اسرائيل اليوم – ألم ومواساة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

اسرائيل اليوم – ألم ومواساة

0 79

اسرائيل اليوم– بقلم   دان شيفتن– 13/4/2021

اذا انزلقت اسرائيل الى الاتجاه التصالحي، سيبيدها جيرانها العنيفون؛ اذا حصنت مناعتها على حساب حرية مواطنيها ومزاياها البناءة، ستفقد طعم وجودها“.

لشدة الالم يحيي شعب اسرائيل غدا لحظة حزينة. لا يوجد في التاريخ مجتمع منفتح وحر اضطر جيلا بعد جيل على مدى اكثر من مئة سنة لان يبعث بابنائه للدفاع عن وجوده في حرب نهايتها لا تبدو للعيان. في الجيش الاسرائيلي يخدم اليوم أحفاد اعضاء “هشومير” وقادته – احفاد “شوعليه شمشون” من حرب الاستقلال. بغياب معجزة غير مرتبة تجعل الغزيين نرويجيين، سيضطر احفاد مقاتلي الجرف الصامد واحفاد احفاد رجال الاحتياط في السور الواقي لان يتصدوا لارهابيين فلسطينيين، من انسال قتلة بيرنر في 1921.

في منظور تاريخي يعد هذا مفارقة: مع أن اليهود تعززت قوتهم بشكل دراماتيكي ويواصلون جمع القوة الوطنية المبهرة بزخم كبير، فان شدة التهديدات على دولتهم تواصل التعاظم حتى عندما يتغير مركز الخطر. من جهة اسرائيل قوة عظمى اقليمية ناجحة. من جهة اخرى، العدو الايراني الملتزم بابادتها مبهر وقوي اكثر من كل اعدائها العرب في العصر السابق ويجند من اوساطهم مبعثوين خطرين.

ان المجتمع الاسرائيلي ملزم، في ضوء هذه التحديات، بان يواصل التداخل المميز الذي طوره بين الحصانة متعددة الاجيال التي تميز المجتمعات التي تعلمت كيف تعيش مع تهديدات متواصلة، وبين الحرية، الابداع والمركز البناء، التي تعطي طعما لهذه الحياة. مجتمعات قبلية تعلمت كيف تعيش في ظل مواجهات عنيفة طورت قدرة صمود وامتصاص مبهرة، بثمن قمع الحرية وفقدان الفردية وكرامة الانسان. وانجازها الوحيد – البقاء – مضمون على حساب العناصر البناءة والابداعية: الحياة تجري ولكن جودتها متردية وطعمها مرير. ليس صدفة ان تفشل مجتمعات كهذه في التصدي لتحديات القرن العشرين والواحد والعشرين.

الى عتبة المجتمعات الحديثة المنفتحة والمزدهرة يقبع خطر فقدان الحصانة القومية. فهي تضمن جودة حياة طيبة اكثر من أي وقت مضى: حريات فردية، رفاه اقتصادي، امان شخصي، تسامح تجاه الاخر وتطوير القدرة الكامنة الانسانية. غير أن هذه توجد في احيان قريبة في ظل التنازل عن حق الدفاع عن النفس والاستسلام للابتزاز. فالتشويه القبلي العنيف والعاقر قرر مصير معظم المجتمعات العربية؛ التشويه التصالحي وعديم الوسيلة يسود جدا في اوروبا. لقد تبين ان من يدمن على العنف يداس به، فيما أن من يمتنع عن قمعه بيد عليا وبتصميم غير قادر على ان يواجه تحدياته ويردع اعدائه. في هذه الايام بالذات يتجسد بالملموس الخطر الاول في سوريا والثاني في شرق اوكرانيا.

اسرائيل ستخرب اذا ما انزلقت الى واحد من هذه الافخاخ. اذا ما انزلقت الى الاتجاه التصالحي سيبيدها جيرانها العنيفون؛ اذا ما حصنت مناعتها على حساب حرية مواطنيها ومزاياها البناءة، تفقد طعم وجودها وافضل ابنائها وبناتها الذين يريدون أن يعيشوا فيها ويدافعوا عنها. بدونهم تتبدد. واذا استسلمت للاوهام، “غني اغنية للسلام بصرخة كبرى” و “اضمن حمامة مع غصن زيتون”، سيلطمها الواقع على وجهها. عليها أن تقيم مناعة قابلة للتصلب كي تبقى وتتواصل بانفتاحها وازدهارها. لقد اضطرت لان تقاتل في الاجيال الاخيرة لانها محوطة بجيران يتعامون بعنف منفلت ومتواصل حتى تجاه ابناء دينهم وامتهم. كما أنها تضطر في المستقبل لان تقاتل في سبيل حياتها كون ثقافة العنف لجيرانها تتعاظم فقط. وحتى اتفاقاتها للسلام لا تكون الا لان جيرانها مردوعون من قوتها ومن تصميمها.

يتبين ان الامم تفقد اعزائها بقدر كبير بسبب معطيات محيطها المادية والثقافية، وحجم الخسائر بالنسبة لحجم السكان يكون اكبر احيانا  من معدل الخسائر في معارك اسرائيل: في الهزات الارضية في كاليفورنيا، في دمار الاعصار في اوكلهوما، في العواصف والفيضانات في الشاطيء الشرقي، في التسونامي في اليابان. هكذا ايضا في المحيط الثقافي: في الحرب الاهلية في سوريا، في اليمن وفي ليبيا وفي بؤر  الجريمة العنيفة في مقاديشو، في كراتشي وفي ريو دجنيرو”.

ان المحيط العنيف لاسرائيل لا يبشر بتحسن اساسي. في المستقبل ايضا سنقاتل في سبيل حياتنا وسنفقد افضل ابنائنا. الالم لن يقل، ولكن مع العلم بان كفاحهم وتضحياتهم قلصت جدا حجوم وشدة التهديد، في حقيقة أن الشهداء اختاروا بشكل عام انطلاقا من المعرفة للمخاطرة بحياتهم دفاعا عن العموم والحياة الطيبة الموجودة في اسرائيل بفضلهم – يوجد قدر من المواساة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.