"اقتصادي"* – تقرير– 8/6/2012 منتصرون وخاسرون في اقتصاد الشرق الاوسط - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

“اقتصادي”* – تقرير– 8/6/2012 منتصرون وخاسرون في اقتصاد الشرق الاوسط

0 139

بقلم: باول ريفلين

          اقتصاد الشرق الاوسط تأثر بشكل دراماتيكي من عدة تطورات في المنطقة والاقتصاد الدولي. التطور الاول هو الارتفاع في اسعار النفط، والذي أدى الى ارتفاع في مداخل الدول المنتجة للنفط. السبب الاساس لاسعار النفط العالية في هذه اللحظة هو التشوشات في التوريد وليس في الطلب. فقد خسرت سوق النفط أكثر من مليون برميل في اليوم في التوريد في الاشهر الاخيرة. حتى 500 الف برميل في اليوم من النفط الايراني تزاح عن السوق كنتيجة لتأثير العقوبات الاوروبية ونزاعات الدفع المالي مع الصين والهند. توتر في جنوب السودان ومشاكل فنية في البحر الشمالي، الى جانب عناصر اخرى، قلصت التوريد بـ 700 ألف برميل آخر في اليوم. ومع ذلك، فان الانتاج الاجمالي لدول أوبيك لم يقل. مقارنة الربع الاول من العام 2012 مع المتوسط السنوي للعام 2010 يظهر ارتفاعا بمقدار 1.85 مليون برميل في اليوم، او 6.3 في المائة، في انتاج أوبيك.

          للعربية السعودية النصيب الاكبر، مع ارتفاع بمقدار 1.5 مليون برميل في اليوم (18.4 في المائة)؛ الانتاج في العراق، الكويت واتحاد الامارات العربية نما هو الاخر بشكل كبير، بينما الانتاج في ايران هبط بـ 318.000 برميل في اليوم (8.5 ناقص في المائة). ومع ذلك، فان الارتفاع في الانتاج في دول أوبيك لم يؤدِ الى ارتفاع في التصدير بذات القدر، وذلك لان استهلاك النفط الذاتي في تلك الدول، ولا سيما في تلك التي في الشرق الاوسط، آخذ في الازدياد. ايران هي عضو أوبيك الوحيد الذي قلص الدعم الحكومي للطاقة المشجع للاستهلاك. وفي النهاية يوجد توتر في المنطقة بسبب نشاط ايران في المجال النووي، والذي يؤدي الى ارتفاع في أسعار النفط ويرفع مستويات المخاطرة. وللمفارقة، فان اسعار النفط العالية تساعد ايران في الوقت الذي يتضرر فيها اقتصادها جراء العقوبات.

          البنك الدولي يتوقع ان يبلغ النمو الاقتصادي في البلدان المصدرة للنفط في الشرق الاوسط 5.4 في المائة في العام 2012، مقارنة مع 3.4 في المائة في العام 2011. هذا التوقع يتأثر سواء بالانتعاش السريع لانتاج النفط في ليبيا أم بالانخفاض في الانتاج الايراني. النمو في دول مجلس التعاون في الخليج بلغ 8 في المائة في العام 2011. بالمقابل، فان اقتصاد الدول المستوردة للنفط في المنطقة ستنمو بنحو 2.7 في المائة فقط مقارنة مع 2.5 في المائة في العام 2011.

          تحتفظ الدول المصدرة للنفط الان بفائض في الحساب الجاري في ميزان المدفوعات والذي يقدره صندوق النقد الدولي بـ 740 مليار دولا. الدول المصدرة للنفط في الشرق الاوسط تحتفظ بـ 60 في المائة من هذا المبلغ. ينبغي مقارنة هذا الفائض، الذي يوجد في ميل نمو، مع الفائض في الحساب الجاري للصين، الذي يبلغ 250 مليار دولار ويوجد في ميل هبوط. الفائض المتراكم لدى الدول المنتجة للنفط يقدر بـ 4 تريليون دولار، ضعف الفائض في الصين، بينما الاحتياطات الرسمية تبلغ أكثر من تريليون دولار. الكثير من الاموال تستثمر خلف البحر ولا يمكن تشخيصها في مبالغ الاحتياطات الرسمية، ونتيجة لذلك، حصلت على انتباه قليل مقارنة مع الصين.

          لقد قلص الركود الدولي الارتفاع على الطلب، وفي أعقاب ذلك أيضا المشتريات والاستثمارات في الشرق الاوسط وشمال افريقيا. عمق الركود في اوروبا فاقم الوضع بسبب أهمية السوق الاوروبية لدول شمالي افريقيا. فالتصدير الى اوروبا يشكل نحو 20 في المائة من اجمالي تصدير البضائع، او نحو 7 في المائة من الانتاج المحلي الخام. وهذه نسبة اعلى منها في اسيا، امريكا اللاتينية، افريقيا جنوبي الصحراء او الولايات المتحدة. كما أنه مصدر هام للمداخيل من السياحة، الاستثمارات الاجنبية والتحويلات المالية من العمال الى المنطقة. السياحة في الشرق الاوسط نمت بشكل واضح بين عوام 2007 و 2010، ولكنها هبطت بنحو 20 في المائة، ولا سيما في أعقاب “الربيع العربي”. الاقتصاد التونسي تضرر بشدة، وكذا مصر، المغرب والجزائر تعاني جراء ذلك.

          الانخفاض في التحويلات المالية للعمال كجزء من الدخل القومي هو مسيرة طويلة المدى، تعكس نمو الاقتصادات العربية التي تصدر قوة العمل واستخدام اكبر للعمال غير العرب في دول الخليج. فقد توقفت الاستثمارات الاجنبية وفي السنوات الاخيرة تتدفق الاموال الى خارج المنطقة. اما الربيع العربي فقد سرع هذه المسيرة.

          أحد التأثيرات لارتفاع اسعار النفط كان الارتفاع في اسعار الغذاء. العلاقات بين النفط الخام وبين الاسواق الزراعية تعززت جدا منذ العام 2005، وأثر التسلسل من أسعار النفط الخام الى أسعار المنتجات الزراعية تعاظم. وبينما لم يكن الارتفاع في أسعار النفط السبب الوحيد لارتفاع اسعار الغذاء، فقد كان أحدها، وبالتالي فانه أحد العناصر المركزية لتقسيم الشرق الاوسط الى مجموعتين: منتصرين وخاسرين.

          الفارق بين المنتصرين والخاسرين ينعكس في الفارق في الانتاج المحلي الخام للفرد بين دول مجلس التعاون الخليجي ومصر. فبين أعوام 2000 و 2005، بلغ الفارق 17- 20   دولار في المتوسط. وهو يتسع منذئذ الى نحو 35 ألف دولار. وتجدر الاشارة الى أن التقدير هو أن الانتاج المحلي الخام للفرد ارتفع كنتيجة لارتفاع أسعار النفط وفي اعقاب ذلك اتسع الفارق مع مصر أكثر فأكثر. هذه الظاهرة تمثل ما حصل في المنطقة بشكل عام: اتساع الانقسام بين الاغنياء والفقراء. الفارق لم ينبع فقط من أن الاغنياء يواصلون الغنى بل وايضا من أن الفقراء يصبحون أكثر فقرا. وأحد الاسباب الاساس لهذا هو الارتفاع في اسعار الغذاء.

          ووفقا للبنك الدولي، فان اسعار الغذاء العالمية ارتفعت بـ 8 في المائة من كانون الاول 2011 حتى اذار 2012، في أعقاب اسعار النفط العالية، الاحوال الجوية القاسية والطلب العالي في آسيا على الغذاء المستورد. ارتفاع اسعار الغذاء كان عاملا مركزيا في اندلاع المظاهرات الجماهيرية في “الربيع العربي”. وقد ردت الحكومات العربية برفع الدعم الحكومي، مما فاقم من وضعها المالي. فضلا عن ذلك فان هذه السياسة تتعارض والسياسة التي يتبناها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين هما مصدرا التمويل المحتملين الهامين للدول المستوردة للنفط في المنطقة.

          الربيع العربي ونتائجه أثرا على النشاط الاقتصادي في كل الدول التي شهدت تغييرا للانظمة وصدامات وكذا في بعض من الدول التي لم تشهد مثل هذه الاحداث. في أعقاب ذلك، فان الفوارق بين الاغنياء والفقراء أتسعت أكثر فأكثر.

          الامثلة الاكثر دراماتيكية هي مصر، التي توجد معلومات عن الابطاء الاقتصادي فيها، وسوريا واليمن اللتين تأثرتا بالمواجهات الداخلية، ولكن في هذه الاثناء لا توجد سوى تخمينات وتقديرات بالنسبة للضرر الذي لحق باقتصاديهما.

          لقد عانى الاقتصاد المصري من فقدان احتياطات العملة الصعبة؛ سحب الاستثمارات الاجنبية الى خارج مصر. فرار أموال المصريين الذين يخرجون الاموال من الدولة؛ خسارة المداخيل من السياحة والانخفاض في الانتاج الصناعي بسبب الاضرابات، المظاهرات والتشويشات. في مصر وفي تونس، توقف النمو الاقتصادي تماما؛ في سوريا وأغلب الظن في اليمن ايضا، تضرر النمو في أعقاب العنف. وضع ليبيا من المتوقع أن يتحسن، استنادا الى اعادة بناء صناعة النفط، ولكن هذا على فرض أن العنف في الدولة لن يتصاعد.

          وقد تضمنت الاثار عجوزات اكبر في الميزانيات، وميزان مدفوعات أضعف وابطاء في النمو الاقتصادي، بما يتضمن أغلب الظن انخفاض في الانتاج المحي الخام. هذا مقلق للغاية كون عدد السكان في المنطقة يواصل الارتفاع. في مصر، يزداد عدد السكان بنحو 1.8 في المائة في السنة (نحو 1.4 مليون نسمة) بينما لم ينمو الانتاج المحلي الخام بذات القدر، والدخل للفرد ينخفض. وعمليا فان الوضع أخطر بكثير لانه يوجد في مصر، مثل باقي الدول العربية ، معدل بطاقة آخذ في الارتفاع وارتفاع سريع لعدد الفئات السكانية في سن العمل. كميات هائلة من الشباب تدخل سوق العمل بحثا عن الوظائف. في السنوات الاخيرة، تحت حكم مبارك، نما الاقتصاد بالمتوسط السنوي بمعدل 5 في المائة. وكنتيجة لذلك طرأ ارتفاع تدريجي في معدل العمالة. اما الان ولما توقف الاقتصاد عن النمو، فحتى التحسن المتواضع في سوق العمل توقف. تحدي العمالة الذي يواجه الحكومة الجديدة في مصر وفي دول عربية اخرى هو تحد هائل. فقد بلغت البطالة 12.4 في المائة في الربع الاخير من العام 2011 (الفترة الاخيرة التي رفعت عنها معطيات)، مقارنة مع 8.9 في المائة في الربع الاخير من العام 2010. الهيئة الاحصائية الرسمية لمصر، Central Agency for Public Mobilization and Statistics، افادت بانه في منتصف العام 2011 بلغ معدل البطالة في أوساط الشباب في اعمار 18 – 29 سنة 20.4 في المائة. اما معدل البطالة في اوساط الرجال فبلغ 11.5 في المائة ومعدل البطالة في اوساط النساء بلغ 46.4 في المائة. بينما معدل البطالة بين الاكاديميين بلغ 26.8 في المائة في أوساط الرجال و 55.1 في المائة في اوساط الرجال. تعريف البطالة لا يتضمن الكثيرين ممن يعملون في وظائف جزئية، وكنتيجة لذلك ولاسباب اخرى من المعقول الافتراض بان بطالة الشباب أكثر بضعفين بل وأكثر.

          في ايران، الاضافات السنوية على اعداد الشباب الذين يبلغون سن العمل ويحاولون الانضمام الى قوة العمل تبلغ 1.4 مليون. في الجزائر، العراق، المغرب والعربية السعودية وسوريا المتوسط يقترب من 600 ألف في كل واحدة من هذه الدول. نتيجة لذلك نجد أن الدول العربية وايران ملزمة بان تخلق 6.6 مليون وظيفة في السنة فقط كي تمنع الارتفاع في معدل البطالة. الفوارق في مستوى الدخل بين الدول العربية الغنية والفقيرة ازدادت. وبالتوازي، فان امكانية عمل العمال من الدول الفقيرة في الدول الاغنى انحصرت. بسبب الركود، لم تعد اوروبا تحتاج الى مهاجري العمل (على الاقل ليس في المدى القصير)؛ القتال في ليبيا دفع عشرات الاف المصريين والتونسيين الى الهرب الى بلادهم؛ ودول النفط في الخليج الفارسي تجند منذ سنوات عمالا من جنوب وجنوب شرق اسيا، ممن لا يعتبرون تهديدا على أمنها الداخلي مثل العمال العرب. وللدول المستوردة للنفط توجد احتياجات تمويل داخلية وخارجية تقدر بـ 90 مليار دولار في العام 2012 وبـ 100 مليار دولار في العام 2013. الانظمة الاسلامية الوافدة لم تصغ خططا للتصدي للمصاعب المالية والاقتصادية هذه. ويمكن للدول المصدرة للنفط في المنطقة أن تساعدهم بسهولة، ولكن هل هم سيرغبون في عمل ذلك، في ضوء الخلافات السياسية بين العربية السعودية ومصر مثلا (ناهيك عن القول عن تلك التي بين العربية السعودية وسوريا)؟ السوابق لا تشجع: حتى عندما كانت العلاقات اكثر وثوقا؛ لم تكن المساعدة كبيرة. الامكانية الاخرى هي طلب المساعدة من منظمات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. مصر تتردد بالنسبة لهذه الامكانية منذ اشهر طويلة، لاسباب سياسية. القرارات التي تقف امامها الحكومات الوافدة في الاشهر القادمة لا تثير الحسد.



* نشرة الكترونية تصدر عن مركز ديان لدراسات الشرق الاوسط وافريقيا – جامعة تل أبيب – ايار 2012.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.