اسرائيل اليوم - مقال - 15/3/2012 نبذ الصلف والجُبن معا - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

اسرائيل اليوم – مقال – 15/3/2012 نبذ الصلف والجُبن معا

0 251

بقلم: عاموس ريغف

القضاء على المشروع الذري الايراني ممكن مع كونه خطيرا ولهذا يجب على اسرائيل ان تبادر اليه قبل فوات الأوان.

       توجد صورة اسرائيلية معروفة معلومة هي صورة سيارة تقف في الصعود الى القدس، ويقف السائق على جانب الطريق يرفع غطاء المحرك، وترتفع سحابة بخار نحو وجهه الذي يتصبب عرقا. وآنذاك تقف سيارة وراءه ويتقدم من السائق رجل ذو كرش ينحني على المحرك الملتهب. “دعني، دعني”، يقول، مليئا بالارادة الخيّرة، “أنا أعلم ماذا أفعل. فقد كنت خبير آلات في سلاح المدرعات”. وينتهي الامر على العموم نهاية جيدة.

          دعوني، دعوني، يقول الرئيس اوباما لاسرائيل في مواجهة المشكلة الايرانية الملتهبة. فأنا أعلم ماذا أفعل. لكن اوباما لم يكن حتى خبير آلات في سلاح المدرعات. وقد لا ينتهي هذا نهاية جيدة، وليس من المؤكد أنه مملوء بالارادة الخيّرة.

          “أنا لا أخدع”، قال الرئيس الامريكي في مؤتمر “ايباك” قبل نحو من اسبوعين، وخُيل اليهم للحظة ان العم الامريكي سيحل لنا المشكلة الايرانية في حين نجلس نحن على مقاعد المتفرجين نهتف بحماسة وشعور بالارتياح. لكن من غداة تصريحه انعطف عما قال بالعودة الى محادثات اخرى مع الايرانيين. “فرصة أخيرة”، تقول الادارة الامريكية التي حظيت قبل ذلك بلحظة بالهتاف والتصفيق لاعلانها أنها انتهت ايام “ضبط النفس” وحانت ايام “المنع”.

          جزع المحلل الجليل تشارلز كراوتهامر. “ما هو هدف اوباما الحقيقي؟” سأل في عمود صحفي قبل اسبوع واقتبس من كلام مسؤول كبير في الادارة الامريكية قال لصحيفته الـ “واشنطن بوست”: “نحن نحاول ان نُصعب على اسرائيل اتخاذ قرار الهجوم قدر المستطاع”. ويقول كراوتهامر ان هذا يثير الزعزعة. فمن جهة توجد دولة ارهاب متطرفة ستملك في غضون زمن قصير سلاحا ذريا هدفه المعلن ابادة اسرائيل، ومن جهة ثانية رئيس هدفه كله ان يبلغ تشرين الثاني بسلام وبلا حرب وبلا ازمات وبلا أسعار نفط مرتفعة جدا. والأساس ألا يُعرض احتمالات انتخابه من جديد للخطر، يقول كراوتهامر ويلخص قائلا: “من المؤكد ان يخلص مراقب نزيه الى استنتاج ان طموح اسرائيل الى ألا تسير في استسلام وخضوع الى الظلام أسمى وأكثر اخلاقية من المستقبل السياسي لشخص واحد حتى لو كان رئيس الولايات المتحدة”.

          ان سؤال ماذا يُفعل لمواجهة التهديد الذري الايراني قد أصبح القضية الرئيسة في النظام الدولي، وللأسف الشديد ايضا أصبح النقاش الأكثر عصفا واشتعالا في الاعلام الاسرائيلي. اختُرقت جميع السدود وأصبح مصيرنا القومي – الخراب والجلاء والمحرقة والنهضة – سخرية. سأل فيلسوف كبير ذات يوم: كيف ينفع التاريخ الحياة ويضرها، ويبدو انه كان سيتلذذ برؤية رقص الأمنيين السابقين والخبراء والمحللين والأدباء والمفكرين الذين يحاولون ان يبرهنوا على ان الاسود ابيض وعلى ان اثنين واثنين ليس حاصلهما اربعة، وان الايرانيين العقلانيين لا يبنون قنبلة ذرية، واذا بنوها فلن يستعملوها، واذا استعملوها فلن يستعملوها علينا، وأن هذا ليس شأننا أصلا، وأن من يعتقد أننا على خطر فناء مرة اخرى مخطيء ومُضل.

          ان التاريخ ذو دور في الحاضر ايضا وهذا أمر جيد. ولكل شعب تاريخه وروايته وقانونه. وفي حالتنا تؤدي المحرقة دورا مركزيا. وهذه حقيقة تاريخية ليست لذيذة لكنها حق وهي صحيحة اليوم ايضا: واسألوا الرفاق في القطاع والضفة وفي طهران وبيروت. ألا تريدون تصديقهم؟ انها مشكلتكم. متى ستبدأون التصديق أحينما يكون متأخرا جدا؟ ألا نفعل شيئا في الاثناء كما اقترح الأديب دافيد غروسمان؟.

          “ان الاستسلام السلبي صاغ التصور العام للنخبة الحاكمة في بريطانيا في الثلاثينيات… وكان المزاج العام عدم قبول حرب بعد ورفض التسلح من جديد والايمان الساذج بالأمن الجماعي ترك أثره على اليسار… ربما نددوا بما فعله النازيون لكن اشمئزازهم من تجار السلاح ومن الروح العسكرية كان قويا جدا حتى لقد رفضوا تسلحا حذرا (لبريطانيا) وبرهنوا بذلك على أنهم لم يفهموا ما كان خاصا جدا في شر النازية”، هذا ما كتبه المؤرخ البريطاني الشهير مايكل بيرلي في كتابه “حرب اخلاقية”، في وصفه روح الاستسلام البريطانية في مواجهة الخطر القريب.

          الاستخبارات لا تقرأ الأخبار

          هل نُجري مرة اخرى مقارنة بين حكم النازيين والحكم في طهران؟ هذا مؤكد للسبب البسيط وهو أنه الحق. صحيح ان الحالتين التاريخيتين يختلف بعضهما عن بعض دائما لكن البشر يشاركون في كل حال تاريخية وقد ظلوا متشابهين كثيرا. ومن الحقائق ان الكتاب المقدس والمآسي اليونانية ومسرحيات شكسبير والاعمال الفنية الكبرى – كلها ذات صلة بالناس في أيامنا كما كانت ذات صلة في وقتها. وربما لا يكرر التاريخ نفسه لكن البشر مع افتراض وضع متشابه يردون بصورة متشابهة. كانت الثورات الشعبية في ميادين المدن قبل التويتر والفيس بوك ايضا؛ وكانت الحروب ايضا قبل ايجاد الدبابة والطائرة الصغيرة بلا طيار. وكانت ابادة الشعب قبل غرف الغاز ايضا وأصبحت أسهل فقط مع السلاح الذري.

          ان السلاح الذري في أيدي اسلاميين خطر على اسرائيل. فهم يعيشون التاريخ. وهم يرون ان غزو الصليبيين قد حدث في المدة الاخيرة فقط وهم يروننا الصليبيين الملعونين. وهم يعيشون الأسطورة ويعملون على تعجيل مجيء المسيح المخلص – عندهم (المهدي المنتظر – المترجم). أعطهم سلاحا ذريا وسيستعملونه – هذا ما يقولونه، ومن كان يعتقد ان هذه “دعاية من اجل أهداف داخلية” واهم.

          ونُذكره بأنه قبل عمليات التوائم بوقت قصير فقط نشرت في مواقع القاعدة على الانترنت تهديدات صريحة بأن المنظمة توشك ان تفعل شيئا يزعزع العالم. وتجاهلت أكثر الاستخبارات احكاما في العالم ذلك، أعني الامريكية، والنتيجة معروفة.

          والاستخبارات على العموم مسألة اشكالية. ففي 2007 نشر تقدير الاستخبارات القومي في الولايات المتحدة الذي قال ان ايران جمدت منذ زمن برنامجها الذري. وانفجروا ضاحكين في طهران. ومن المؤكد أنهم قرأوا ايضا الكتاب الواسع المباع “تراث رماد” الذي يصف جميع اخفاقات الاستخبارات الامريكية. واليوم ايضا، وهذا ما تعترف به مصادر رفيعة المستوى في واشنطن في اعلان نشر في الولايات المتحدة، يُشك في ان تأتي استخباراتهم في الوقت المناسب بأمر خامنئي بتركيب القنبلة الذرية. عندهم أقمار صناعية واجهزة تنصت وحواسيب ورادارات وكل التقنية الأكثر تقدما، لكنهم ما يزالون غير قادرين على قراءة أفكار آيات الله.

          وليس من المؤكد ايضا أنهم يستطيعون العمل على أحسن وجه. اذا تركنا جانبا اغتيال ابن لادن فان الجيش الامريكي لسوء الحظ لم يعد ينتصر كثيرا في الفترة الاخيرة. كان من السهل نسبيا ان يُهزم جيش صدام حسين في معركتين. لكن الارهاب أدى الى مغادرة العراق والارهاب يؤدي الى خروج قوات الولايات المتحدة من افغانستان قريبا. أخذ يرسخ الآن في الولايات المتحدة أنه لا يمكن فعل ذلك والقصد الى الانتصار في افغانستان بعد المعركة الانتخابية التي كان شعارها “نعم نحن نستطيع”. أهذا اذا ما ينقص اوباما القائد الأعلى للقوات المسلحة – أحرب اخرى غير ناجحة في الشرق الاوسط؟.

       قرارات صعبة في ظروف عدم يقين

          تفصح القيادة عن نفسها بالقدرة على اتخاذ قرار صعب، في ظروف عدم يقين في مواجهة غموض. وقد اتخذت هذه القرارات من قبل في اسرائيل: في 1948 حينما بت بن غوريون أمر اعلان الدولة في مواجهة جوقة التحذير والانذار بغزو الجيوش العربية. وفي 1967 حينما بُت قرار الخروج لحرب الايام الستة في مواجهة خنق جيوش مصر وسوريا والاردن. وفي 1981 حينما بت بيغن أمر القضاء على المفاعل الذري في بغداد في مواجهة نصائح كل الخبراء والعسكريين تقريبا. أهذه مقامرة؟ “يجب على السياسة احيانا ان تتخذ قرارات هي في جوهرها مقامرة غامضة على خزانة كبيرة”، كتب هذا الاسبوع البروفيسور حزقيال درور، “اذا كان عدد القتلى المتوقع في حرب في المستقبل أكبر بأضعاف مضاعفة ممن سيقتلون في الحرب الحالية فمن الواجب اذا العمل الآن”. لو أن الحلفاء غزوا اقليم الراين في 1936 لصد اجراءات هتلر الاولى فلربما قُتل منهم مقتلة عظيمة، لكن الثمن كان سيكون أقل مما كان بعد ثلاث سنين، نسبيا.

          ليس من اللذيذ “التفكير في الذي لا يقبل التفكير فيه”، كاسم الكتاب الكلاسيكي لخبير الاستراتيجية البروفيسور هرمان كاهن، لكن الأعداد محسوسة بيقين. ان قنبلة ذرية ايرانية قد تسبب لاسرائيل ضررا كبيرا. “اسرائيل دولة قنبلة واحدة”، قدّر ذات مرة رفسنجاني من قادة آيات الله، وكان قصده انه تكفي قنبلة ذرية واحدة لابادتها. والايرانيون متجهون الى أكثر من قنبلة واحدة؛ لكن اذا تم الاضرار بالبرنامج الذري الايراني اضرارا شديدا أو قُضي عليه فان قدرة ايران على الضربة الثانية اليوم محدودة. فعندهم بحسب نشرات اجنبية مئات غير كثيرة من صواريخ ارض – ارض يبلغ مداها اسرائيل. وسيتم تدمير جزء منها بالهجوم، وستلاقي صواريخ اخرى تُطلق صواريخ الـ “حيتس” التي لا تقل جدواها عن جدوى منظومة القبة الحديدية، وقليل منها فقط سيبلغ هدفه مثل صواريخ سكاد صدام حسين في حرب الخليج الاولى، فقد تحملت اسرائيل آنذاك اصابة نحو من اربعين صاروخا منها وكان الضرر محتملا.

          هل سينضم حزب الله وحماس، وهما قاعدتا ايران المتقدمتان، الى المعركة ويُمطران العدو الصهيوني بـ 40 – 50 ألف قذيفة صاروخية؟ ليس هذا مؤكدا. فهما يعلمان ان عندهما ما يخسران، أعني سلطتهما وحياتهما. ويجب ان يأخذا في حسابهما أصلا اذا كانا ينويان الرد على هجوم اسرائيلي على ايران هجوما امريكيا ايضا على ايران. في 1991 لم تشارك اسرائيل في التحالف الذي غزا العراق لكن صواريخ صدام أُطلقت علينا. وكما ذكر أمس رئيس الحكومة في خطبته في الكنيست: يمكن ان نتخيل فقط وقاحة المنظمات الارهابية حينما تبسط الدولة الأم من فوقها مظلة ذرية. ويمكن ان نفترض انه اذا حُلت المشكلة الايرانية فانها ستضعف. من المريح جدا لنا جميعا ان تُحل المشكلة الايرانية بعصا سحرية. لكنها لا تمضي الى أي مكان بل تصبح أخطر من يوم الى يوم. ولهذا يجب حلها ويمكن حلها ايضا. هناك من يُقدرون ان الهجوم على ايران “سيشعل الشرق الاوسط”. ويقول آخرون ان هجوما كهذا سيصيب الشرق الاوسط بدهشة وبعد موجة مؤقتة من ارتفاع اسعار النفط لن يسبب أي اجراء حاد بل سيحل المشكلة ببساطة كما قضى تدمير المفاعل الذري في بغداد على البرنامج الذري العراقي بمرة واحدة والى الأبد. اذا كان الايرانيون احتاجوا الى عشرين سنة تقريبا لبلوغ المكان الذي هم موجودون فيه اليوم فمن الذي يقول انهم سينعشون أنفسهم “في غضون سنة أو اثنتين”؟.

          لا يجوز لنا ان نستخف بقدرات جهاز الامن الاسرائيلي والجيش الاسرائيلي وسلاح الجو. ولا يجوز لنا الصلف: فقد دفعنا ثمن الصلف في حرب يوم الغفران وليس فيها فقط، لكن لا يجوز لنا الجُبن ايضا: فلعدم الفعل ثمن باهظ ايضا. والتأليف بين الوسائل والطرق والباعث هو تأليف غالب. وقد قام سلاح الجو الاسرائيلي من قبل بغير الممكن وأكثر من مرة واحدة. وأكدت مقالة في صحيفة “نيويورك تايمز” قبل اسبوعين تعقيد عملية عسكرية ضد ايران: البُعد والمضادات الجوية وكثرة الأهداف. وحذرت الصحيفة قائلة: “سيكون من الواجب ارسال 100 طائرة”. ونسي شخص ما فقط انه كانت في الحرب العالمية الثانية مهام شاركت فيها ألف طائرة (بحسب مصادر اجنبية لا يوجد عندنا هذا القدر الكبير…). ومنذ ذلك الحين أصبحت التقنية تساعد على المهمة: في الطائرات نفسها وفي التوجيه ووسائل التشويش والسلاح الدقيق الذي يُلقى بعضه من بعيد لا فوق الهدف والطائرات من غير طيارين. ويأتي الباعث قبل كل شيء. لن ينسى من هم في عمري الجو عشية حرب الايام الستة حينما كان الشعب كله يشعر بأنه في ساعة امتحان، وربط نفسه كله الى جهد ازالة الخطر عنا. ولن ننسى ايضا يوم الغفران بعد صافرة الانذار حينما أسرع الجميع من الكنس في نهر من البشر أغرق شوارع المدن، يسرعون الى بيوتهم لأخذ نعالهم وملابسهم العسكرية. والجو في 1976 مع اعلان نجاح عملية عنتيبة. وهذا الاسبوع ايضا في الغرف المحصنة في بلدات الجنوب حيث لم يكن خوف ولا صدمة نفسية. وجرى بعض المراسلين للعثور على شخص ما يقول لهم “اجل من المؤكد ان هذا مخيف، ولا يمكن العيش في هذا أكثر”.

       صعب وجريء وممكن

          يوجد بعد كبير بين “الجولة” التي وقعت هذا الاسبوع في مواجهة الجهاد في القطاع وبين هجوم محتمل على ايران. فلم تكن الجولة “تدريبا على نموذج مصغر”. لكنها برهنت على أنه يمكن الخروج في عملية مدبرة عادلة هدفها القضاء على الارهاب ومنع اصابة جماعية. وأنه يمكن الاستعداد للضربة المضادة المتوقعة. وأنه يمكن صد أكثر القذائف الصاروخية التي ستطلق علينا وأنه تمكن اصابة أهداف العدو بدقة كبيرة. فالجهاز عمل مثل جهاز كملت اجزاؤه بعضها بعضا. وعرّف شخص ما ذلك في وسائل الاعلام بأنه “أصعب مواجهة عسكرية منذ كانت عملية الرصاص المصبوب”. ولكن أعذروني فمن الصحيح حتى أمس انه لم يُقتل أي اسرائيلي عندنا. وحدث ضرر طفيف جدا بالبيوت والممتلكات. وفي الجانب الثاني تم القضاء على أكثر من عشرين مخربا ولم يُصب مدنيون تقريبا وحدث دمار طفيف.

          ايران قصة ذات أبعاد أعظم بكثير. واذا وقع ذلك فلن يفعله “خبير استراتيجي في مقعد وثير” بل سيفعله أفضل ناسنا وأبنائنا. الأفضل. وبعد سبعين سنة تقريبا من المحرقة نقول انهم رأس حربة الشعب الاسرائيلي. وسيكون صعبا مع الامريكيين أو من غيرهم، وسيكون جريئا لكنه ممكن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.