#أقلام وأراء

احمد عيسى – هل ستحقق سياسة إطلاق النار بهدف القتل (Shoot to kill policy) التي يطبقها جيش الإحتلال ضد الفلسطينيين غاياتها

العميد أحمد عيسى

المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

إعتمدت الحركة الصهيونية وشركائها في مشروع إستعمار فلسطين عقيدة قتل الفلسطينيين كإستراتيجية ثابثة لتنفيذ مشروع الإستعمار هذا، إلا أن أهداف وربما مقاصد التي هي أبعد من أهداف هذه الإسراتيجية تعددت مع تعدد مراحل تنفيذ هذا المشروع التي لا زالت متواصلة منذ أكثر من قرن.

ففي المرحلة التي سبقت إعلان قيام الدولة العام 1948، تولت مسؤولية القتل العصابات الصهيونية المسلحة مثل (شتيرن والهجناة) لغايات بث الذعر والخوف في أوساط سكان البلاد الأصلانيين وإجبارهم على الهجرة، لإحداث تحول ديموغرافي في المنطقة، وذلك في الوقت الذي حرصت فيه الحركة الصهيونية بالتوازي مع تنفيذ عمليات قتل جماعي للفلسطينيين، على جلب مهاجرين يهود من جميع أنحاء العالم وتوطينهم في المناطق التي شرد منها الفلسطينيين.

وبعد الإعلان عن قيام دولة إسرائيل العام 1948، وإندماج هذه الميليشيات المسلحة في ما بات يعرف بجيش إسرائيل، لم يتخلى الجيش عن سياسة القتل هذه، سواء ضد فلسطينيي العام 1948، أم ضد الفلسطينيين في المناطق التي إحتلها الجيش العام 1967، إلا أن المقاصد هذه المرة كانت  لإستئصال فكرة مقاومة الإحتلال من عقل الفلسطينيين والإستسلام للأمر الواقع، لا سيما وأن من بقي من الفلسطينيين سواء داخل حدود 1948، أم في المناطق التي إحتلتها إسرائيل العام 1967، رفضوا تكرار تجربة النكبة وتمسكوا بما ظل بأيديهم من ممتلكات، والأهم أنهم تمكنوا في مناطق العام 1967، من تنظيم أنفسهم في حركة تحرر وطني مسلحة تقودها منظمة التحرير الفلسطينية.

وظل القتل عقيدة ثابثة لدى جيش الإحتلال بعد إندلاع الإنتفاضة الأولى العام 1987، وذلك بهدف وقف الإنتفاضة وذلك من خلال قتل أكبر عدد من ملقي الحجارة  خاصة من الأطفال الذين بلغ عددهم خلال الإنتفاضة الأولى 241 شهيد، حيث سميت تلك الإنتفاضة بإنتفاضة جنرالات الحجارة.

اللافت هنا أن الجيش لم يتخلى عن عقيدته هذه بعد توقيع إتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة دولة إسرائيل العام 1993، وتشكيل السلطة الفلسطينية التي أنيطت بها مسؤولية حفظ الأمن في المناطق الفلسطينية، إذ تظهر أعداد الشهداء الفلسطيتيين الذين قتلوا على أيدي الجيش أن هناك تمادي في سياسة القتل لتشمل إضافة للنشطاء أو أفراد التشكيلات العسكرية التابعة للتنظيمات الفلسطينية المختلفة، أفراد أجهزة الأمن الفلسطينية، الأمر الذي يؤكد أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تصنف الشعب الفلسطيني برمته كجسم مشبوه.

وكان جيش الإحتلال قد طور من عقيدة القتل هذه بعد إندلاع الإنتفاضة الثانية (إنتفاضة الأقصى) العام 2000، حيث طبق الجيش هذه العقيدة تحت مسمى القتل المتعمد أو القتل الهادف (Targeted Killing)، وقد هدف الجيش من تطبيق هذه الإستراتيجية إلى حرف إتجاهات ومسارات تطور الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال إذلال الفلسطينيين وإيصالهم إلى حالة العجز أمام قوة إسرائيل التي لا تقاوم.

صحيح أن هذه الإستراتيجية قد إرتبطت بشخص شارون، إلا أنها هذه المرة كانت أحد منتجات معهد البحوث العملانية (OTRI) الذي طوره الجيش كأحد مراكز التفكير بداخله العام 1995، حيث وقف على رأسه الجنرال (شمعون نافيه) الذي طور عقيدة تقوم على تحليل العدو ككائن عضوي متكامل ذو أبعاد إجتماعية وسيكولوجية وسياسية، حيث يسمح هذا التحليل الى إظهار نقاط ضعف العدو ويحدد في نفس الوقت مداخل الضغط عليه.

وفيما جرى تفكيك هذا المعهد العام 2005، وانتقال نافيه للعمل كمستشار للقوات الخاصة الأمريكية والصناعات الدفاعية الإسرائيلية، إلا أن إستراتيجية القتل المتعمد ظلت فاعلة ومعتمدة من قبل الجيش، ولكن هذه المرة بمسمى إطلاق النار من أجل القتل (Shoot to kill policy).

من جهتها تعطي هذه السياسة الحق لأفراد الجيش بإطلاق النار على كل من يعتقد الجنود أنهم يشكلون خطر على حياتهم وفق معايير ترك للجنود الحرية المطلقة في تحديدها ميدانيا، الأمر الذي ساهم في زيادة عدد الشهداء من الشعب الفلسطيني، لا سيما خلال العام الجاري، وينبأ بزيادة العدد خلال قادم الأيام.

ويمكن الإستدلال على ذلك من خلال عدد شهداء العام الجاري مقارنة بالعامين الماضيين 2020-2021، حيث إرتقى خلال الربع الأول من العام الجاري في الضفة الغربية (27) شهيد، مقارنة بالعام 2020 الذي ارتقى خلاله (26) شهيد، (9) منهم كانوا قد إرتقوا في الربع الأول من العام، أما العام 2021 فقد ارتقى فيه (87) شهيد، كان  نصيب الربع الأول (10) شهداء، وذلك وفقاً لإحصاءات وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا)، إذ توضح هذه الأرقام أن عدد شهداء الربع الأول من  العام الجاري قد تخطت العدد الإجمالي لشهداء الربع الأول من العاميين الماضيين بواقع 42%.

تجدر الإشارة هنا أن سياسة إطلاق النار بهف القتل التي بدأت وحدات الجيش بتنفيذها ضد الفلسطينيين كما يبدو منذ بداية العام الجاري، قد حرص الجيش على تنفيذها بصورة همجية وتعكس إستحواذ الخوف على الجيش ومن خلفه المجتمع، مما جعلها تبدو وكأنها تليق بعصابات أكثر مما تليق بدولة تزعم أن جيشها تحكمه منظومة قيم أخلاقية، كما تجلى في حالة قتل ثلاثة مواطنين زعم الجيش أنهم مطلوبين، كانت نفذتها وحدة خاصة من الجيش الإسرائيلي في وضح النهار وسط مدينة نابلس يوم الثلاثاء الموافق 8/3/2022، الأمر الذي يعيد للأذهان الهمجية التي بدى عليها الجندي (أليؤور أزاريا) وهو يطلق النار على مواطن جريح ملقى على الأرض وسط مدينة الخليل العام 2017.

يبين ما تقدم ان عقيدة قتل الفلسطينيين ثابثة في ثقافة جيش الإحتلال وأن الذي يتغير هو مسميات وأدوات تنفيذ هذه الإستراتيجية، ويبين كذلك أن الأهداف تختلف من مرحلة لأخرى، إلا أن الغايات تبقى ثابثة وتعبر عن السعي إلى إستئصال ثقافة مقاومة الإحتلال لدي الشعب الفلسطيني ودفعه للتسليم بحقيقة أن إسرائيل لا يمكن هزيمتها وقد وجدت لتبقى، والأهم من ذلك أن ما تقدم يبين أن أي من أهداف وغايات إعتناق وتنفيذ هذه الإستراتيجية لم يتحقق، فمن الناحية الديموغرافية صحيح أن القتل ما قبل العام 1948، دفع أكثر من نصف الشعب الفلسطيني على اللجوء، إلا أن عدد الفلسطينيين اليوم على أرض فلسطين الإنتدابية يفوق عدد اليهود.

أما من حيث ممارسة القتل ثم الإحتفال بإطلاق النار بغزارة  وبأشكال إحتفالية على جثت الشهداء بعد قتلهم لزرع الذعر والرعب في العقل الفلسطيني ودفعه للتسليم بالإحتلال والتفرقة العنصرية، كما هو في حالة إطلاق النار بهف القتل ( Shooting to Kill Policy) فنتائج هذه الممارسة عكسية، إذ أن الإسرائيليين برمتهم هم من فقدوا الشعور بالأمن مؤخراً نتيجة لردة فعلهم على هذه السياسة، الأمر يتطلب إعادة طرح سؤال سيدنا لوط عليه السلام لقومه، على من هم عقلاء من الإسرائيليين، كما ورد في قوله تعالى في سورة هود الاية رقم {78} “أليس فيكم رجل رشيد”.   

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى