شوؤن عربية

اختلال التوازن الواهن في الشرق الأوسط

ترجمة: مركز الناطور للدراسات والابحاث 07/03/2012

إعداد: تسفي مزال

السفير الإسرائيلي الأسبق في القاهرة

معهد القدس للشؤون العامة والدولة في 01/3/2012

العناصر:

  1. الشرق الأوسط يدخل فترة من عدم الاستقرار
  2. مصر بعد الثورة توطد علاقتها مع إيران وحماس.
  3. إيران قلقة من اليوم ما بعد سوريا وهي تقيم شبكة تحالفات جديدة.
  4. العربية السعودية بقيت وحدها في مواجهة إيران.
  5. قطر تستغل الفضاء السياسي الذي نشأ في المنطقة وتتحول إلى محور رئيسي للدول العربية.
  6. قطر مزية لصالح الولايات المتحدة والغرب أو طابور خامس؟
  7. شمال إفريقيا جبهة الإخوان المسلمين تعزز وجودها في المنطقة.
  8. الشرق الأوسط الآن: القوى الإسلامية أصبحت الأكثر هيمنة.

 

اختلال التوازن الواهن في الشرق الأوسط

الشرق الأوسط يدخل فترة من عدم الاستقرار

التطورات في العالم العربي التي توصف بربيع الشعوب أدت إلى تقويض التوازن الإستراتيجي الواهن والاضطراري التي كان قائما في المنطقة، الشرق الأوسط دخل فترة من عدم الاستقرار والتي قد تستمر لسنوات طويلة.

ائتلافات الماضي تتلاشى، الأنظمة الجديدة التي هي في مرحلة التشكل بعيدة عن تشخيص وتحديد مصالحها النابعة من التغييرات الراديكالية التي طرأت عندها ولدى جيرانها ينبغي أن ننتظر قيام ائتلافات جديدة والتي ستنهض على أنقاض الماضي.

وفي الدول التي مازال فيها النظام القديم باقيا على حاله مثل السعودية تسود حالة من الارتباك واللايقين بعد أن سقط حلفائها من المشهد.

في هذه المرحلة المبكرة هناك حقيقة واحدة: القوى الإسلامية تصل إلى السلطة وهي التي ستملي على دولها رؤية مختلفة.

المجتمع الدولي وعلى الأخص دول الغرب ستطالب بإعادة التفكير من جديد، التحدي في الغرب سيكون كيفية مواجهة موجة القوى المتطرفة، فإنها وعند وصولها إلى السلطة قد يستدعيها لإبداء برجماتية معينة إلا أن الأساس المناهض للغرب والمعادي لإسرائيل الكامن في فكرها سيكون مهيمنا.

في شهر أكتوبر الأخير صرح رجل ديني متطرف وهو أحد الدعاة ويعتبر رجل فتوى رئيسي في حركة الإخوان المسلمين يوسف القرضاوي لصحيفة فايننشال تايمز أن عودة الإسلاميين إلى السلطة هي نهائية وغير مستبعدة، ودعا الغرب إلى تبني رؤية جديدة حيال الإسلام.

الأنظمة الإسلامية حسب قوله ستضطر إلى إجراء اتصالات مع الغرب وإسرائيل  لكنها لن تقبل السلوك المتعجرف.

مصر بعد الثورة توطد علاقتها مع إيران وحماس

تنحية مبارك أدت إلى فوضى وإلى انهيار شامل، نظامه كان مصدر الاستقرار في المنطقة وكانت الولايات المتحدة حليفه الرئيسي سقط بعد ثلاثة أسابيع من المظاهرات، وأدى ذلك إلى تغيير المنظومة الإستراتيجية في المنطقة.

مصر بعد الثورة أعلنت أنه لم يعد لديها أعداء وأن بإمكانها إجراء حوار مع إيران وحماس وبذلك هي تراجعت عن كونها زعيمة للدول العربية البرجماتية في مواجهة محور الشر الذي تقوده إيران، وبدأت بإصلاح علاقاتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، بيد أن الحوار القصير لنبيل العربي أول وزير خارجية مصري بعد إقصاء مبارك مع إيران توقف بعد الكشف عن شبكة تجسس في مكتب المصالح الإيرانية في القاهرة، لكنه استأنف في هذه الأيام بمبادرة البرلمان الجديد الذي يسيطر عليه الإخوان المسلمين حيث يتمتعون بأغلبية الأعضاء.

لجنة الخارجية برئاسة عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين تؤكد أن الورقة الإيرانية لم تستغل بشكل صحيح وأن هناك حاجة لتطوير مفهوم جديد بالنسبة للعلاقات مع هذه الدولة، في الأيام القادمة سيصل إلى القاهرة وفد إيراني كبير يضم رجال أعمال كثيرين ويناقش مرحلة استثمار حوالي خمسة مليارات دولار في مصر، يبدو أن هذا الرقم مبالغ فيه لكن النية موجودة، إيران أعلنت عدة مرات أنها على استعداد لاستئناف علاقاتها الدبلوماسية مع مصر بشكل فوري.

الحوار مع حماس الذي اعتبرها مبارك خطرا على مصر هو الآن في ذروته، القاهرة تستخدم كمركز للقاءات بين فتح وحماس، وخالد مشعل اجتمع أكثر من مرة مع المشير طنطاوي.

منظومة العلاقات هذه قد تتسع وتتعدد بعدما عزز الإخوان المسلمين من وضعهم في السلطة واحتمال تشكيل حكومة برئاستهم، في كل الأحوال حماس هي ذراع للإخوان المسلمين كما ورد في المادة الأولى لميثاق الحركة.

المفارقة هي أن إيران تجد نفسها قوية في أعقاب الربيع العربي الذي حمل إلى السلطة في مصر حركة الإخوان المسلمين وهي منظمة سنية متطرفة كان من المتوقع أن تدخل في مواجهة معها، هذا لأن إيران تمثل المدرسة الشيعية المتطرفة، بالإضافة إلى أهدافها في بناء نفوذ وهيمنة إيرانية في الشرق الأوسط، لكن يبدو أن المصلحة العامة للإسلام والحاجة إلى إيجاد بديل للولايات المتحدة أهم على الأقل في المرحلة الأولى بعد الثورة.

إيران قلقة من اليوم ما بعد سوريا وهي تقيم شبكة تحالفات جديدة.

إيران لم تيأس حتى الآن من إنقاذ نظام الأسد وهي تساعده قدر الإمكان في تزويده بالسلاح لقمع الجماهير وبالوسائل الاستخباراتية.

قطع بحرية إيرانية وصلت إلى ميناء طرطوس عبر قناة السويس والتي رست وهي في طريقها في ميناء جدة السعودي يعطي تعبيرا عن استفزاز وأمن وثقة بالنفس من جانب طهران.

الأسد كما هو معروف يحظى أيضا بدعم وإسناد سياسي من روسيا والصين.

في الحقيقة نشأ هنا ائتلاف وإن بدا أنه مؤقت فإنه يعزز من قوة إيران ويضيق من مجال المناورة السياسية أمام الولايات المتحدة.

سقوط الأسد -الذي لا يعرف متى يحدث-قد يؤدي إلى الإضرار بإيران دون شك وكذلك لحزب الله وحماس، لكن يبدو أن إيران تبذل كل جهدها من أجل إقامة شبكة من التحالفات التي تتجاوز سوريا عن طريق الأنظمة الجديدة التي قامت في الدول العربية.

العربية السعودية بقيت وحدها في مواجهة إيران.

السعودية والتي كانت الشريك الأكبر لمصر في المعسكر البرجماتي تواجه الآن حالة من الارتباك ليس فقط لأن الأسر الحاكمة تخشى من انتفاضات داخلية على غرار السيناريو التونسي المصري وإنما لأنها فقدت الركيزة المصرية في المواجهة ضد إيران التي تصعد من تهديداتها في مواجهة الغرب وحليفاتها العربيات، السعودية تبحث وهي مرغمة على حلول جديدة لكنها تجد صعوبة في إقامة منظومة إقليمية بديلة، أعلنت أنها ستبدأ بتطوير قدرة نووية إذا لم توقف إيران برنامجها، لكن يبدو أن هذا لم يكن كافيا لردع طهران.

قبل شهرين أعلنت السعودية ودول الخليج أنها تقيم تكتلا محافظا يضم بالإضافة إلى الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي تعاونا مع الأردن والمغرب.

هذه الفكرة من المتوقع أن تعبر عن تصميم وإعادة تنظيم الصفوف في مواجهة إيران، وبعد فترة انبرت السعودية وأعلنت أن هذا ليس بخطة عملية لأن الدولتين الفقيرتين ستشكلان عبئا على دول الخليج.

في كل الأحوال واضح أن الكتلة المحافظة لم تشكل أي تهديد جدي بالنسبة لإيران، ومع ذلك فإن السعودية تواصل استخدام تطبيق سياسة فعالة في مواجهة إيران فهي تضغط بشدة على الجامعة العربية حتى تبدي مزيدا من الحزم تجاه الأسد.

هذا ليس من أجل المساعدة في صراع السنة ضد العلويين وإنما بهدف التسبب في إضعاف إيران التي تحتاج إلى سوريا لاستمرار نشاطها في المنطقة.

بيد أن السعودية لم تغلق أبوابها تماما أمام إيران وهذا الأسبوع وكما ذكرنا سلفا اتضح أنها سمحت للسفن الحربية الإيرانية بالرسو في ميناء جدة.

مصدر في وزارة الدفاع السعودية أوضح أن هذا الترخيص منح للسفن الإيرانية لكونها في مهمة تدريبية وكذلك في إطار العرف الدولي للصداقة بين الشعوب، هذا الحدث الذي وقع قبل عدة أسابيع بعد أن كشفت الولايات المتحدة عن مؤامرة إيرانية لاغتيال السفير السعودي في واشنطن شكل مفاجأة ويشير إلى حالة من الحيرة والاضطراب في السعودية كما يبدو.

قطر تستغل الفضاء السياسي الذي نشأ في المنطقة وتتحول إلى محور رئيسي للدول العربية

الفراغ السياسي الذي نشأ في المنطقة يجري استغلاله جيدا من قبل قطر من أجل إيجاد بصمات نشاطها في كل حدث مهم تقريبا فهي دعمت بحزم المبادرة الفرنسية للتدخل في ليبيا بل زودت السلاح للمتمردين ويبدو أنها تستمر أيضا في نقل السلاح إلى زعيم المجلس العسكري في طرابلس عبد الحكم بلحاج المعروف بأنه متطرف إسلامي.

قطر هي التي تدعم وبحماس حزب الإخوان المسلمين التونسي حزب النهضة الذي فاز في الانتخابات البرلمانية، راشد الغنوشي مؤسس حركة النهضة يزور قطر بين الحين والآخر ويلتقي مع الشيخ القرضاوي الذي يصفه بـ”أستاذي وسيدي الكبير”.

في مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط السعودية في 23/12 امتدح الغنوشي  قطر  والقرضاوي وقناة الجزيرة التي ساعدت ثورات الربيع العربي ولدورها في تقديم الإسناد الإعلامي الواسع.

قطر تشكل الآن رأس الحربة في الدول العربية في المعركة ضد نظام الأسد وتضغط داخل الجامعة العربية ومجلس الأمن من أجل فرض العقوبات كما اقترحت إرسال أسلحة إلى الجيش السوري الحر.

قناة الجزيرة التي تمول من قبل حاكم قطر حمد بن خليفة شكلت فعلا كما قال الغنوشي عاملا مهما في تأجيج المشاعر في جميع الدول التي أسقط فيها النظام في تونس ومصر وليبيا.

الآن تواصل قناة الجزيرة التحريض ضد الأسد، والشيخ القرضاوي الذي يقيم في الدولة منذ عام 1954 أصدر فتوى ضد سوريا ودعا إلى إقصاء الأسد بعدما اتضح أن الإخوان المسلمين السنة هم العامل الرئيسي في معارضة النظام.

قطر مزية لصالح الولايات المتحدة والغرب أو طابور خامس؟

قطر تحولت إلى محور رئيسي في الدول العربية إلى حد معين فقد حلت محل مصر فهي تستضيف في عاصمتها الدوحة مؤتمرات عربية ودولية كثيرة وتتوسط بين الدول العربية في النزاعات الداخلية مثل بين حكومة السودان وبين منظمات التمرد في دارفور وبين فتح وحماس وإلى آخره.

سكان قطر يصل عددهم إلى حوالي 1.3 مليون نسمة، لكن 300 ألف من بينهم فقط هم من مواطني الدولة، البقية الذين يزيد عددهم في الحقيقة عن عدد سكان قطر هم من العمال الأجانب وعلى الأخص من الدول الآسيوية جاؤوا بهدف البحث عن عمل ويعيشون في ظروف أشبه بظروف العبودية.

ليس لقطر تاريخ ولا ديمغرافية كبيرة، ليس لديها جيش أو أي تراث ثقافي لكن حاكمها حمد بن خليفة عرف عن طريق الأموال وقناة الجزيرة التي أقامها كيف يحوز على مكانة دولية.

أكثر من ذلك قطر تشتري شركات تجارية ومؤسسات مختلفة في أنحاء العالم في فرنسا حيث عقدت قطر صفقات كبيرة ومشتريات ضخمة وجدت طريقها في الآونة الأخيرة إلى وسائل الإعلام وارتفعت أصوات تدعو إلى وقف قطر التي تحتل فرنسا.

ينبغي الإشارة إلى أن قطر تخضع لنفوذ الإخوان المسلمين الذين وصلوا إلى هناك في منتصف الخمسينات عندما هربوا من أجهزة الأمن التابعة لجمال عبد الناصر الذي حل الحركة.

الإخوان المسلمون أقاموا في قطر التي كانت في ذلك الوقت إمارة بدوية صغيرة لا أهمية لها وزارات للدين والثقافة وطوروا منظومة ثقافية إسلامية متطرفة.

كما أن للإخوان المسلمين حضور كبير داخل الجزيرة . المدير السابق للقناة وضاح خنفر كان إسلاميا.

نشاط قطر الذي اعتمد على التمويل الكبير وإيديولوجية إسلامية متطرفة يثير قلق الدول العربية لكن في الوضع الحالي هذه الدول عاجزة عن مواجهة المشكلة، من ناحية ثانية انتصار الإخوان المسلمين في الانتخابات في مصر وتونس والمغرب وأهميتهم المتزايدة في بقية الدول العربية تسمح لقطر بمواصلة وتعزيز نشاطها.

لقطر علاقات جيدة مع الولايات المتحدة التي تحتفظ بأربع قواعد داخل أراضيها وهي تحافظ على علاقة مع تنظيم القاعدة وتنشر عبر الجزيرة تسجيلات لزعمائها، بل أنها أقامت علاقات سليمة مع إيران ورئيس أركانها زار طهران السنة الماضية.

السؤال هل قطر هي ميزة لصالح الولايات المتحدة والغرب أم مجرد طابور خامس يخدم الإسلام المتطرف لم يحسم حتى الآن، في هذه الأثناء قدراتها المالية هي العامل الحاسم.

شمال إفريقيا جبهة الإخوان المسلمين تعزز وجودها في المنطقة

بصعود الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وتونس والمغرب تغير الوضع أيضا في شمال إفريقيا حيث تقام في هذه المنطقة جبهة من الإخوان المسلمين.

في انتخابات البرلمان لليبيا المتوقع إجراؤها في شهر حزيران يتوقع أن يفوز الإخوان المسلمين بأغلبية نسبية على الأقل.

الانتخابات في الجزائر المتوقع أن تجري في مايو يتبدى أن الأحزاب الإسلامية ستحظى بنصيب كبير في البرلمان.

في هذه المرحلة الحديث يجري حول إحياء الاتحاد المغاربي الذي تشكل عام 1989 وتم تعليق نشاط بسبب الخلافات بين دول المنطقة، المغرب على خلاف ونزاع مع الجزائر على خلفية دعم الأخيرة لجبهة البوليساريو جبهة تحرير الصحراء الغربية التي تعتبرها المغرب جزءا من أراضيها، القذافي استهان بدول شمال إفريقيا ووجه جهوده إلى إفريقيا السوداء، الآن هذه الدول تشعر أن الإسلام هو الذي يوحدها من جديد.

الرئيس التونسي منصف المرزوقي الذي زار الجزائر هذا الأسبوع دعا إلى استئناف عمل الاتحاد المغاربي وحظي بأصداء إيجابية، ومع ذلك ليس من الواضح من سيتغلب، التضامن الإسلامي أو المصالح السياسية والاقتصادية.

جبهة إسلامية في شمال إفريقيا قد تشكل تهديدا لفرنسا وبقية الدول في جنوب أوروبا ويمكن الافتراض بأن مثل هذه الجبهة إذا ما قامت تستطيع أن تطالب بمراجعة منظومة الاتفاقيات بين هذه الدول والدول الأوروبية الأمر يتعلق بشكل خاص حول إمدادات النفط من ليبيا والغاز من الجزائر وأمور أخرى مثل ظروف الحياة للأقليات الإسلامية في أوروبا وانتقال المهاجرين من إفريقيا إلى القارة العجوز.

الشرق الأوسط الآن: القوى الإسلامية أصبحت الأكثر هيمنة

الشرق الأوسط المعروف الذي سيطر عليه بصفة رئيسية من قبل أنظمة ديكتاتورية شبه علمانية والذي كان موزعا بين مناطق نفوذ في الولايات المتحدة وإيران لفظ أنفاسه وتشتت، الأحلاف القديمة تقوضت بيد أن الخارطة الجديدة في الشرق الأوسط ليست معروفة وينبغي انتظار سقوط الأسد ونتائج ذلك.

لكن القوى الإسلامية هي المهيمنة وستبقى هي كذلك خلال السنوات القادمة.

وستحتم وعلى الغرب مواجهة الوضع الجديد الذي سيتميز بتطرف أكبر وإن كان تفوقها في التكنولوجيا والاستثمارات التي يحتاجها العالم العربي إلى حد كبير قد يؤدي إلى الحد من المواجهة التي قد تتطور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى