أقلام وأراء

الوساطة الأوروبية لن تكفي لإحياء الاتفاق النووي الإيراني

ابراهيم نوار

ابراهيم نوار 11 مايو , 2022

ما تزال مسألة إحياء الاتفاق النووي الإيراني معلقة بين السماء والأرض. ومنذ أوقفت إيران مفاوضات فيينا في شهر مارس الماضي حتى الآن، تسير الأمور في اتجاه المزيد من الارتباك في الموقف الأمريكي، بين الإدارة التي تبدي قدرا من المرونة الشكلية وتعتبر أن التوصل إلى «اتفاق هش قصير المدى خير من عدم وجود اتفاق»، والكونغرس الذي يحاصر سياسة الإدارة بإصدار قوانين تحد من قدرتها على إبرام اتفاق، ويعتبر أن «عدم وجود اتفاق خير من وجود اتفاق ضعيف». وفي إيران تسير الأمور في اتجاه الإصرار على صيغة للعودة إلى الاتفاق.

عناصر الصيغة الإيرانية
أولا، أن المفاوضات في فيينا قد استنفدت غرضها، وأن هناك اتفاقا جاهزا مكتمل الأركان، تحتاج الولايات المتحدة إلى إرادة سياسية كافية لتوقيعه، وأن إيران لن تعود إلى فيينا إلا لغرض واحد فقط وهو، توقيع الاتفاق الذي تم التوصل إليه عبر جولات المفاوضات الثماني السابقة.
ثانيا، أن الولايات المتحدة لن تفوز بتوقيع اتفاق مع إيران بينما هي مستمرة في ممارسة سياسة «الضغوط القصوى» التي وضعها الرئيس الأمريكي السابق.

ثالثا، إيران ماضية في تطوير برنامجها النووي النووي السلمي على أساس إرادتها المستقلة وطموحاتها الوطنية.
رابعا، إن العودة لاتفاق عام 2015 يجب ألا تتجاهل الدروس المستفادة من السنوات الثلاث التي التزمت إيران فيها بنصوص الاتفاق تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن ثم فإن العودة تتطلب شروطا لضمان مقومات الاستدامة والاستمرار، واحترام كل الأطراف لالتزاماتها، وضمان عدم الانسحاب منه، ووضع نظام لتدقيق رفع العقوبات، ووجود ضمانات سياسية وقانونية بين الشركاء تحمي الاتفاق، تحت إشراف الأمم المتحدة.
وعلى أساس هذه الصيغة فإن إيران رفضت اشتراك الولايات المتحدة مباشرة في مفاوضات فيينا، باعتبار أنها من النواحي السياسية والقانونية والفنية ليست طرفا في الاتفاق منذ مايو عام 2018. وقد حاولت واشنطن بكل الطرق الاشتراك المباشر في المفاوضات، لكن طهران صممت على استبعادها حتى تصبح مؤهلة لذلك في حال عودتها الكاملة للاتفاق من دون قيد أو شرط، لأنها هي التي قررت الانسحاب منه.

ونظرا لتدهور الموقف الدولي منذ بداية الحرب الأوكرانية، فقد أصبحت الولايات المتحدة وحلفاؤها في حاجة أكبر إلى نفط إيران، ومحاولة استخدام العودة للاتفاق النووي كوسيلة لسحب إيران بعيدا عن روسيا، وهو أحد الأهداف الاستراتيجية لمخططي السياسة الخارجية في واشنطن. أما على الجانب الإيراني فقد احتفلت إيران هذا العام بتحقيق المزيد من الإنجازات على صعيد الصناعات النووية والعسكرية والتكنولوجية، على الرغم من قسوة العقوبات. وتعتبر القيادة السياسية في طهران أن تحقيق التقدم يجب أن لا يكون مرهونا بمصير مفاوضات فيينا.

وساطة أوروبية وأممية

من المفترض أن يجري انريكي مورا نائب مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي مشاورات في طهران بشأن إحياء الاتفاق النووي، وتقديم عرض جديد من الولايات المتحدة تعتبره واشنطن حافزا كافيا لإقناع القيادة الإيرانية بالعودة إلى مفاوضات فيينا. ويتضمن العرض رفع اسم الحرس الثوري الإيراني من قائمة المنظمات الارهابية العالمية، مع بقاء خضوع مؤسساته العسكرية والاقتصادية التي تشارك في تمويله، للعقوبات. لكن وزير الخارجية حسين عبد اللهيان استبق زيارة مورا بإعادة التأكيد على أن الوفد الإيراني المفاوض لن يعود إلى فيينا إلا لتوقيع اتفاق، وأن إيران ليست على استعداد لتمديد المفاوضات وسط مماطلة أمريكية وعجز في البيت الأبيض عن اتخاذ قرارات سياسية حاسمة تعيد الحياة إلى الاتفاق.

قرار الكونغرس غير ملزم

وكان وزير الخارجية الإيراني قد تلقى مكالمة هاتفية من أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، يوم الجمعة الماضي، ناقش فيها عودة إيران إلى المفاوضات في فيينا. وأبلغه الوزير الإيراني أن الجمود الحالي يعود إلى تمسك الإدارة الأمريكية بسياسة «الضغوط القصوى» التي وضعها الرئيس السابق دونالد ترامب، وأن إدارة بايدن ليست لديها الشجاعة الكافية لرفع العقوبات تماما، ووضع نظام للتحقق من عدم اللجوء الى عراقيل تحول دون تطبيع علاقات إيران الاقتصادية مع العالم، وتقديم ضمانات قانونية بعدم تكرار انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، واحترام سيادة واستقلال إيران.

كما انتقد عبد اللهيان القرار الذي اتخذه مجلس الشيوخ الأمريكي الذي يلزم الإدارة الأمريكية بأن تعرض على الكونغرس أي اتفاق يتم التوصل إليه مع إيران بخصوص إحياء الاتفاق. ومع أن قرار الكونغرس غير ملزم قانونا، إلا أنه يضع الإدارة في وضع حرج أمام الكونغرس الذي يطالب بأن يكون إحياء الاتفاق النووي مبنيا على معايير أكثر تشددا وأطول مدى من الاتفاق الأصلي، وأن «عدم التوصل إلى اتفاق خير من اتفاق سيئ» وهي الصيغة نفسها التي كان قد طورها سياسيا وإعلاميا رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو.

ويقول بعض المراقبين أنه في حال رفض الكونغرس للاتفاق، فإن الرئيس يمكنه استخدام حق الفيتو، وفي هذه الحالة لا يستطيع الكونغرس وقف سريانه إلا بأغلبية الثلثين، وهو ما يصعب جدا على الجمهوريين تحقيقه، نظرا للتوازن الحالي في مجلس الشيوخ. ومع ذلك فإن أي اتفاق لا يستجيب للمعايير التي وضعها الكونغرس سيكون اتفاقا هشا غير قابل للاستمرار، خصوصا أن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس على الأبواب. وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن جدوى قبول إيران لاتفاق هش قابل للسقوط في أي وقت، وهو ما يعزز احتمال فشل الوساطة الحالية التي يقوم بها انريكي مورا.

التقدم في البرنامج النووي

منذ بداية العام الحالي أعلنت إيران أنها أوقفت إنتاج مكونات أجهزة الطرد المركزي في مجمع الإنتاج الرئيسي في «خَرَج»، ونقلت عمليات الإنتاج إلى موقع جديد في نطنز، بعد أن تعرض مجمع «خَرَج» لعمليات تخريبية. وقد أبلغت طهران الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعملية النقل مبكرا في نهاية يناير الماضي، حتى تتخذ الإجراءات اللازمة للتأكد من أن الأنشطة النووية لإيران ذات طابع سلمي.

ومع أنه تم تشغيل مجمع الإنتاج الجديد بعد وضع كاميرات بواسطة الوكالة، إلا أن إيران لن تسمح للمنظمة الدولية بالاطلاع على الصور والبيانات، إلا بعد نجاح مفاوضات العودة إلى الاتفاق النووي، ما يعني أن نشاط الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إيران مرهون بنجاح مفاوضات فيينا.

ويمثل البرنامج النووي جزءا من استراتيجية إيران لبناء قدرات تؤهلها لأن تلعب دورا إقليميا رئيسيا مستمرا، سواء في زمن السلم أو الحرب. وتشمل هذه الاستراتيجية تطوير صناعات الفضاء والصواريخ الباليستية والطاقة النووية. وطبقا لتقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن الربع الأول من العام الحالي فإن مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وصل إلى 33.2 كغم مقابل 15.5 كغم في الربع السابق.

وبذلك تكون إيران قد ضاعفت هذا المخزون خلال ثلاثة أشهر فقط. وتعادل كمية المخزون حتى أوائل مارس الماضي حوالي 75% من الكمية الكافية لإنتاج قنبلة نووية في حال تخصيب اليورانيوم إلى 90%. ويحتاج البدء في إنتاج قنبلة نووية واحدة إلى 25 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 90%، إضافة إلى امتلاك تكنولوجيا صناعة الرأس المتفجر وجهاز التفجير. ومن ثم فإن حيازة إيران لكمية كافية من اليورانيوم هو شرط ضروري، لكنه ليس شرطا كافيا.

ولهذا فإن الحديث عن قدرة إيران على إنتاج قنبلة نووية بمجرد أن تتوفر لها كمية اليورانيوم المخصب الضرورية ينطوي على قدر كبير من المغالطة. وقد تحتاج إيران فعلا لإنتاج اليورانيوم عالي التخصيب لاستخدامه في أغراض ذات طابع سلمي، مثل إنتاج الوقود النووي، والعلاج بالإشعاع النووي. لكن ذلك يصطدم بالاتفاق الأصلي لعام 2015 الذي يحدد النسبة القصوى للتخصيب بـ3.67% فقط، ويحدد الكمية القصوى للمخزون بكمية لا تتجاوز 202.8 كغم فقط من اليورانيوم منخفض التخصيب.

كذلك تضمن تقرير الوكالة أن مخزون اليورانيوم المخصب بشكل عام وصل إلى حوالي 3200 طن بزيادة 707.4 كغم عن الربع الأخير من العام الماضي، أي بزيادة نسبتها 22.1% خلال ثلاثة أشهر فقط. وطبقا للإنجازات التي عرضتها إيران بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للصناعات النووية، فإنه من المستبعد أن تقدم طهران تنازلات لصالح الولايات المتحدة، بل على العكس من المتوقع أن تقدم أسبابا تكنولوجية وصناعية تبرر الحاجة إلى تخصيب اليورانيوم إلى 60% أو أكثر، حيث أنها تسعى لأن تصبح لاعبا جديدا في السوق العالمي للمحطات النووية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى