط هذه المحاولات كما فعلت وزارة العدل في عهد أوباما مع مسؤولي إدارة بوش تمامًا. وبلا شك ستستمر محاولات محاكمة ترامب وغيره من المسؤولين وأفراد عائلته لسنوات في مجموعة من الاتهامات بعدد من الولايات القضائية.

وينبغي أن يتحمل ترامب المسؤولية عن أية جرائم ارتكبها خلال توليه منصب رئاسة الولايات المتحدة. لكن تجاهل جرائم الحرب التي ارتكبت دون تحميل أحد المسؤولية عنها، أو إعفاءهم، سيظل مكونًا أساسيًا في أسطورة الامتياز الأمريكي. وسيظل النظام الأمريكي مثله مثل أغلب دول العالم، بما فيها الأنظمة الاستبدادية والمناهضة للديمقراطية، مُطالَبًا بتبرير أسوأ الجرائم التي ارتكبها قادته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.