أقلام وأراء

ابراهيم نوار: العرب وقوتهم العسكرية: عندما يتحول الصفر إلى رقم صحيح!

ابراهبم نوار 9-11-2022 : العرب وقوتهم العسكرية: عندما يتحول الصفر إلى رقم صحيح!

غياب قوة العرب العسكرية هو أحد محركات الخلل الحالي في توازن القوى الإقليمي في الشرق الأوسط، لكن انتزاعهم لمقومات الاستقلال العسكري لا يعني إضافة قوة جديدة لشن الحرب؛ فإشعال حرب جديدة هو مجرد إضافة كمية إلى عدد الحروب المشتعلة فعلا، والقابلة للاشتعال بسرعة. قوة العرب العسكرية المستقلة يمكن أن تصبح العامل المرجح لإقامة توازن قوى إقليمي جديد، يوقف الخلل الذي يغذي التوتر وعدم الاستقرار والحروب في المنطقة.

ومن ثم فإن الدعوة إلى إقامة صناعات عسكرية عربية مستقلة، من شأنها على الأقل، أن تضع حدا للسباق الحالي على النفوذ في المنطقة، الذي خلقته حالة «الفراغ العسكري»، وهي حالة يجب أن يتبنى العرب استراتيجية لتجاوزها، لأنهم هم الفراغ، وأن يتحقق ملء الفراغ بقوتهم، وليس بقوة القيادة العسكرية الوسطى للولايات المتحدة، ولا بواسطة التوسع العسكري الإيراني الإقليمي، ولا التوسع التركي، وليس بواسطة إسرائيل، الساعية للهيمنة، على الرغم من كل ما ترتكبه من اعتداء على حقوق الشعب الفلسطيني، وما نشهده حاليا من تغول نفوذ قوى اليمين المتطرف المعادي للفلسطينيين والعرب. لا قوة عسكرية مستقلة للعرب من دون قدرة مستقلة على تصنيع السلاح، لأن من يصنع السلاح يحدد شروط استخدامه.

الدعوة لامتلاك قاعدة قوية ومتنوعة لصناعات عسكرية عربية، ليست دعوة للحرب، وإنما هي دعوة لتصحيح الخلل الذي يؤدي للحرب، وهي ليست دعوة لتشكيل قوة عربية مشتركة، لأن تلك قد فشلت، وليست لإقامة صناعات عربية مشتركة، لأن مشروعات من هذا القبيل قد تم تشويهها، وتحولت إلى مجرد طريق لتحقيق أرباح شخصية في ما يسمى «بزنس السلاح». لقد بدأ عدد قليل جدا من الدول العربية تطوير قاعدة لصناعة عسكرية قوية، ترتبط بقاعدة صناعية متنوعة، وعلى رأس هذا الدول السعودية ومصر والمغرب.

الرسالة التي نوجهها هنا أيضا هي أن هذه الصناعات في القرن الواحد والعشرين، يجب أن لا تتوقف عند حد تصنيع أجيال جديدة من الأسلحة التقليدية، وإنما يتعين عليها أن تسلك طريق إنتاج وتطوير معدات وأجهزة عسكرية حديثة، تقودها تكنولوجيات جديدة، مثل صناعات المعدات العسكرية الذكية، والمعدات «المسيرة» والموجهة عن بعد، وأسلحة الليزر، والأسلحة الكهرومغناطيسية، وأسلحة الفضاء، وأسلحة الحروب «السيبرانية» وغيرها. وإذا كانت الصناعات العسكرية، وليس استيراد السلاح، أحد شروط الاستقلال العسكري، فإن هذه الصناعات في العالم العربي يجب أن تقوم على أساس التكنولوجيا الأحدث في العالم.

ملفات مشتعلة بلا حل

مع زيادة حدة الاستقطاب العالمي، بين الولايات المتحدة وحلفائها من ناحية، وروسيا والصين وإيران من ناحية أخرى، تزيد أيضا حدة الاستقطاب في الشرق الأوسط، بسبب طبيعته الجيوستراتيجية، التي تجعله أحد محركات انقلاب توازن القوى العالمي من عصر إلى آخر. ومن الملاحظ أن زيادة حدة الاستقطاب أدت إلى تعثر إحياء الاتفاق النووي الإيراني، وإلى صعود التيار الديني المتطرف للسلطة في إسرائيل، وتعثر إحياء اتفاقية الهدنة في اليمن، وتعثر التوصل إلى حل للحرب الأهلية الليبية، واستمرار الصراع في سوريا، وتكرار الأزمات السياسية في العراق، وبقاء القرن الافريقي ساحة للحروب والتدخلات من كل نوع.

إن حدة الاستقطاب تتجلى في تراكم الملفات السياسية والعسكرية المؤجلة بلا حل. وإذا أضفنا إلى ذلك تأثير تداعيات الحرب الأوكرانية، وتزايد النشاط العسكري الاستفزازي للولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا، والاحتمال القوي جدا لفوز الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، كليا أو جزئيا، فإن الصورة العامة للصراع على النفوذ في العالم تنبئنا بأن النظام العالمي الحالي، الذي نشأ بعد الحرب الباردة، فقد القدرة على تحقيق الاستقرار، وهو ما يبطل مبررات استمراره، قبل أن يتحول عدم الاستقرار إلى فوضى عالمية، تطير فيها الصواريخ العابرة للقارات فوق الرؤوس، وتشتعل فيها حرائق الحروب في نقاط مختلفة من العالم، بل إن الأمر قد يصل إلى حد نشوب حرب نووية، لن تشفي دمارها أبدا محاولة طرف إلقاء اللوم على الطرف الآخر. إن مشروعية بقاء أي نظام لتوازن القوى في العالم ترتبط بقدرته على تحقيق الاستقرار.

الشرق الأوسط في عين العاصفة

المرحلة الحالية التي يمر بها النظام العالمي مليئة بالإرهاصات التي تسبق سقوط النظام القائم، وتمهد لنظام جديد. ويفسر عدد كبير من المفكرين وصناع الخطاب السياسي في الغرب حالة عدم الاستقرار والأزمة العالمية الحالية، بأن القوى المنافسة تلجأ إلى أساليب خبيثة في محاولتها السيطرة على العالم، لكن محاولة تصدير هذا الخطاب إلى بقية أنحاء العالم فشلت، حيث رفضت الدول الافريقية، على سبيل المثال، الانحياز لدول حلف الأطلنطي في الأزمة الأوكرانية، كما رفضت دول داخل التحالف الغربي نفسه، مثل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، أن يكون موقفها من الصين مطابقا للموقف الأمريكي. وتواجه السياسة الأمريكية ضد كل من روسيا والصين امتحانا عسيرا في الشرق الأوسط، حيث فشلت في إقناع الدول العربية بالوقوف معها في مواجهة عدو واحد.

وعلى العكس من ذلك فإن أغلبية القيادات السياسية العربية، تدرك أن لها مصالح مشتركة مع كل من الصين وروسيا، لا تقل عن مصالحها مع الولايات المتحدة. مرحلة الإرهاصات الحالية التي يمر بها النظام العالمي سوف تنتج، في نهاية الأمر، توازنا جديدا للقوى يختلف عن ذلك الذي نشأ بعد نهاية الحرب الباردة، الذي كانت إحدى سماته الرئيسية قيام الولايات المتحدة بشن حروب منفردة، وقعت كلها داخل نطاق الشرق الأوسط الكبير، الممتد من أفغانستان إلى العراق والخليج والقرن الافريقي.

ومع ذلك فإن الدول العربية تكاد تكون غائبة عن ساحة المنافسة والمشاركة في إعادة تشكيل النظامين العالمي والإقليمي، بينما تتنافس على النفوذ مراكز جديدة مثل تركيا وإيران والصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا. وعلى مستوى الإقليم تتنافس على النفوذ إسرائيل وتركيا وإيران، وتبدو الدول العربية غائبة، حتى عن إقليمها الذي تعيش فيه.

السعودية عملاق صناعي – عسكري

ينعدم طلب القوة والمنافسة على النفوذ طالما اعتمدت الدول العربية على غيرها في القيام بواجب حمايتها والدفاع عنها. كما أن طلب القوة يكون مجرد شعارات فارغة، إذا لم تتوفر له شروط مسبقة أهمها، إقامة صناعات عسكرية مستقلة متنوعة ومتقدمة تكنولوجيا وملائمة لأغراض الدفاع. إن شرط وجود صناعات عسكرية بالمواصفات التي ذكرناها يمثل شرطا مسبقا، لكنه ليس الشرط الوحيد لطلب القوة. كذلك فإن صناعة القوة تحتاج أيضا إلى توفر مقوماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إضافة إلى تفعيل مقومات القوة الناعمة كافة. ومن تأتي ثم أهمية ما ندعو إليه من ضرورة إقامة صناعات عسكرية عربية، من خلال إقامة مراكز للتصنيع العسكري، وهو ما لا يتعارض مع وضع استراتيجية إقليمية عربية لإقامة قاعدة للصناعات العسكرية، من خلال سلاسل متكاملة لإنتاج مكونات الأسلحة في ما بينها. الدولة العربية الأقرب للقدرة على كسب معركة المنافسة على النفوذ في المنطقة هي المملكة السعودية، التي انتقلت منذ عام 2015 من سلطان «التقليد» إلى سلطة «التجديد»، ومن «عصر الركود» إلى «عصر الصعود».

وربما جاءت حرب اليمن استجابة متعجلة لضغوط سياسية ومذهبية، لكنها لم تعطل مسار عملية الانتقال الداخلي حتى الآن، كما أن إنهاءها يتطلب إنهاء حالة الاستقطاب الإقليمي الحاد القائمة حاليا. وقد حققت السعودية انطلاقة كبرى خلال السنوات الماضية، وهي في طريقها للارتقاء من كونها القوة الاقتصادية الأولى في الشرق الأوسط، لأن تصبح القوة العظمى الإقليمية الأولى، وإحدى القوى الرئيسية في العالم، عندما تبني قاعدة صناعاتها العسكرية المستقلة، وتتخلى عن كونها واحدا من أكبر مستوري السلاح في العالم.

وأستطيع القول بأن إعلان قيام «الشركة السعودية للصناعات العسكرية – سامي» في مايو 2017 يمثل علامة فاصلة في تاريخ صناعة القوة في السعودية، التي بدأت منذ ذلك الوقت رحلة جديدة على طريق بناء قدراتها العسكرية المستقلة، من خلال استهداف توطين 50% على الأقل من صناعات المعدات العسكرية والأسلحة التي تحتاجها، ما يعني أن الصناعات العسكرية ستصبح قاطرة لتقدم الصناعة السعودية كلها. وتتمتع قاعدة الصناعات العسكرية الناشئة بوفرة التمويل، كما أنها لا تواجه عقبات في بناء شراكات مثمرة عبر العالم من سنغافورة إلى الولايات المتحدة، تسهل توطين التكنولوجيا المتقدمة.

ولتحقيق ذلك فإنها تحتاج إلى إمدادات مستمرة من المهارات البشرية الوطنية، خصوصا في مجالات تكنولوجيا الإنتاج والتصميمات الصناعية والإدارة، بما يضمن أن تكون الصناعات العسكرية امتدادا صحيا للصناعات الهندسية السعودية، وأن يتم ابتكار أسلحة ومعدات عسكرية أكثر ملاءمة للرد على التحديات الدفاعية الإقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى