اتفاق شرق المتوسط .. الدلالات والتداعيات على تركيا - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

اتفاق شرق المتوسط .. الدلالات والتداعيات على تركيا

0 354

ريم عبد المجيد *- 12/1/2020

وقعت اليونان وإسرائيل وقبرص في 2 يناير 2020، اتفاقًا لبناء خط أنابيب تحت البحر لنقل الغاز الطبيعي من الحقول البحرية في شرق المتوسط إلى أوروبا والذي قد يقلل اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي. هذا الاتفاق أثار غضب تركيا لأنها كانت تطمح لأن تصبح دولة عبور رئيسية لإمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا مما كان يمنحها مصدرًا للضغط على أوروبا سابقًا. ولكن هذا المشروع –الذي استبعدت منه- بجانب مصادر إمدادات الطاقة الجديدة لأوروبا أضحت تقوض من تأثير تركيا وتحرمها من المقدرة على الضغط.

تأسيسًا على ما تقدم، سيتم تناول أبرز ملامح الاتفاق وكيف أتى رد فعل تركيا عليه، بجانب عرض أبرز دلالات الاتفاق وكذلك تداعياته المحتملة على تركيا.

ملامح الاتفاق ورد الفعل التركي

أعلنت الدول الثلاث الموقعة للاتفاق أن هذا المشروع يهدف إلى جعلهم حلقة وصل مهمة في سلسلة إمدادات الطاقة إلى أوروبا ولإظهار مقدرتهم على مواجهة أنقرة، كما أشير إلى أن هذا الخط له أهمية جغرافية استراتيجية ويساهم في السلام والتعاون في المنطقة. ومن المقرر أن يكون طول الخط حوالي 1872 كيلومترًا، كما أنه سيسمح بنقل ما بين 9 و 11 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا من قبرص وإسرائيل واليونان إلى إيطاليا.

وفيما يتعلق برد الفعل التركي فقد كانت تسعى أنقرة إلى الحصول على فرصة لاستكشاف الطاقة على نطاق أوسع وليس خليج أنطاليا فقط على أساس أن تركيا لديها أطول ساحل يطل على البحر المتوسط وأنها يجب أن تتمتع بحقوقها مثل جيرانها ومن منطلق الاعتراف التركي ب”جمهورية شمال قبرص” التركية، كما هدفت إلى التأثير على حركة نقل الغاز في شرق البحر المتوسط (اليونانية/ القبرصية/ الإسرائيلية/ المصرية) المتوقع تصديرها إلى أوروبا بعد تصفيتها في مصر، وهو ما دفعها إلى توقيع اتفاقية ترسيم الحدود. وجل هذه الأهداف اصطدمت بمصير الفشل بتوقيع الدول الثلاث –اليونان، قبرص وإسرائيل- الاتفاق الذي قد يؤدي إلى تداعيات سلبية على تركيا. هذا دفع تركيا إلى الإعراب عن استياءها من تلك الخطوة فقالت إن “أي مشروع يتجاهل تركيا وكذلك الحقوق المتساوية للقبارصة الأتراك لن ينجح”،(1) ووصف الإعلام التركي الموالي للرئيس أردوغان الاتفاق بأنه استفزاز يستهدف تركيا، وحاول الترويج لعدم جدواه الاقتصادية لارتفاع تكلفته مما يجعله مشروعًا فاشلًا.(2) وكرد فعل على الاتفاق قام البرلمان التركي بالموافقة على قرار إرسال قوات عسكرية إلى لبيبا رغم أنه كان يلقى رفض من قبل المعارضة.(3)

دلالات الاتفاق

ا. دلالة التوقيت:

أتى توقيع اتفاق خط أنابيب شرق المتوسط في وقت حاولت فيه تركيا أن تلقى بثقلها في المنطقة كجزء من استراتيجية السياسة الخارجية للرئيس أردوغان وحزبه الحاكم –العدالة والتنمية- لمحاولة تعزيز نفوذ تركيا الإقليمي، والتي كان أبرز خطوات تحقيقها: توقيع اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية والذي أتفق فيه على تحديد المناطق الاقتصاديةالخالصة للدولتين بطريقة استبعدت اليونان مقابل الحصول على مساعدة عسكرية في الحرب الأهلية في لبيبا، مما أغضب دول المنطقة وطرح تساؤلات حول كيفية تصدير الغاز إلى أوروبا لأن ذلك سيتطلب عبور المنطقة الاقتصادية التركية الليبية وفق الاتفاقية الجديدة. ويضاف لذلك عمليات التنقيب التركية في شرق المتوسط التي تم تكثيفها بعد اكتشاف عدد كبير من احتياطات الغاز الطبيعي قبالة سواحل مصر وإسرائيل وقبرص. وعلى ذلك يكون توقيع اتفاق شرق المتوسط رد فعل لاغيًا للاتفاق التركي الليبي ومقوضًا لمساعيها.

2. فشل مساعي التقارب التركية مع إسرائيل:

إن اكتشاف حقول الغاز الطبيعي الضخمة قبالة الساحل الشمالي لإسرائيل قبل أكثر من عقد من الزمان والمحاولات اللاحقة لتصدير هذا الغاز إلى أوروبا قد أبرزت خطوط الصدع الحقيقية في التحالف التركي الإسرائيلي. الأحداث الأخيرة تكشف عن تحول جوهري في التحالف لا يمكن إنكاره. فقد حاولت تركيا استغلال اكتشاف حقول الغاز وبحث الاتحاد الأوروبي عن مصادر بديلة للغاز الروسي وسعيه للحصول على الغاز الإسرائيلي، بالإضافة إلى طموح أردوغان للاستفادة من موقع تركيا وتحوليه لمركز عبور مهيمن للطاقة. هذا دفعها لتعميق علاقتها بإسرائيل لإقناعها بتمرير الغاز عبرها إلى أوروبا وإشراكها في تقسيم ثروات شرق المتوسط، وعملت حكومة أردوغان دون كلل على إبرام صفقة مع إسرائيل. وبينما كانت إسرائيل هي الأخرى حريصة على استخدام تركيا كمحور عبور للطاقة بجانب توطيد العلاقات بين البلدين إلا أنها الآن ترى أن قيمة الشراكة مع تركيا متدنية للغاية، فقد أقام نتنياهو  تحالفات جديدة مع زعماء أوروبيين يمينيين، كما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه سيحمي سياسات إسرائيل في فلسطين إلى أقصى حد ممكن بما جعل الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لتركيا بالنسبة لإسرائيل قليلة وهو ما دفع الأخيرة لتوقيع اتفاق أنابيب الغاز الطبيعي مع قبرص واليونان بما مثل ضربة قوية لتركيا وإعلانًا بخسارة شريك استراتيجي لها في المنطقة.

3. مقدرة اليونان على تقويض نفوذ تركيا:

تشهد العلاقات اليونانية التركية تدهورًا منذ خمسينات القرن الماضي نتيجة التنازع حول جزيرة قبرص بسبب احتلال تركيا النصف الشمالي من الجزيرة وطرد سكانها اليونانيين منها بما مثل اعتداءً على السيادة اليونانية.(4) كما وقد شهدت جملة من الأحداث تسببت في تفاقم هذا التدهور، منها قيام تركيا بالتنقيب عن الغاز الطبيعي في المنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان، بجانب توقيها اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا والتي اختصمت جزءًا من حدود اليونان بتجاهلها جزيرة كريت، كما أن تركيا حصلت بموجبها على الحق في استكشاف واستغلال الطاقة في جزء كبير من البحر المتوسط. وردًا على تلك الاعتداءات كانت تلجأ اليونان إلى الاتحاد الأوروبي كي يكبح جماح تركيا وعدوانها إلا أن قراراته تجاهها لم تكن كافية لتحقيق ذلك الغرض بما جعل الرئيس أردوغان يتصور أن اليونان ليست بدولة قوية قادرة على صد اعتداءاته والدفاع عن سيادتها وأمنها وهو ما قد يكون السبب الذي دفعه للاستمرار في سياساته دون الاكتراث لها. إلا أن اليونان رغم صغر حجمها ومحدودية قوتها العسكرية وكذلك نفوذها “نسبيًا” إلا أن جهودها الدبلوماسية أسفرت عن توقيع اتفاقية خط أنابيب شرق المتوسط مع قبرص وإسرائيل بما يمنع محاولات تركيا لتوسيع سيطرتها على شرق المتوسط كما أنها تُسَرع المحادثات مع مصر لتشكيل منطقة اقتصادية خالصة وكذلك الانضمام للاتفاقية والتي سيمثل أعضائها تحالفًا مضادًا لتركيا قد يتسبب في إضعافها.

تداعيات الاتفاق على تركيا

1. فشل مخطط التحول للمهيمن على أمن الطاقة:

حاولت تركيا السيطرة على غاز شرق المتوسط، فكثفت عمليات التنقيب عقب اكتشافات حقول الغاز الجديدة فيه، كما حاولت الاستيلاء على حصص اليونان وقبرص من الغاز عبر توقيها اتفاقية ترسيم الحدود لتقنين عمليات التنقيب واستخراج الغاز فيما بعد رغم كونها تعد اعتداءً على حق الغير وفقًا للقانون الدولي. ولكن بتوقيع اتفاق مشروع خط أنابيب شرق المتوسط قد يتحقق توازن جيوسياسي جديد في المنطقة يمنع تركيا من تحقيق مساعيها للهيمنة على غاز المتوسط ومن ثم التحكم في أمن الطاقة لدول شرق المتوسط وكذلك دول الاتحاد الأوروبي.

2. خسارة أداة ضغط على الاتحاد الأوروبي:

طمحت تركيا لاستغلال موقعها الجغرافي الذي جعلها دولة عبور للطاقة إلى الاتحاد الأوربي في الضغط عليه كي تحصل على مزايا بعد فشل مساعيها في الانضمام إليه، بجانب مخططاتها بأن تصدر الغاز الذي ستحصل عليه من الحقول التي استولت عليها في شرق المتوسط إليه وبالتالي تصبح دولة مصدرة بجانب كونها دولة عبور للطاقة. يُضاف لما سبق أنها هدفت من وراء الاتفاقية مع حكومة الوفاق إلى استمرار إنشاء بطاقات الضغط على أوروبا بطريقة تهدد حركة تصدير الغاز إليها من الدول المجاورة. ولكن هذه المخططات باءت بالفشل لأن المشروع الجديد يمكن الدول النفطية من تصدير الطاقة إلى أوروبا دون الحاجة للمرور بتركيا كونه يربط حقول الغاز باليونان ومن الأخيرة إلى إيطاليا التي تغذي أوروبا. كما أن هذا الخط سيوفر حوالي 10 مليارات متر مكعب من واردات الاتحاد الأوروبي السنوية من الغاز الطبيعي وبذلك يصبح أحد مصادر إمدادات أوروبا بالطاقة.(5) وفي هذا السياق، قالت المفوضية الأوروبية إن اتفاق إيست ميد الذي وقعته قبرص واليونان وإسرائيل هو تطور مرحب به، وإنه يجب أن ينظر إلى هط الأنابيب كخيار للاستفادة من إمدادات غاز شرق المتوسط إلى الاتحاد. وقد أبدى الاتحاد الأوروبي اهتمامه بهذا المشروع –في إطار سعيه لتنويع مصادر إمدادات الغاز كونه أمر هام لأمن الطاقة الأوروبي والذي تسهم في تحقيقه إمدادات شرق المتوسط-، ودعا الدول الثلاث إلى تقديم دراسات بشأن التكاليف.(6)

3. زيادة العزلة الدولية والإقليمية

قد يسهم هذا الاتفاق في زيادة العزلة الدولية المفروضة على تركيا، فعلاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية تشهد توترًا إثر حصولها على صفقة الصواريخ الروسية إس 400 بجانب توغلها في شمال سوريا، كما أن علاقتها بالاتحاد الأوروبي سيئة بسبب سلوكها العدواني في شرق المتوسط وتهديدها لأمن الطاقة لدوله، وعدوانها على اليونان وقبرص، بالإضافة إلى قرار تدخلها عسكريًا في لبيبا الذي يعد تهديدًا مباشرًا للأمن الأوروبي، بجانب أن سلوكها في ليبيا قد يؤثر على علاقاتها بروسيا كونها تتخذ موقفًا مغايرًا للموقف الروسي الداعم للمشير خليفة حفتر، بينما تدعم تركيا حكومة السراج وقررت إرسال قوات عسكرية لتأييده وهي خطوة لم تتم بالتوافق مع روسيا كما كان يحدث في سوريا.

وعلى المستوى الإقليمي، مازالت تركيا على خلاف مع المملكة العربية السعودية، كما أنها تناهض موقف الإمارات العربية المتحدة من الأزمة الليبية التي تدعم حفتر، بجانب أنها تحاول بشكل مباشر تهديد الأمن القومي المصري بإرسالها قوات عسكرية في ليبيا ومحاولاتها تهديد أمن الطاقة المصري، وكذلك تهديد النفوذ المصري في البحر الأحمر، يضاف لذلك أن إسرائيل لم تعد تعتبر تركيا ذات أهمية بالنسبة لها. جُل ما سبق يؤكد أن تركيا سيُفرض عليها مزيد من العزلة الدولية.

4. ازدياد الضغط الدولي على تركيا:

بجانب العزلة الدولية فإن الانتصار السياسي الذي حققته كل من اليونان وقبرص وإسرائيل في مواجهة تركيا قد يحفز الأطراف الدولية المعادية للأخيرة أن تتقدم في سبيل اتخاذ جميع التدابير اللازمة في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي للضغط على تركيا بكل الوسائل الممكنة، منها على سبيل المثال منح تلك الأطراف –خاصة في أوروبا والولايات المتحدة ومصر- الضوء الأخضر لحفتر للقضاء على ميليشيات الوفاق والاستيلاء على مناطق نفوذها وهو ما يقوض قدرة أردوغان على اتخاذ أية إجراءات في لبيبا كما أنه سيلغي اتفاقية ترسيم الحدود ويفشل طموح تركيا في الهيمنة على غاز شرق المتوسط.

*عن المركز العربي للبحوث والدراسات .

الهوامش

(1) “اتفاق ثلاثي في أثينا لمد خط أنابيب الغاز في شرق المتوسط”، دويتشه فيليه، 2/1/2020، متاح على: https://bit.ly/36qkHMI.

(2)Ankara lashes out at Israel, Greece and Cyprus for signing a gas agreement in East-Med”, Duvar.English, 3/1/2020, available at: https://bit.ly/36um6l8.

(3) “قلق أوروبي من موافقة البرلمان التركي على التدخل العسكري في ليبيا”، البوابة نيوز، 3/1/2020، متاح على: https://albawabhnews.com/3855311.

(4) “هل تتجاوز تركيا واليونان خلافاتهما المستمرة منذ قرنين؟”، بي بي سي، 6/2/2019، متاح على: https://www.bbc.com/arabic/42266418.

(5) Scott Carpenter, “New Pipeline Deal Gives Europe Access To Eastern Mediterranean Gas Reserves, Angering Turkey”, Forbes, 2/1/2020, available at: https://www.forbes.com/sites/scottcarpenter/2020/01/02/new-gas-pipeline-deal-gives-europe-access-to-eastern-mediterranean-reserves-angering-turkey/#10ea98b71c69.

(6) Sarantis Michalopoulos, “EU welcomes EastMed deal, but highlights further cost-benefit analysis”, Euractiv, 3/1/2020, available at: https://www.euractiv.com/section/energy/news/eu-welcomes-eastmed-deal-but-highlights-further-cost-benefit-analysis

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.