اسرائيل اليوم : طرفان للجدار

بقلم: غرشون هكوهن، اسرائيل اليوم 6/7/2018
“لا خير أفضل مما يوجد” – هكذا يقول مثل عربي. وفي ضوئه ينبغي أن ننظر الى الصدامات العنيفة التي وقعت منذ الربيع على طول حدود قطاع غزة، ونجد فيها بعدا من البركة أيضا. في واقع الاحتكاك المتواصل، منحت دولة اسرائيل فرصة اخرى لاعادة النظر في الفرضيات الاساس التي قام عليها أمل حل الدولتين.
منذ ولاية ايهود باراك كرئيس للوزراء، مع تحقق الانسحاب من لبنان، اتخذت الفرضية بان الانفصال الاقليمي بين اليهود والفلسطينيين هو مصلحة اسرائيلية. وترسخ في القيادة الاسرائيلية مفهوم بان مثل هذه الخطوة ضرورية، حتى لو لم تترافق وتسوية سلمية. وعدوا بان الدينامية التي ستتطور مع تحقق الانفصال الاقليمي، بما في ذلك اخراج اليهود من المنطقة وبناء جدار ونظام حدودي متشدد، سينتج واقع امني اكثر راحة.
بعد 13 سنة من فك الارتباط عن غزة يمكن أن يراجع بالمقارنة، مثلما في التجربة المختبرية تقريبا، اين تطور واقع امني اكثر راحة: في قطاع غزة، حيث تحقق انفصال مطلق، ام في مجالات يهودا والسامرة، حيث تحقق – بفكر رئيس الوزراء اسحق رابين – فصل جزئي فقط؟ من المجدي ان ننظر الى الفارق الذي نشأ بين المنطقتين، ولنراجع اين تتاح للجيش الاسرائيلي وللمخابرات الاسرائيلية حرية عمل أكبر. منذ حملة السور الواقي تجري كل ليلة، وكأنه أمر اعتيادي، نشاطات لاحباط ارهاب ذات طابع هجومي في عمق المدن ومخيمات اللاجئين في يهودا والسامرة. وهي تتم بصلاحيات قيادة المنطقة الوسطى والمخابرات تبعا للسياسة الموجهة، دون ان نكون مطالبين بسياقات مصادقة خاصة من القيادة السياسية. حرية العمل هذه، الى جانب عوامل اخرى، تتيح الاستقرار الامني النسبي الذي تحقق في مجالات يهودا والسامرة.
لنتخيل مثلا ان طائرات ورقية وبالونات حارقة كانت ترسل من حي صور باهر في القدس نحو حي هار حوما؛ الجيش أو الشرطة الاسرائيلية كان سيدخل مع سيارتي جيب فيحبط الحدث. اما في غزة فلا يمكن لهذا ان يحصل. في الانفصال الاقليمي التام وفي نظام الحدود، واللذين تصمما مع فك الارتباط في صيف 2005، فقد الجيش الاسرائيلي حرية العمل خلف الجدار. هذا لا يعني ان الجيش ضعف، بل انه في الظروف الناشئة، في انتظام حماس كمنظومة عسكرية كثيرة السلاح، فقد وضعت لكل عملية هجومية من الجيش الاسرائيلي شارة ثمن استراتيجية. بمعنى أنه رغم نجاعة القبة الحديدية، فان سلاح الصواريخ الموجود لدى حماس يشكل تهديدا على نظام الحياة الاعتيادي في اسرائيل، ويوجد في خلفية كل قرار لاستخدام الجيش الاسرائيلي. فالقوة العسكرية تقاس ليس فقط في قدرتها المادية للعمل بل وأيضا بمدى قدرة اصحاب القرار على اتخاذ القرار باستخدامها. ليس سرا أن معادلة المخاطر والاثمان، التي تترافق والقرار للعمل في ساحة غزة، باتت معقدة.
من المجدي ان نعرف: جدار الحدود يمنح فضائل للعدو ايضا. فهو يساعد حقا قواتنا في مسعى منع التسلل، ولكن بشكل متماثل يساعد الخصم ايضا على التعاظم وتنظيم الذات بامان خلف الجدار. فتحت رعاية الفصل الاقليمي نجحت حماس في بناء قوة عسكرية نظامية، منظمة على اساس كتائب وألوية، غنية بمنظومات نار الصواريخ المخبأة والمدعومة بمنظومة قيادة وتحكم ناجعة. كل هذا ما كان يمكن ان يبنى ويوجد دون التحقق الكامل لفكرة “هم هناك ونحن هنا”. وفي هذا يكمن الفرق بين انتظام حماس في غزة المنفصلة من خلف الجدران، وبين مصاعب الانتظام في يهودا والسامرة.
السياق الذي تطور في قطاع غزة منذ فك الارتباط يضعضع، بالتالي، الفرضيات الثلاثة التي عرضت في الخطاب الامني الاسرائيلي بمثابة امورا مسلما بها:
• مجرد الانفصال وتقليص الاحتكاك في داخل المنطقة سيخلقان ميل الاستقرار.
• اذا نشأت مواجهة عنيفة، فان تفوق الجيش الاسرائيلي في مجال القتال سيرتب الوضع دون تحد عملياتي حقيقي.
• بعد الانسحاب، ستنال كل عملية عسكرية المصادقة غير المتحفظة والشرعية الدولية.
لقد تحطمت في قطاع غزة هذه الفرضيات الاساس على ارضية الواقع. وهذه مجرد بعض الاعتبارات التي ينبغي مراجعتها بعيون مفتوحة، والسير نحو رفض خطوات مشابهة في يهود والسامرة وفي القدس.
هآرتس – مقال – 6/7/2018
الحكم لن يضر جبل البيت (الحرم)
بقلم: نير حسون
هذا الاسبوع احيت حركات الهيكل وجبل البيت بداية فترة الثلاثة اسابيع التي تسبق التاسع من آب. كما هي العادة في السنوات الاخيرة ايضا في هذه السنة تم تحطيم رقم قياسي في عدد الذين وصلوا الى الحرم للتطهر، بعد التعميم. حسب المعطيات التي تجمعها منظمة “يرائيه” منذ بداية السنة العبرية حج الى جبل البيت 22.383 يهودي، كما يبدو الرقم هو اعلى رقم منذ العام 1967. الهدوء النسبي في الحرم وفي البلدة القديمة في السنتين الاخيرتين والعلاقات الجيدة مع الشرطة تساهم في ازدهار هذه الحركة. ولكن هذا الازدهار ايضا يبث الروح في النقاش الديني الحاد حول مسألة “هل مسموح الحج الى الحرم؟”. رغم أنه يبدو احيانا ان المعارضين للحج الى الحرم يشنون حرب شديدة وهم بعيدون عن الاستسلام.
حتى قبل 30 سنة تقريبا لم يكن هناك تقريبا أي حاخامات أو شخصيات عامة دينية تؤيد الحج الى الحرم. الاجماع الديني، من حاخامات المزراحي وحتى الحريديين المتعصبين جدا كان قاطعا واساسه هو أن الجيل كله يعتبر “دنس”. وطالما لا يوجد هناك بقرة حمراء يمكن حرقها والتطهر بواسطة رمادها فلن يكون بالامكان الحج الى الحرم بسبب قدسيته والحظر بناء على ذلك هو حظر قاطع، الحظر الديني الاكثر تشددا. الحاخام كوك أبو الصهيونية الدينية قضى بأنه يجب الحذر من ادخال الاصابع بين احجار حائط المبكى حتى لا تكون اطرافها داخل منطقة الحرم.
ولكن التغييرات الدينية والايديولوجية التي بدأت في العقود الاخيرة في الصهيونية الدينية رجحت الكفة الى درجة احداث ثورة. عشرات من كبار الحاخامات من كل اطياف القوس الصهيوني الديني يسمحون اليوم بالحج الى جبل الهيكل (الحرم). القاعدة الشرعية للسماح بالحج الى جبل الهيكل متنوعة، بدء من الاستناد الى حاخامات من الماضي الذين سمحوا وحتى حجوا بأنفسهم الى جبل الهيكل، ومرورا بابحاث تاريخية حول الموقع الدقيق للهيكل وقدس الاقداس، التي تحدد مواقع في الجبل التي يمكن التجول فيها دون خشية وحتى تجديد الشرائع.
استطلاع اجري قبل اربع سنوات لصالح “المصدر الاول” اظهر أن 75 في المئة من اعضاء الصهيونية الدينية يعتقدون أنه مسموح الحج الى الحرم.
مجموعات منعزلة، جبهة المعارضين للحج مكونة من مجموعات آخذة في التناقص من الحاخامات في الصهيونية الدينية المرتبطين بـ “يشوفوت هكاف” – ورثة الحاخام كوك والبارزين منهم هم الحاخام شلومو افنير والحاخام تسفي تاو. افنير وهو حاخام عطيرت كوهنيم هو المتحدث البارز جدا ضد الحج الى الحرم في الصهيونية الدينية. قبل ثلاثة اشهر تقريبا سئل بهذا الشأن وقضى بأنه يجب عدم تعلم التوراة مع شخص حج الى الحرم. “تعلم التوراة هو اساس الرؤية الصحيحة ومن الواضح أن شيء ما اختلط لديهم”، كتب واثار عاصفة.
ولكن الصحفي ارنون سيغل من النشيطين البارزين في حركات الهيكل قال إن مقولة افنير عزلت اكثر المجموعة التي ما زالت تعارض الحج الى الحرم في الصهيونية الدينية. “الحاخام افنير كان هو التيار الرئيسي قبل عشر سنوات، لكنه أحرق نفسه عندما ذهب مع المقاربات الحريدية”، أوضح. “اليوم في الصهيونية الدينية ليس هناك معارضة بارزة للحج الى الحرم”.
اذا كنا نتحدث عن المقاربات الحريدية فان الاغلبية الساحقة من هذا الجمهور الذي لا ينشغل تماما بهذه المسألة – ما زال يعارض بشدة الحج الى الحرم. اغلبية ساحقة لكنها ليست مطلقة، في السنوات الاخيرة يبدو أن هناك حتى تحرك، وهنا وهناك ينضم ايضا حريديون للحج الى الجبل.
حسب تقدير شمعون البويم – من الأتباع الفريدين لبعلز، الذي هو ووالده ليست فقط يحجان الى الحرم بصورة دائمة، بل ايضا هما نشيطين اساسيين في حركات الهيكل – في السنة الاخيرة حج نحو 400 حريدي، لكن التحرك الحقيقي كان حسب اقواله عندما رفض الحاخام شموئيل اويرباخ، زعيم التيار الليطائي – المقدسي المتعصب، ادانة طلاب من مدرسته الدينية قاموا بالحج الى الحرم. لقد قال لي إن “الطلاب الذين جاءوا للاحتجاج بأنه يوجد في المدرسة الدينية شباب يتحدثون اثناء قراءة التوراة وهذا أشد خطورة من الحج”، قال. بعد ذلك، صحيح أن اويرباخ وقع على رسالة تدين من حجوا الى الجبل، لكن ذلك كان حسب ادعاء البويم بعد ضغط من جانب حاخامات آخرين. “من أمر كان طابو تحول الى امر مختلف فيه”.
هذه صبيانية
الحاخام افيعاد نايغر، من الاتباع المقدسيين المتعصبين (42 سنة)، يكرس كل وقته للجهود من اجل “اغلاق الثغرة التي تزداد اتساعا. نظريا هم يتحدثون عن هجرة للتطهر، لكن فعليا أنت ترى حريديين يدخلون مع اشخاص علمانيين يرتدون البنطال، لا يبدو لي أن هذا ما كان يقصده الرمبام”. قال تعليقا على الافلام القصيرة وصور المجموعات التي تحج الى الحرم. “هم لا يطبقون الوصايا الثلاثة الاخطر – حج بطهارة، الخشية من الله وحظر تحدي أمم العالم”، قال نايغر. “فعليا هم لا يحجون طاهرين. من الواضح أنه ليس لديهم خشية الله عندما يحجون رجال ونساء معا ويلتقطون الصور. وفعليا نحن نرى أنهم يناكفون العرب، هذه صبيانية”.
سيغل لا يقبل هذا الانتقاد. “أنا حريص على الشرائع واقول لكل من يحج أن يحرص عليها”، يجيب. “حتى حركة طلاب من اجل جبل الهيكل، التي هي حركة علمانية، تكتب أنه يجب الحج بعد التعميد وبدون حذاء من الجلد. ولكن واضح لي أنك لن تصل الى أي مكان اذا بدأنا في التدقيق والقيام بدور محاكم التفتيش التي تفحص من يحج”.
ليس مؤكدا أن هذه الاجابة تقنع نايغر الذي حتى اليوم كتب اكثر من 12 مجلد من التفسيرات والمصادر في موضوع الحج الى الحرم، ويدير موقع انترنت مخصص لهذا الموضوع، وحتى صفحة في الفيس بوك ينشر فيها مواقفه. حسب قوله فان من يسمحون بالحج الى الحرم يستندون الى تشويهات وتحرير خبيث لنصوص في الشريعة. هكذا مثلا احد الادعاءات القوية لمن يحجوا الى الحرم هو أن الرمبام (الرابي موشيه بن ميمون) بعظمته وجلاله حج الى جبل الهيكل وحتى أنه كتب عن ذلك: “دخلت الى البيت الكبير المقدس وصليت فيه”. “من المرفوض الادعاء أن الرمبام حج الى جبل الهيكل”، شرح. “قبل كل شيء هو زار البلاد في فترة الصليبيين ولم يكن الدخول الى القدس مسموح. وبالاحرى الى الحرم في هذه الفترة. امر آخر، ليس واضح تمام أن هذا البيت الكبير والمقدس هو الهيكل، هذا فهم بسيط للمقروء”.
حسب اقوال الحاخام نايغر “هم يحرفون التوراة لتبرير رؤيتهم. هكذا مثلا احد الحاخامات الذي يستند اليه من يحجون الى الحرم، الرادباز (الرابي دافيد بن شلومو بن زمرا). الذي حسب ادعائهم سمح بالحج الى الحرم. الرادباز قال إنه يمكن الحج الى جبل الهيكل، لكن عندما ترى ما هو مكتوب في الداخل ستفهم أن القصد هو الصعود الى الشرفات التي يمكن منها الاشراف على جبل الهيكل”، شرح واضاف “هم يحضرون قطعة من رسالة ارسلها الراشباش (الرابي شلومو بن شمعون دوران)، لكنهم يؤكدون على جزء معين بدون أن يحضروا باقي الرسالة، في تكملة الرسالة كتب “كنا خارج باب العامود”. هم لم يدخلوا الى القدس أبدا، لكن هذا الجزء قاموا بالغاءه”.
مهما كان الامر “أصداء الجمهور لمن يحج كبيرة جدا” قالت شرينا حن، مؤلفة كتاب “علاقة الجمهور الديني الوطني بجبل الهيكل”. حسب اقوالها “اصداء عمل من يريد اجراء اصلاح هو أكبر ممن يريد الحفاظ على التقاليد. ما زال هناك حاخامات كثيرون من مدارس يشوفوت هكاف يعارضون، لكن صوتهم يسمع بصورة اقل”.
تومار برسيكو، باحث في الاديان في معهد هارتمان، يعتقد أنه “على الصعيد التقليدي الامور واضحة. في المئتي سنة الاخيرة كل المفتين حتى آخرهم قضوا بأنه يمنع الحج. قبل ذلك أصلا لم يكن هذا حقيقي لأن الاتراك والمماليك لم يفكروا بالسماح لأحد من الاقتراب. الآن يحاولون تغيير هذا التراث وهذا امر بسيط جدا”.
التغيير هو بالنسبة لمسألة ماذا تعني القداسة؟ المعارضون يتحدثون عن أن ما هو مقدس هو منفصل ومحدود مثل السبت وشموع عيد الانوار. المؤيدون يتحدثون عن القداسة كشيء يجب السيطرة عليه. الآن يجب ان نسأل لماذا حدث هذا التغيير، وهو مرتبط بأن جبل الهيكل تحول ليكون شعار وطني في الصراع الاسرائيلي الفلسطيني”.
من ناحية سيغل السؤال هو شيء آخر. “هل الخالق سعيد بما نفعله؟”، يسأل ويجيب “أنا لست مؤهل للاجابة. لكن يبدو لي أن الاجابة هي نعم”.



