اسرائيل اليوم– بقلم عمانويل نافون – العقدة لا تبرر تغيير الطريقة

اسرائيل اليوم– بقلم عمانويل نافون – د. زميل كبير في منتدى “كهيلت” – 2/10/2019
ان العقدة السياسية التي علقت فيها اسرائيل في اعقاب الحملتين الانتخابيتين في 2019، تطرح مرة اخرى مسألة الحاجة الى تغيير طريقة الحكم في اسرائيل، او على الاقل تغيير طريقة الانتخابات. غير أن استعراض التغييرات المقترحة، يبين أن نواقصها تفوق فضائلها.
يسعى الكثيرون الى تبني النظام الرئاسي، انطلاقا من الافتراض بانه اكثر نجاعة واستقرار من النظام البرلماني. هذه الفرضية مغلوطة. فالرئيس الذي يفقد اغلبيته البرلمانية، مثلما يحصل في احيان قريبة في الولايات المتحدة وفي احيان ابعد في فرنسا، يصبح مشلولا ولا يمكنه ان ينفذ سياسته. في الانظمة الرئاسية التي ينتخب فيها المشرعون حسب طريقة الانتخابات النسبية، مثلما في معظم دول امريكا الجنوبية، فان الرئيس ملزم بان يحصل على تأييد احزاب عديدة كي يعمل على تشريع ما وعلى تنفيذ سياسته.
في المرات الثلاثة التي انتخب فيها رئيس الوزراء في اسرائيل في انتخابات مباشرة، وان كان حسم واضح حقا، الا انه لم يطرأ أي تحسن في قدرة الحكم، بل العكس: فالبطاقة المزدوجة – واحدة للحزب واخرى لرئيس الوزراء – الغت الحافز للتصويت لواحد من الحزبين الكبيرين، وهكذا زادت انشقاق الكنيست وتعلق رئيس الوزراء بشركائه الائتلافيين. وعندما فقد ايهود باراك ائتلافه في نهاية العام 2000 بقي بلا قدرة على الحكم؛ وانتخابه المباشر اصبح غير ذا صلة.
اقتراح آخر هو تبني طريقة انتخابات اقليمية – غالبية، الطريقة التي تميل الى خلق حزبين كبيرين والشطب شبه التام للاحزاب الفئوية، وعليه، تسمح لرئيس الوزراء بان يعتمد فقط على حزبه وان يكون محررا من الضغوط الائتلافية. فضلا عن ان هذا الوصف ليس دقيقا (في بريطانيا يضطر رئيس الوزراء احيانا الى الائتلاف، مثل دافيد كامرون في 2010 وتريزا ماي في 2017)، إذ ان قيود الطريقة الاقليمية – الغالبية تفوق مزاياها، فما بالك في مجتمع ممزق مثلما في اسرائيل.
وبالذات لان الطريقة الاقليمية – الغالبية تقصي جماهير كاملة عن التمثيل – لان مرشحي الاقاليم فقط ممن يحصلون على عدد الاصوات الاكبر ينتخبون للبرلمان، فانها تشدد التوترات الاجتماعية وتشجيع على تحطيم القواعد. “السترات الصفراء” في فرنسا، مثلا، خرجوا الى الشوارع وشلوا الدولة وذلك ضمن امور اخرى لانهم ليس لديهم تمثل مناسب، اذا كان تمثيل على الاطلاق، في برلمان يتحكم به حزب الرئيس ماكرون. كما أن اقصاء جماهير كاملة، بعضها متطرف، عن التمثيل البرلماني، يحفزها على “الاستيطان” في واحد من الحزبين الكبيرين والتسبب بالتطرف في مواقفهما.
هذه الظاهرة تتعزز في السنوات الاخيرة في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا. ففي بريطانيا يسيطر اليوم على الحزب المحافظ مؤيدون البريكزيت الذين كانوا يعتبرون ذات مرة حفنة متطرفة، وصرف عن الحزب محافظون كلاسيكيون، بمن فيهم حفيد ونستون تشرتشل. اما حزب العمال، الذي تمركز وكف في الواقع عن أن يكون اشتراكيا في عهد طوني بلير، فقد احتله ماركسيون متطرفون. اما في الولايات المتحدة، فان معظم المرشحين الديمقراطيين للرئاسة يتبنون افكارا كانت ذات مرة خارج الاجماع؛ في الحزب الجمهوري يوجد اليوم تأثير غير مسبوق للافنجيليين ولمعارضي التجارة الحرة.
في اسرائيل نجد أن طريقة الانتخابات النسبية ضرورية لخلق تمثيل مناسب لكل الجماهير وللحفاظ على سلامة البيت. هذه الطريقة وان كانت تميل الى منح قوة ابتزاز للاحزاب الصغيرة، ولكنها من جهة اخرى تخلق توازنات وكوابح، تكون احيانا ضرورية، حيال رئيس الوزراء. هذه بصراحة ليست طريقة كاملة الاوصاف، ولكن المحاولة لتحسينها في ظل رفع نسبة الحسم تبينت كخطأ، لان تقليص عدد الاحزاب من خلال نسبة الحسم العالية زادت بالذات قوة ابتزاز الاحزاب المتوسطة التي بقيت على الساحة. وذلك لانه كلما كان عدد الاحزاب اكبر، بفضل نسبة حسم متدنية بل وصفرية، تكون خيارات ائتلافية اكثر تحت تصرف رئيس الوزراء، الامر الذي يجعله قابلا للابتزاز بقدر أقل.
ان طريقة الانتخابات في اسرائيل ليست معفية من مواضع الخلل وهي تخلق احيانا عقدا سياسية. ولكن الطريق للتغلب على الازمة الحالية لا يكون من خلال اصلاحات اخرى، من شأنها ان تنضم الى النوايا الطيبة التي تشق الطريق الى الجحيم.



