أقلام وأراء

الإخوان المسلمون والحوار الوطني

منير أديب

منير أديب 7-05-2022

بداية لا علاقة للإخوان المسلمين بالحوار، صحيح الجماعة تستغل الظروف السياسية لصالحها مطوعة هذه الظروف بما يخدم أهدافها، ولكنها في حقيقة الأمر لا تؤمن بالحوار، وهذه مشكلة كل التنظيمات الدينية المؤدلجة. هذه التنظيمات لا تجيد الحوار حتى مع نفسها، كما أنها لا تُؤمن بالآخر، لأنها ببساطة ترفض الحوار معه ومع غيره.

قد يبدو واقع الإخوان المسلمين مختلفًا بعض الشيء عما نذكره الآن، ولكنه واقع يُترجم قدرة هذه الحركة على استغلال الظرف السياسي، كما أنها فعلت ذلك مستغلة الظروف الإجتماعية، استغلالها لهذه الظروف قد يدفعها لحوار هي غير مؤمنة به، وبالتالي دائمًا مخرجات هذا النوع من الحوارات التي دخلت فيها الجماعة لم تسفر عن شيء أو اصطدمت بصخرة عدم إيمان التنظيم بالآخر.

الإخوان يسعون إلى إعادة انتاج أنفسهم من جديد بعد سلسلة إخفاقات مروا بها، وهو ما يدفعهم لطلب الحوار وليس لديهم مانع من الإنخراط فيه أيضًا! ولكنه يبقى مجرد دردشة أو مكالمة لا يؤمن طرفها أصلًا بالحوار، بل يتخذ هذه الدعوة سبيلًا للاعتداء على الأخر والتنكيل به، ووسط هذا وذاك تدعي الجماعة إيمانها بالحوار لمجرد أنها تدعو إليه، ادعاء المثالية من خلال دعوة هشة لا أساس لها ولا تُعبر عن حقيقة التنظيم.

يأتي هذا الحديث في مناسبة تكرار الجماعة الدائم للحوار الوطني، تكرار لا قيمة له ولا فائدة منه، بل الأنكى أن النّاس تعلم وهم يعلمون أنهم يرفعون لافتات الحوار التي يسكن خلف استبداد التنظيم أو ادعاء امتلاكه للحقيقة، فهم يمارسون دور القيّم. وعندما يمتلكون القوة التي تمكنهم من البطش بالأخر، تغيب لغة الحوار تمامًا ولا تظهر عليهم سوى علامات الكفر بهذا الحوار.

هذا الخطاب ليس تحريضيًا ولكنه يكشف الحقيقة حتى لا يعيد التاريخ نفسه فنصبح أمام مشكلة أكبر تتعلق بإنتشار أفكار التطرف من جديد، العاصم في هذا الأمر هو إرساء دعائم القانون بحيث تتم مواجهة أي خطر مهما كانت درجته ومهما شكل من خطورة.

الإخوان المسلمون ليسوا فصيلًا سياسيًا ولن يكونوا كذلك، فهم قد اختاروا لأنفسهم أن يكونوا تنظيمًا أو تيارًا دينيًا حتى وإن قالوا بخلاف ذلك. الحكم دائمًا يكون بالممارسات الفعلية لا بالأقوال التي لا تسمن ولا تغني من جوع؛ يعيشون بفكرة التنظيم حتى بعد أن صعدوا إلى السلطة في مصر، وعندما تقترب من التنظيم في فعالية سياسية عامة لا يحرمك من فكرة التعامل معه وكأنه تنظيم سري، يعيشون العزلة وهم يمارسون أنشطتهم وسط النّاس.

الفصيل السياسي يكون فصيلًا سياسيًا ويخضع للانتقاد، وعندما يتقدم لإنتخابات أو يدخل معتركاً سياسياً، لا يخلط على النّاس بين الدين والسياسة، ويطالبهم بالتصويت له بدعوى أنه يمثل الدين أو أن هذا رأي الدين، هكذا كل التنظيمات المؤدلجة والإخوان المسلمين على رأسهم.

فهم التنظيم والتعامل معه على ما هو عليه أمر في غاية الأهمية، الإخوان لا يحتاجون إلى من يسبهم أو يتطاول عليهم، وقد يستفيدون من هذه الحالة بإدعاء المظلومية سواء بين أنصارهم أو بين بقية النّاس، ولكن فهم التنظيم على وجهه الحقيقي يساعد كثيرًا في تفكيك أفكاره المؤسسة، ولابد أن تبذل الجهود الحثيثة في هذه الزاوية.

وقعت أنظمة سياسية كثيرة وأحزاب وكتل سياسية في كثير من بلداننا العربية عندما اعتقدت أن الإخوان فصيل سياسي وليس تنظيمًا دينيًا وأنهم يؤمنون بالحوار، وللأمانة نجح الإخوان في خداع الكثيرين بهذه النظرية حتى أن مثقفين وسياسيين كبّاراً، رغم قلتهم، مازالوا على قناعة بأن الجماعة فصيل سياسي، ويجب محاورته!

وقعت الأنظمة السياسية المتعاقبة في خطيئة السماح للإخوان بالظهور على وجهين، وجه يدعي المثالية والشرف السياسي والدعوي، ووجه آخر يمارس فيه تطرفه، ولعل هذا هو الوجه الحقيقي للتنظيم، حتى بات تنظيم الإخوان المسلمين جزء من الحالة السياسية في كثير من أوطاننا العربية، وهذا الخلط أو الجهل في فهم “الإخوان” صنعته بعض الأنظمة السياسية، وهو ما يستلزم الانتباه.

يدور في بعض الأروقة السياسية حوار يتعلق بضرورة عودة الإخوان المسلمين للمشهد السياسي في مصر، هذا الحوار يطالب أصحابة بضرورة فتح حوار مع التنظيم، واستغلال أن ثمة تياراً إصلاحياً كبيراً داخل النظام السياسي لابد من دعمة وتأييده، وهذا الدعم سوف يكون من خلال مباركة أي خطوات تتعلق بعودة الإخوان المسلمين للمشهد السياسي!

يتفهم القارئ العزيز أن ثمة مواقف سياسية وصراعاً قد يربط رفض البعض للإخوان، وبالتالي من يتعامل بهذه الصورة قد يرفض الإخوان أمس ويقبلهم اليوم أو غدًا، فالأمر مرتبط عنده بالخلاف السياسي، والحقيقة أن الخلاف مع التنظيمات الدينية المتطرفة لابد ان يكون مبنيًا على قاعدة خطر هذه التنظيمات على الأمن القومي والإنساني معًا، فهم متطرفون في أحكامهم ولا يؤمنون بالحوار ولا بالآخر، فكيف يمكن قبولهم في الحياة السياسية أو عودتهم للمشهد!

وضع الإخوان على قوائم الإرهاب أو ضمن الكيانات الإرهابية لا يحتاج إلى قرار سياسي أو حكم محكمة، فحكم النّاس أهم وأكبر، ودائمًا تكون أحكام النّاس وفق تصورات حقيقية وواقعية لا يحكمها الهوى وليس للنفس حظ  فيها، والنّاس هنا هم الحصانة الحقيقية أمام عودة التنظيمات المتطرفة للمشهد السياسي من جديد.

الأوضاع الإقتصادية في منطقتنا ملغمة بما فيه الكفاية، وبات انعكاس هذه الأوضاع على السياسة كبيرًا؛ فمهما كانت الفاتورة كبيرة ومهما كانت حساسية الوضع الاقتصادي والسياسي فلابد من مواجهة كل من يهدد خطر الإنسان والوطن، لا السماح له بالعودة وحمايته، ولو حدث ذلك فلن تكون للبلاد قائمة مستقبلًا، فخطر التطرف يُهدد أي شيء وكل شيء، ولذلك لابد من مواجهته في أي مكان وكل مكان.

لابد ألا تكون هناك ذرائع للتسامح مع الخطر، رغم أننا لابد أن نكون داعمين لإرساء دولة القانون والعدل، ولكن مع ذلك لابد من عدم التساهل مع كل من يُهدد الأمن والاستقرار، وألا يتم خلط المتغيرات الاقتصادية والسياسية بما يُهدد الإنسان والأمن معًا، صحيح هناك خطر قريب وآخر بعيد ولكن لابد من الإدراك أنها كلها أخطار يجب التعامل معها.

يدهشني كثيرًا أن من يمارسون الابتزاز يخضع لهم بعض النّاس اتقاء لسمومهم، أنت تعلم أنه شخص مبتز وترفض ابتزازة الذي تُعاني منه ولكنك في نفس الوقت تقبل راضيًا مرضيًا أن تكون أسيرًا لهذا الابتزاز؛ التنظيمات الدينية فضلًا عن كونها تيارات متطرفة إلا أنها تيارات مبتزة أيضًا، وبهذه الطريقة نجحت في الوصول إلى الكثير من أهدافها.

الإخوان تلوثت أيديهم بالدماء، صحيح هناك من مارس العنف بيده في الإخوان وانخرط في ميلشيات مسلحة كان هدفها الأساسي والرئيسي هو القتل والاغتيال والتفجير مثال حركتي “سواعد مصر.. حسم”و “لواء الثورة”، وهناك من اقتصر دوره على التحريض ووفر ملاذات آمنة للإرهاب؛ كل ما ذكرت له علاقة بالإرهاب بصورة أو بأخرى ولا يمكن الحوار أو التعامل معه على أنه فصيل سياسي، وخلاف سوف يدفع الجميع ضريبته.

منطقتنا العربية أمام لحظة فارقة وتحديات كبيرة لابد أن تواجهها بشجاعة، وألا تفرط في ثوابتها أو تتخاذل في مواجهة التحديات التي تمر بها، وأن تفرق بين أنواع الخطر لا أن تغض الطرف عنه، وأن تضع مواجهة جماعات العنف والتطرف أولوية لها مهما كانت النتائج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى