اسرائيل اليوم / في اليسار يخفون مسؤولية الفلسطينيين

اسرائيل اليوم – بقلم عكيفا بيغمان – 1/7/2018
قبل نحو نصف سنة كشفت من على صفحات “اسرائيل اليوم” ظاهرة مذهلة: سلسلة طويلة من منظمات اليسار رفضت بثبات منح مساعدة اقتصادية للفلسطينيين ممن تضرروا من أجهزة امن السلطة الفلسطينية – ضمن امور اخرى لان هذه المنظمات لا تعمل الا لمساعدة من يدعي التعويض من دولة اسرائيل.
في آب الماضي قضى القاضي موشيه دروري من المحكمة المركزية في القدس بان السلطة الفلسطينية مسؤولة عن قتل، خطف، حبس، تعذيب واغتصاب 52 شخصا – عرب مواطني اسرائيل وفلسطينيين سكان يهودا والسامرة، متناولا جرائم من الاعوام 1995 – 2002. وحسب قرار المحكمة، تضمنت اعمال التعذيب صعقات كهربائية، شبخ طويل فيما ان الرأس في الاسفل، صب بلاستيك يغلي على الجسد، اقتلاع الاظافر والاسنان، الخصي، منع النوم، منع الغذاء، القتل والاغتصاب لابناء العائلة، بل واخراج وليدة خديجة ابنة يومها من حجرة الخدج وغيرها من الافعال الرهيبة.
في قرار المحكمة، الذي يقع في اكثر من 1.800 صفحة، قضى القاضي بان على السلطة ان تتحمل مسؤولية الاضرار تجاه اولئك الفلسطينيين. وكان قرار المحكمة انتصارا هائلا للمدعين: غير أنه تبين لهم عندها بانه من أجل جمع استحقاقات التعويضات، عليهم ان يتقدموا بفتوى من أطباء خبراء في جملة من المجالات – وهو اجراء باهظ الثمن جدا. ولمساعدة المدعين، توجه محامياهم – براك كديم وآريه ارموس – الى 15 منظمة حقوق انسان، تقف في جبهة الصراع في مواضيع الاحتلال، عرب اسرائيل، هدم المنازل وما شابه، وطلبا منها المساعدة. منها جميعها فقط “اطباء لحقوق الانسان” و”اللجنة لمنع التعذيب” ساعدتا المتوجهين. اما المنظمات الباقية فقد ردت بالنفي او تجاهلت.
يتبين الان أن حتى هاتين المنظمتين الصديقيتين في سدوم واللتين رأتا من الصواب مساعدة الضحايا بقليل من المال، ستفعلان كل شيء كي تمتنعا عن القاء المسؤولية عن الافعال الاجرامية على السلطة الفلسطينية. وفي رسالة بعثت بها هاتان المنظمتان الى الوزارات الحكومية الاسبوع الماضي، توجهتا باسم “الميثاق الدولي ضد التعذيب وضد المعاملة والعقوبات الوحشية، غير الانسانية أو المهينة”، وطالبتا دولة اسرائيل بان تخصص من مقدراتها في صالح اعادة تأهيل كامل لضحايا التعذيب، بما في ذلك العلاج الطبي والنفسي والعلاج الاجتماعي.
غير أنه في كتاب المنظمتين “نسيتا” عدة بنود أخرى في الميثاق ضد التعذيب – بنود تلقي على دولة اسرائيل الواجب القانوني على محاسبة من هو مسؤول عن التعذيب والتنكيل اللذين عانى منهما الضحايا. انتبهوا: “دولة عضو تعمل على ان يعاقب على هذه المخالفات بالعقوبات المناسبة في ظل الموقف من طبيعتها الخطيرة” (المادة 4.2)؛ “كل دولة عضو تضمن ان تجري سلطاتها المخولة تحقيقا عاجلا وحياديا، طالما كان هناك اساسا معقول للايمان بانه ارتكب فعل تعذيب في المنطقة التي ضمن صلاحياتها القانونية” (المادة 12)، “دولة عضو تضمن في منظومة قوانينها، ان يحظى ضحية التعذيب بالامتياز وينال انفاذا لتعويض عادل وكاف” (المادة 14).
بكلمات اخرى، اذا ما تعاطينا مع الميثاق بجدية – مثلما تدعي عمله “اللجنة ضد التعذيب” و “اطباء لحقوق الانسان” – فلا ينبغي الاكتفاء بالطلب من وزارة المالية تخصيص بضعة ملايين لاعادة تأهيل الضحايا، بل المطالبة بحزم من كل سلطات الدولة استنفاد صلاحياتها في اسرائيل وكذا في محافل دولية للحرص على أن يقدم موظفو السلطة الفلسطينية – ممن شاركوا في هذه التعذيب – الى المحاكمة. وكذلك المطالبة بفتح تحقيق حول التعذيب الذي ارتكب في منشآت حبس السلطة الفلسطينية وفرض دفع التعويضات على السلطة نفسها. اما القائمة الكاملة لمتطلبات الميثاق بالنسبة للسلطة الفلسطينية فقد فصلها محاميا ضحايا التعذيب الفلسطينيين في كتاب الرد الذي بعثا به الى الوزارات الحكومية.
تقتبس منظمات اليسار الميثاق ضد التعذيب بشكل انتقائي، وترفع الى ذروة جديدة تبييض جرائم السلطة الفلسطينية باسم التطلع الى السلام والمساواة. هكذا، حتى عندما تعذب السلطة الفلسطينية رعاياها، تلقي هذه المنظمات بالمسؤولية الحصرية على اسرائيل، بينما ابو مازن واجهزته يخرجون انقياء. اما أنتم فاجعلوا أنفسكم كأنكم قد فوجئتم.



