اسرائيل اليوم - مقال - 14/3/2012 الزعزعة في الشرق الاوسط: الأمل الذي تحطم - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

اسرائيل اليوم – مقال – 14/3/2012 الزعزعة في الشرق الاوسط: الأمل الذي تحطم

0 175

بقلم: د. دافيد غوبرين

مدير قسم الاردن في وزارة الخارجية

ليس من الممتنع ان تفضي التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدول العربية في مرحلة ما بعد الربيع العربي وفي مقدمتها مصر الى معاودة الجيش تدخله في ادارة شؤون الدولة.

          ان الأحداث التي اكتسحت الشرق الاوسط منذ مطلع السنة الماضية أحدثت انطباع ان الشرق الاوسط العربي بدأ مسيرة ستنتهي الى التحول الديمقراطي وان انشاء نظم حكم تمثيلية وديمقراطية مسألة وقت فقط. وان المشكلة ستُحل في ظاهر الامر، مع تبني دستور واجراء انتخابات عامة وحرة. ونشأ هذا الانطباع المخطوء عن أمل كثيرين من المراقبين أرادوا ان يشهدوا تغير وجه منطقة الشرق الاوسط كما حدث في مناطق مختلفة في العالم وبخاصة دول شرق اوروبا في تسعينيات القرن الماضي.

          تحطم هذا الأمل ازاء استصعاب الثقافة السياسية العربية المحلية ان تستوعب وتتبنى نظاما كاملا من القيم الديمقراطية وفي مقدمتها التعدد وحرية التعبير وحقوق الانسان وحقوق النساء والتسامح مع الأقليات. وقد تغلبت الروابط العائلية والقبلية والطائفية في حالات كثيرة على تطوير تصور مواطنة مشتركة في الدولة الحديثة. ومثال ذلك الصراعات الطائفية والدينية المريرة الدامية التي تجري بين السنيين والشيعة في العراق، والسنيين والشيعة في البحرين أو المسلمين والأقباط في مصر. وقد جعلت التوتر الموجود بين الطوائف المختلفة يطفو على السطح وكذلك عدم التسامح مع حقوق الأقلية. وتعلمون ان الحفاظ على حقوق الأقلية مقياس مركزي لتحقيق الديمقراطية.

          ينبغي ألا نتجاهل ان الزعزعة التي أصابت دول الشرق الاوسط أفضت الى كسر حاجز الخوف عند الرعايا والمواطنين من التقليد الطويل لحكام مستبدين يسيطرون بواسطة القوة والقمع. ولهذا طرأ تغير حاد على معادلة علاقة الحكام بالمحكومين وظهر الشارع العربي لاول مرة بمظهر عامل يملي برنامج العمل الوطني. هذا الى كون جو التغيير قد انتشر وراء المجال السياسي الضيق وزاد في مطالب التغييرات الاجتماعية والثقافية مثل تنظيم النساء اللاتي طالبن بتمكينهن من قيادة سياراتهن في السعودية. ومع ذلك فان هذه المطالب يعوزها تصور متسق ولهذا لا تستطيع ان تساعد على صوغ برنامج عمل جديد.

          ان الانتصار الكاسح للحركات الاسلامية في انتخابات مجالس النواب في تونس وفي مصر خاصة أثار عند كثيرين سؤال ما الذي اختل في مسار نقل السلطة من الحكام المستبدين الى القائمين بالثورة والتغيير من الشباب والحلقات الليبرالية. ولم يختل شيء في واقع الامر، فقد كانت قوة جذب الحركات الاسلامية وتنظيمها وما يزالان كبيرين أُخرجا من القوة الى الفعل. وان أحد الاسباب المركزية لقوة الجذب الكبيرة لهذه الحركات هو التأثير الكبير الذي حشدته عناصر الاسلام السياسي بفضل خدمات المساعدة والرفاه التي قدمتها منذ عشرات السنين الى السكان من العامة بسعر زهيد. وتعتمد قوتها ايضا على وعد – لم يُجرب بعد – باستعمال سحر الدين وسيلة لحل امراض المجتمع. وما يزال الزعم الذي يقول ان اندماج الجهات الاسلامية في الاجهزة السياسية سيفضي بالضرورة الى زيادة اعتدالها يحتاج الى برهان عليه، ولا سيما بازاء التجربة في ايران والسعودية وبازاء تولي حماس مقاليد السلطة في قطاع غزة. ويجب ان يكون السؤال الرئيس في هذه الحال هو سؤال حرية التعبير وسلطة القانون وحقوق الانسان ومعاملة النساء والأقليات.

          يبدو ان حجم فوز الاسلاميين في انتخابات مجالس النواب فاجأهم هم أنفسهم وبدت الجهات الاسلامية غير مستعدة وصعب عليها ان تعرض نظرية منظمة لشكل علاج مشكلات المجتمع والدولة. والخوف من تحمل المسؤولية والخوف خاصة من الفشل أفضى بها في هذه المرحلة الى التمسك بنهج التشارك في السلطة مع الجيش وتأجيل امكانية ادارة الدولة وحدها. وتتميز دعاواها في هذا السياق بقدر كبير من الدفاع عن النفس الذي يرمي الى ان يُبين من جملة ما يرمي الى تبيانه لماذا هي غير مستعدة لتسمية أجل لانتخابات الرئاسة في مصر.

          ان فوز الاسلاميين يزيد في حدة الجدل في صبغة الدولة العربية الحديثة ولا سيما القضية الحساسة التي هي علاقة الدين بالدولة. ان الاصلاحيين، بخلاف الاسلاميين الذين يسعون الى ان تعتمد الدولة على الشريعة الاسلامية، ينصبون نموذج الدولة المدنية التي تستمد الهامها من الشعب وقوة ممثليه في مجلس النواب. وفي مركز هذا التصور “المواطنة” أي الجنسية التي تعطى لكل المواطنين بلا تفريق ودونما صلة بقوميتهم أو ديانتهم أو انتمائهم الجنسي. ان الصراعات المتوقعة في الدول العربية على صياغة الدستور ومطالب ادخال تغييرات فيه لن تكشف فقط عن الفروق العميقة الموجودة بين هذين التصورين بل ستجعل أمام الاصلاحيين تحديا غير سهل هو محاولة تغيير أنماط الثقافة السياسية القائمة وجعل حقوق الفرد والمواطن في مقدمة المسرح.

          ان الجيش الذي كان عماد الدولة العربية الحديثة منذ نهاية اربعينيات القرن الماضي سيضطر هو ايضا الى ملاءمة نفسه للوضع الجديد الذي نشأ. ومعنى هذا المباشر هو انه سيضطر الى ان يُشرك في السلطة العناصر الاسلامية المختلفة. والحديث في هذه المرحلة كما يبدو عن اتساق يُدبر الجيش والاسلاميون فيه الدولة بعد ان تم احراز الهدف الرئيس وهو إزاحة المستبدين عن السلطة. ومع ذلك ينبغي ألا نُخرج من جملة الامكان ان اختلافات الرأي المتعلقة بالتوجه السياسي والهوية القومية ستشوش على العلاقات بينهما سريعا بل ستترجم الى صراعات مريرة كما حدث في السودان تحت سلطة الترابي، زعيم حزب الجبهة الاسلامية القومية. وتذكرون ان الترابي الذي ساعد على تولي عمر البشير السلطة في سنة 1989 أصبح عدوه اللدود وزُج به في السجن (2004 – 2005) بسبب معارضته لحكمه. وليس من الممتنع ان تفضي التحديات الاقتصادية والاجتماعية الضخمة التي تواجهها الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، في نهاية الامر الى تدخل يتزايد من الجيش في ادارة شؤون الدولة الى درجة تولي زمام السلطة مرة اخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.