شوؤن دولية

الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية لتقويض الجيوش العربية ما هي جيوش الدول المستهدفة ولماذا؟

مركز الناطور للدراسات والابحاث

قد يكون تناولنا لهذا الموضوع الهام جاء متأخرا رغم أنه سبق أن تعرضنا له منذ سنوات قبل الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 وما أسفر عنه من قرار حل الجيش العراقي في إطار ما سمي بعملية التقويض الكلي والشامل.

والواضح في ظل التطورات الحالية أن التداخل بين ما جرى عام 2003 وما يجري الآن أصبح أمرا واقعا بل وامتدادا في إطار تلك الإستراتيجية.

تدلل على هذه الصلة وهذا التداخل التطورات الجارية الآن وأهمها:

  1. جهود كبيرة ومهولة من قبل الشركاء في تلك الإستراتيجية (الولايات المتحدة وإسرائيل لعرقلة إعادة بناء الجيش العراقي وإعادة بناء منظومته اللوجيستية والتسليحية بالتوجه إلى مصادر التسليح الأخرى، هذه الجهود لم تعق عملية إمداد الجيش العراقي بالأسلحة الأمريكية فقط بل امتدت واتسعت لعرقلة إتمام صفقات تسليحية مع مصادر أخرى مثل الصفقة العراقية الروسية.

جهود الإعاقة والعرقلة تتصل بتلك الإستراتجية التي صيغت من قبل قيادات أمريكية وإسرائيلية في عام 2000 في إطار  الحوار والشراكة الإستراتجية بين الجانبين وتحولت إلى أحد الأهداف الرئيسية لاجتياح العراق وكانت تحتل موقع صدارة في الأجندة الأمريكية في التخطيط للحرب ضد العراق والتي حملها المحافظون الجدد معهم عندما تبوؤوا السلطة في واشنطن.

  1. إعادة إنتاج التجربة العراقية في سوريا ضد الجيش السوري مع اختلاف في أنماط العمل والوسائل المستخدمة لتحقيق عملية تقويض الجيش السوري.

لإنجاز عملية التقويض الكلي للجيش العراقي شنت الولايات المتحدة وبتحريض وحفز من القيادات السياسية والعسكرية الأمريكية ذات الصلة الوثيقة بالدوائر الإسرائيلية حربا حامية الوطيس ضد العراق حرب اجتياح.

ومن أبرز تلك القيادات الأمريكية دونالد رامسفيلد وزير الدفاع ونائبه بول وولفيتز ودوجلاس فيث وريتشارد بيرل وإليوت أبرامز.

كان موضوع حل الجيش العراقي وتقويضه مؤسساتيا ولوجيستيا وعقائديا (عقيدته القتالية التي تشخص العدو) مطلبا إسرائيليا جرى توصيفه من قبل قيادات عسكرية إسرائيلية بالهدف الأساسي والجوهري لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، من أبرز تلك القيادات العسكرية الإسرائيلية عوفاديا علي نائب وزير الدفاع وموشي أرينز وزير الدفاع والجنرال إسحاق مردخاي رئيس الأركان.

أوجه الاختلاف في المقاربة الأمريكية الإسرائيلية لتقويض الجيش العراقي والجيش السوري تتجلى في الآتي:

  1. دور أمريكي غير مباشر في عملية التقويض للجيش السوري لا تتطلب اجتياح عسكري أمريكي لسوريا بل من خلال التوظيف والعمل بالإنابة، أي تولي أطراف إقليمية لهذه المهمة تركيا وقطر والسعودية.

هذه الأطراف توظف مجموعات مسلحة من كل ما هب ودب مجاهدين من باكستان وبنغلاديش ومن مصر واليمن والسعودية وليبيا وتونس.

بل هذا الهدف تحدد وتشكل في إطار حوار إستراتيجي أمريكي إسرائيلي مشترك عنوانه تقويض الجيش السوري يعني تقويض لمحور دمشق طهران والحركات المناوئة.

هذا الحوار سبق الأحداث التي شهدتها تونس ومصر وليبيا في إطار ما سمي بالربيع العربي، الحوار أجري نهاية عام 2010 وشاركت فيه قيادات أمريكية أهمها:

  1. روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكي.
  2. رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية  ليون بانيتا.

أما من الجانب الإسرائيلي:

  1. وزير الدفاع إيهود باراك
  2. الجنرال أفيف كوخفي رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية.

مثل هذا الحوار والهدف الأمريكي الإسرائيلي المشترك ظل سرا مكتوما إلى أن كشفه الجنرال عاموس يادلين الذي أحيل إلى التقاعد وأصبح رئيسا لمعهد أبحاث الأمن القوميـ وذلك في ندوة نظمها هذا المعهد في السادس من شهر أكتوبر الماضي بمناسبة مرور 39 سنة على حرب تشرين أكتوبر.

 تقود قراءة شهادته بهذا الشأن إلى أن ما يجري في سوريا يصب في خدمة ذلك الهدف الأمريكي الإسرائيلي المشترك.

ويعترف يادلين أن الولايات المتحدة وإسرائيل وبحكم الشراكة الإستراتيجية بينهما تبادلتا وجهات النظر بشأن أنجع السبل لتقويض القدرة العسكرية السورية.

وأشار إلى أن الطرفين استبعدا الدخول في مواجهة عسكري جبهوية تحسبا لاحتمال اندلاع حرب إقليمية تنخرط فيها إيران وحزب الله والمنظمات الفلسطينية وربما أطراف أخرى.

وتأسيسا على ذلك -والكلام يادلين- وبعد التقييم المضطرد للأحداث في المنطقة توصل الطرفان إلى قرار بدعم الأطراف المتدخلة في سوريا لإنجاز عملية إحداث التغيير داخل سوريا إذا كان سيؤدي إلى النتائج الحاسمة التالية:

–      تغيير هيكلي داخل سوريا يفضي إلى إخراجها من محور طهران.

–      تقويض كلي وشامل للجيش السوري على غرار ما حدث في العراق.

–      اعتراف متبادل بين سوريا الجديدة وبين إسرائيل ينهي حالة الحرب تماما بين البلدين على غرار ما حدث بين إسرائيل ومصر عام 1979.

محددات إستراتجية التقويض الأمريكية الإسرائيلية

من مراجعة لنصوص وحيثيات الحوار الإستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي بشأن صياغة إستراتيجية تقويض الجيوش العربية التي طبقت في عهد إدارة المحافظين الجدد برئاسة بوش الابن وتم تبنيها من قبل إدارة أوباما بعد تعديل الوسائل المستخدمة لترجمتها عمليا يخلص الباحث في الشؤون الإستراتيجية الأمريكية العميد أكرم حسين إلى تعريف محددات هذه الإستراتيجية وعلى النحو التالي:

  1. إستراتيجية التقويض تقوم على ثلاث مستويات:

*       تقويض كلي شامل  يقوم على تقويض كلي وشامل يطاول البنية المؤسساتية والبشرية حل الجيش وتفكيكه بالإضافة إلى بنيته اللوجيستية (التسليحية) وحتى العقائدية المتصلة بالعقيدة العسكرية وتعريف العدو وتعيينه.

مثل هذه التجربة أو هذا المستوى طبق في العراق عام 2003.

ومثل هذا المستوى مخطط له أن يطبق في سوريا فيما لو تغيرت الأوضاع لصالح الهدف الأمريكي الإسرائيلي المشترك.

*       المستوى الثاني التقويض الجزئي: هذا المستوى يطبق الآن في ليبيا من أجل إعاقة وبناء جيش ليبي جديد، فالجيش الليبي كان في عهد القذافي مهمشا وكانت الأولوية    لكتائب القذافي هي صاحبة الأفضلية.

نظام القذافي أعطى الأولوية لكتائبه التي كانت عبارة عن ميليشيا هدفها ومهمتها الأساسية حماية النظام، بينما مهمة الجيش هي حماية الوطن وحدوده لذا فقد عانى من إهمال وتهميش في كل المجالات.

الولايات المتحدة ومعها دول النيتو لم تقدم على عملية اجتياح عسكري شامل لليبيا حتى تترجم إستراتيجية التقويض الكلي للجيش الليبي تقويضا كليا.

لكن ما يطبق الآن هو ما يعرف بالتقويض الجزئي وهو المستوى الثاني من التقويض، هذا المستوى يضع العقبات والمعوقات أمام تسليح الجيش الليبي وعلى الأخص الصنوف الرئيسية القوة الجوية والبرية والبحرية.

ويطلق الخبير العسكري العربي المتخصص في شؤون التسليح اللواء حسن القرماني على هذا المستوى من التقويض أي التقويض الجزئي بعملية الترميم التي هي دون مستوى إعادة بناء الجيش، فعملية الترميم هي خارج إطار إعادة بناء الجيش على أسس لوجيستية وعقائدية ومؤسساتية جديدة.

وفي هذا المجال يكشف عن توصل كل من الولايات المتحدة والدول الأوروبية المنتجة للسلاح إلى إجماع بأن إعادة تسليح الجيش الليبي ينبغي أن تتم وفق عدة معايير يكون حاصلها أن لا تتجاوز وطنية هذا الجيش القيام بمهام أمنية داخلية وكذلك التصدي للإرهاب والهجرة غير الشرعية.

*       المستوى الثالث مستوى الاحتواء: هذا المستوى يقوم على أساس محاصرة أي جهد لتعظيم قدرة الجيش في دول عربية معينة كما هو حاصل في السودان.

هذا الحصار يتم عن طريق:

1-    حظر وصول السلاح إليه.

2-    حظر ضخ التقنيات العسكرية حتى في أبسط مستوياتها حتى لا تستغل هذه التقنيات في تطوير السلاح والعتاد الخفيف والمتوسط.

الجيوش العربية المستهدفة بإستراتيجية التقويض

إذا كان العراق وسوريا قد دخلا باب إستراتيجية التقويض الكلي لجيوشها من بابين مختلفين وليبيا التقويض الجزئي، فإنه ثمة تساؤل هام يطرح على ضوء تلك الإستراتيجية:

السؤال هل هناك جيوش عربية مستهدفة بهذه الإستراتيجية بمستوياتها الكلية أو الجزئية؟

معطيات ومؤشرات كثيرة يمكن استنباطها ليس فقط من التجربة العراقية والسورية والليبية وإنما من تفاصيل المشهد الإستراتيجي  الأمريكي الذي لم يتغير في عهد أوباما وإنما تغيرت قواعد اللعبة، إدارة بوش التي تقف هذه الإستراتيجية استخدمت خيار التدخل المباشر بعد الاجتياح لتحقيق مبادئ تلك الإستراتيجية.

أما إدارة أوباما فقد لجأت إلى خيارات عديدة:

1-    توظيف حلفائها في عملية التقويض أي أطراف إقليمية تركيا وإسرائيل وقطر والسعودية، أي أنها لا تقاتل من أجل هذه الإستراتيجية وإنما استخدمت خيار الحرب بالإنابة.

2-    تطبيق إجراءات صارمة لمنع تسليح جيوش عربية بعينها الجيش العراقي والجيش الجزائري (بالنسبة للسلاح الأمريكي) والجيش الليبي.

3-    تعميق وتشديد الحظر على نقل السلاح إلى جيوش عربية أخرى مثل السودان وحتى الجزائر.

4-    ربط عملية التسليح بشروط واشتراطات أن يستخدم هذا السلاح ضد من تصفهم أمريكا بالأعداء وأن لا تتسرب طلقة واحدة إلى أطراف مناوئة لإسرائيل قد تستخدم مثل هذه الرصاصة.

5-    التدخل لدى الدول المصنعة للسلاح ليس فقط في النطاق الأوروبي لمنعها من تصدير السلاح إلى جيوش بعينها وإنما إلى دول كبرى مثل الصين وروسيا.

وعلى ضوء ذلك فإنه يمكن الإشارة إلى أن الجيوش المستهدفة بإستراتيجية التقويض بمستوياتها المختلفة هي الجيش السوداني والجزائري، وقد ارتفعت في الآونة الأخيرة أصوات في واشنطن ودول أخرى تحذر من تعاظم صورة الجيش الجزائري على مختلف المستويات.

ومن الأهمية أن نشير إلى قرار أمريكي اتخذ في أعقاب الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة في 14 نوفمبر حملة عمود السحاب بعدم السماح بدخول أي سلاح إلى غزة، وتعمل الولايات المتحدة على بناء منظومة إسرائيلية مصرية أمريكية مشتركة لتطبيق هذا الإجراء على الحدود بين قطاع غزة ومصر وبدأت تشحن منظومات للرصد والكشف عن أية محاولات لتهريب الأسلحة إلى القطاع.

وقد وصلت عدة طائرات إلى مطار شرم الشيخ يوم الجمعة 23 نوفمبر وهي تحمل فنيين أمريكيين عسكريين لتشغيل منظومات الكشف والرصد ومراقبة الحدود لمنع وصول الأسلحة وخاصة الصواريخ إلى قطاع غزة وذلك بموجب التزام قدمته الولايات المتحدة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

من إعداد: الرائد المهندس نبيل جمال الزعبي  28/11/2012

المركز العربي للدراسات والتوثيق المعلوماتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى