الأميركيون يرفعون راية الاستسلام! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

الأميركيون يرفعون راية الاستسلام!

0 230


Victor Davis Hanson – National Review

ترجمات عن الجريدة الكويتية  & 13/3/2012

 ماذا تعلم الأميركيون من تجاربهم السابقة كلها؟ فالنزعة القبلية والثروة النفطية والتطرف الإسلامي تشكل خليطاً سيئاً يجعل الأميركيين مرهقين من الشرق الأوسط بأكمله، سواء قرروا التدخل في شؤونه أو الامتناع عن التدخل!

لقد سئم الأميركيون بجميع انتماءاتهم (يساريون، يمينيون، ديمقراطيون، جمهوريون) من سياسة بناء الأوطان في الشرق الأوسط، لكن لم يكن إرساء الديمقراطية خيارهم الأول بل ملجأهم الأخير بعد فشل الأساليب الأخرى.

في السابق، ساعدت الولايات المتحدة المتمردين الأفغان الذين طردوا السوفيات بعد عقد من القتال، ثم غادرت المكان، وبعد ذلك، واجه البلد وضعاً رجعياً أسوأ في عهد “طالبان”، وبعد إسقاط حكم “طالبان” التي استضافت منفّذي اعتداءات 11 سبتمبر، تعهد الأميركيون في عام 2001 بمتابعة المهمة.

في المرحلة اللاحقة، فاز الأميركيون بحرب الخليج الأولى في عام 1991، ثم غادرت معظم القوات العسكرية الأميركية المنطقة، ونتيجةً لذلك، انطلقت حملة قتل جماعي بحق الأكراد والشيعة العراقيين، ثم فُرضت مناطق حظر جوي طوال 12 عاماً بالإضافة إلى حصار فاشل على مقايضات النفط مقابل الغذاء في العراق خلال عهد صدام حسين، وبعد إسقاط صدام في عام 2003، حاول الأميركيون تحسين ظروف البلد.

خلال السنوات العشر الأخيرة، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من تريليون دولار وسقط آلاف القتلى الأميركيين في العراق وأفغانستان، لكن يبدو أن وضع البلدين أصبح أفضل مما كان عليه قبل التدخل الأميركي.

مع ذلك، لا يكنّ العراقيون الآن أي مشاعر إيجابية تجاه الأميركيين، بل إنهم أصبحوا أقرب إلى إيران وسورية منه إلى البلد الذي حررهم، ففي أفغانستان، تستمر أعمال الشغب بسبب حرق المصاحف عن طريق الخطأ رغم سلسلة من الاعتذارات الأميركية.

ماذا عن خيار قصف الأشرار وإنهاء المهمة؟ سبق أن قام الأميركيون بذلك بحق النظام الدكتاتوري الذي كان يدعم الإرهاب برئاسة القذافي في ليبيا، لكن بعد رحيل القذافي، تعمّ الفوضى في أرجاء البلد اليوم، وتعمد العصابات الإسلامية إلى تعذيب وإعدام الأفارقة السود الذين كانوا يدعمون النظام المخلوع وفق التقارير الصحافية.

على صعيد آخر، لم تصمد المقابر البريطانية، التي تلت الحرب العالمية الثانية والتي حُفظت طوال 70 عاماً في عهود الملوك والحكام الدكتاتوريين الليبيين، أكثر من ستة أشهر في ليبيا “الحرة”. في بنغازي، قامت العصابات أيضاً بنهب وتدمير النصب التذكارية التي تعود إلى شهداء الحرب البريطانيين.

بسبب الامتناع عن التدخل الميداني، قد يؤدي استمرار الفوضى إلى أجل غير مسمى إلى استنزاف أي أمل بنشر الهدوء في ليبيا بعد عهد القذافي، وهذا ما حصل في الصومال ولبنان بعد أن تعرضت القوات الأميركية للهجوم وغادرت البلدين فجأةً.

لكن ماذا عن خيار الاكتفاء بتقديم المساعدات وكلمات التشجيع حصراً؟ حث الأميركيون على تطبيق الإصلاح في مصر، في عهد جورج بوش الابن ثم باراك أوباما الآن، لكن عندما نجح المحتجون في إسقاط حسني مبارك، وافقت الولايات المتحدة على الوضع الجديد. بدا وكأنّ الأميركيين سيتابعون إرسال المساعدات السنوية التي تصل قيمتها إلى 1.5 مليار دولار إلى مصر، كما كانوا يفعلون لأكثر من 30 عاماً، لكن يسيطر الإسلاميون المعادون للولايات المتحدة على السياسة المصرية اليوم، وقد عمد الإصلاحيون المصريون الجدد في الفترة الأخيرة إلى اعتقال عاملين أميركيين في منظمات غير حكومية والتهديد بمحاكمتهم.

يمكن أن يختار الأميركيون أيضاً عدم بناء الأوطان أو قصف البلدان أو حتى الاقتراب من أي بلد في الشرق الأوسط (وهذا ما يفعلونه الآن مع سورية وإيران). لم ترتبط الولايات المتحدة بأي علاقات دبلوماسية مع إيران منذ سقوط الشاه في عام 1979، فقبل أن تحاول إدارة أوباما تجديد التواصل مع نظام بشار الأسد في سورية من خلال تعيين سفير جديد هناك، واجه البلدان تباعداً دام ست سنوات تقريباً.

لكن تقترب إيران من تحقيق هدف الحصول على سلاح نووي من أجل تهديد إسرائيل ومضايقة الأنظمة الأخرى التي تصدّر النفط في الخليج العربي. على صعيد آخر، يقوم النظام السوري الآن بقتل آلاف المواطنين من دون حسيب أو رقيب.

يقضي خيار أخير بالعودة إلى السياسة القديمة المبنية على تجديد العلاقات الودية مع الأنظمة الدكتاتورية في الشرق الأوسط (بغض النظر عن سياستها الداخلية) السكوت على تجاوزاتها. اتبع الأميركيون هذه الطريقة في باكستان التي تلقّت مساعدات أميركية بقيمة مليارات الدولارات وأنتجت قنبلة نووية، لكن يصعب أن نتخيل وجود بلد مُعادٍ للولايات المتحدة أكثر من باكستان النووية، إذ من المعروف أن “طالبان” ما كانت لتستطيع قتل الأميركيين بهذه السهولة في أفغانستان من دون مساعدة باكستان.

في الماضي، ساعدت الولايات المتحدة في إنقاذ النظام الكويتي بعد أن حاول صدام حسين سحقه، وكانت علاقاتها قوية مع النظام الملكي السعودي أيضاً، لكن لا يرتبط أي من البلدين بعلاقة ودية خاصة مع الولايات المتحدة اليوم، إذ تُعتبر ممارسة الشعائر المسيحية في المملكة العربية السعودية جرماً حتى الآن، وكان 15 شخصاً من بين الخاطفين الذين شاركوا في اعتداءات 11 سبتمبر من السعوديين، كذلك، يكلّف إنتاج النفط في الشرق الأوسط أقل من 5 دولارات للبرميل الواحد ولكنه يُباع اليوم بأكثر من 100 دولار، ويعود ذلك أساساً إلى سياسات حلفاء الولايات المتحدة وأعضاء منظمة الدول المصدرة للبترول.

لنراجع مختلف الخيارات السياسية الأميركية في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية. فشلت المساعدات العسكرية أو سياسات التدخل التي لم تترافق مع تدابير إضافية لمتابعة التطورات، ولم يصدر بعد الحكم على سياسات بناء الأوطان المكلفة، ولا تضمن محاولة مساعدة الشعوب الثائرة لإسقاط قادتها الدكتاتوريين تحسّن الوضع. كما أن منح الحكام الدكتاتوريين المساعدة العسكرية هو أمر مشين وله نتائج عكسية، لكن يؤدي عدم ردع الأنظمة الجامحة إلى اكتسابها أسلحة نووية أو ارتكابها إبادات جماعية، أو حتى استهداف عمق الولايات المتحدة.

ماذا تعلمنا من هذه التجارب كلها؟ تشكل النزعة القبلية والثروة النفطية والتطرف الإسلامي خليطاً سيئاً يجعل الأميركيين مرهقين من الشرق الأوسط بأكمله، سواء قرروا التدخل في شؤونه أو الامتناع عن التدخل!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.