ترجمات أجنبية

إندبندنت – هل تؤذن الانتخابات المقبلة بانعطاف فرنسي إلى اليمين؟

إندبندنت ٩-٤-٢٠٢٢م – بقلم ماري ديجيفسكي 

انتخابات بالكاد بدت وكأنها تحظى باهتمام [المسؤولين] في المملكة المتحدة أو في الاتحاد الأوروبي استقطبت فجأة الأضواء، خصوصاً وأن استطلاعات الرأي باتت تشير إلى أن مارين لوبن، مرشحة اليمين المتطرف، ربما توشك إلى حد كبير على طرد الرئيس إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه مما كان يعتقد كثيرون.

الأنباء عن أن [مارين لوبن] قد تمكنت من تقليص الفارق [بينها وبين ماكرون] إلى أقل من أربع نقاط مئوية في انتخابات الدورة الأولى وإلى أقل من نقطتين في حال فشل أي كان في تخطي عتبة الخمسين في المئة من الدورة الأولى والإجراء التلقائي للدورة الثانية، دق ناقوس الإنذار في أوساط الأسواق المالية مرجحاً أن عيوناً كثيرة ستتركز على باريس عندما تغلق صناديق الاقتراع الحقيقية للدورة الأولى [من هذه الانتخابات] عشية الأحد المقبل.

على مدى الأشهر الماضية، لطالما رأى كثيرون أن إعادة انتخاب ماكرون لولاية ثانية بمثابة أمر محسوم سلفاً، وكان بالتأكيد أحد الأسباب وراء عدم الاكتراث كثيراً بتلك الانتخابات خارج فرنسا كما تستحق عادة. كان هناك وعي عام أن ماكرون يتصرف وعينه على حظوظه الانتخابية عندما قام بشكل اعتبر أقل شعبية في الخارج- عندما فرض إجراءات للحد من التنقل للوقاية من كوفيد قبل أعياد الميلاد الماضية، وأيضاً إبداءه غضبه العارم من التحالف الدفاعي الثلاثي [المعروف بـأوكوس AUKUS] بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وأستراليا، وعدم بذل جهود فرنسية أكبر لمنع عبور زوارق اللاجئين الصغيرة القنال [بين الشواطئ الفرنسية والبريطانية] ويبدو أيضاً أنه مصمم على مواصلة [محاولة] الحديث مع النظام في موسكو، حتى في مرحلة ما بعد اجتياح روسيا لأوكرانيا.

لكن الانتخابات نفسها بدت وكأنها اختفت من التداول حتى مع اقترابها. كما لو أن أمرها انقضى ولم يبق منها سوى أصوات موسيقى النشيد الوطني الفرنسي المعروف بالمارسييز Marseillaise المزهو بالنصر. وتفسير واحد لذلك هو أن ارتفاع أسهم ماكرون الانتخابية الذي تمت ملاحظته بعيد الأيام الأولى للحرب الأوكرانية كان مرتبطاً بظهوره كوسيط أمين، ولكن تأثير ذلك قد بدأ ينفد، فيما قد يكون تردده في قطع علاقاته تماماً مع موسكو قد تحول ربما إلى عبء ينفر الناخبين منه [يؤدي إلى نأي الناخبين عنه].

المخاوف من تراجع مستويات المعيشة- وهي حالياً العنوان الرئيس للحملات الانتخابية- قد تؤشر إلى الحاجة إلى علاجات أقوى من مجرد المساعي التي يقوم بها مسؤول تكنوقراطي بكفاءة الرئيس ماكرون.

لكن هناك أسباباً كثيرة تشير إلى أن الأفضل للمتابعين من الخارج ربما هو أن يحافظوا على هدوئهم [يتمالكوا أعصابهم] ويواصلوا عملهم. فاستطلاعات الرأي يمكن أن تشهد تقلبات، خصوصاً في الأسبوع الأخير قبل فتح صناديق الاقتراع. ولا يقتصر الأمر فقط على معسكر المرشحة لوبن الذي قد يكون من مصلحتها المبالغة في تصوير فرصها للوصول إلى الجولة الثانية، والتي ستجرى في 24 أبريل (نيسان)، في حال فشل أي من المرشحين في هذه الانتخابات من حصد نسبة 50 في المئة من الأصوات الأحد. الخوف من نتيجة تحمل لوبن [إلى سدة الرئاسة] هو ربما ما قد يحفز أنصار ماكرون على الإدلاء بأصواتهم [بكثافة]، بسبب القلق من أن الثقة الزائدة [بتحقيق ماكرون النصر] من شأنه أن يحد من نسبة الإقبال.    

في أغلب الانتخابات الفرنسية التي يمكنني أن أتذكرها، لطالما كانت الدورة الأولى من تلك الانتخابات أكثر تعقيداً بطرق أخرى: فعدد الناخبين الكبير الذين لم يحسموا خياراتهم، وتردد البعض في الكشف عن  نيتهم التصويت لصالح [مرشحي] تيار اليمين المتطرف، إضافة إلى العدد الكبير للمرشحين الراغبين بخوض المنافسة. ففي هذه الانتخابات هناك ما لا يقل عن 12 مرشحاً، ومن ضمنهم مرشح تيار اليسار الراديكالي، جان لوك ميلانشون Jean-Luc Melenchon، والذي قد يحل ثالثاً بعد لوبن وماكرون، لكنه لا يزال يأمل في أنه سيتمكن من تحقيق نتيجة تؤهله لخوض المنافسة في الدورة الثانية.

ميلانشون بطباعه الفظة والصاخبة هو من المدافعين عن العدالة الاجتماعية، ويشبه كثيراً زعيم حزب العمال البريطاني السابق جيريمي كوربين Jeremy Corbyn. فهو يساري مخضرم يستقطب تحديداً في الحواضر المدينية أبناء بلده من الشباب المتحدرين من عرقيات متنوعة. حماسة أنصاره ظهرت خلال التجمعات الانتخابية الكبيرة عبر تلويحهم بالأعلام في مدينة ليل Lille الشمالية، مساء الثلاثاء الماضي، كما أن ما يميزه في الواقع أيضاً هو أن خطاباته تستهدف بدرجة أقل الرئيس ماكرون أو أي من خصومه المصطفين إلى يسار الفضاء السياسي بل هي غالباً ما توجه ضد لوبن. فميلانشون في المحصلة عليه على الأرجح أن يهزم لوبن كي يفوز بفرصة خوض الدورة الثانية من الانتخابات.

أضف إلى ذلك أحد العوامل التي تعقد أكثر عملية التصويت وهو سيطرة موضوعين رئيسيين على آخر مراحل الحملات الانتخابية- وهما كلفة المعيشة [المرتفعة] والحرب في أوكرانيا- إلى درجة حيدت من خلالها تماماً معظم نقاط الاختلافات السياسية الأخرى [بين المرشحين]. فالبرنامج الانتخابي المؤلف من سبعين نقطة للمرشحة الاشتراكية آن هيدالغو Anne Hidalgo، والتي شغلت منصب عمدة باريس على مدى ثمانية أعوام، بدا في هذه الظروف خارجاً عن السياق تماماً [منفكاً عن الواقع].

الرئيس ماكرون، من جانبه، يمكنه أن يتباهى بتحقيق عهده إنجازات اقتصادية معقولة، حيث سجلت نسبة بطالة منخفضة. والتزامه سياسة لتوفير الطاقة لبلاده تبدو جيدة مقارنة مع معظم الدول الأوروبية الأخرى، حتى ولو قطعت فرنسا علاقاتها تماماً مع روسيا. وبدا الرئيس ماكرون مرتاحاً مع بداية الحملات الانتخابية بنسبة كبيرة إلى الحد أنه غامر بطرح اقتراحات خلافية، بما فيها رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً، وتوفير محفزات لمن يتلقون عوناً اجتماعياً حكومياً لمزاولة العمل أو قبول الانخراط في برامج تدريب [تعيد تأهيلهم للعمل]. فإن بدا وكأن الرئيس ماكرون قد بدأ يفقد شيئاً من شعبيته، فإن ذلك قد يعود ليس فقط إلى انحسار أثر دوره في توجيه دقة مساعي [تلافي] تلك الحرب، بل أيضاً إلى تلك المقترحات التي تمثل “تيار اليمين” التي طرحها أيضاً ولو بشكل جزئي.

ربما أن تقارب الأرقام في استطلاعات الرأي، لو كان ذلك يحدث فعلاً، يتعلق بدرجة أقل بما يقوم به ماكرون مقارنة بالتغيير الذي طرأ على لوبن، والذي يلقى ترحيباً أكبر [من السابق] في أوساط الفرنسيين مع تقدم الحملات الانتخابية. وهذا أيضاً سبب يشير إلى أنه وعلى الرغم من أن وصول لوبين إلى سدة الرئاسة لا يزال مستبعداً ومقززاً أيضاً بالنسبة لكثير من الناخبين الفرنسيين- فهي تثير قدراً أقل من المخاوف [بين الناخبين] مما كان عليه الوضع في الماضي في فرنسا وخارجها.  

التغيير الذي حققته لوبن في سياساتها على مدى الأعوام الخمسة الماضية منذ الانتخابات الأخيرة كان مفاجئاً فعلاً. فهي تظهر ليونة أكبر، وهي أكثر قرباً من الناس، وأقل حدة وتزمتاً في مواقفها من السابق- وأكثر إنسانية مقارنة مع الماضي. في خطابه، سخر ميلانشون Melanchon، من طريقة استخدام لوبن لحيواناتها الأليفة- وهي سبع قطط- كجزء من صورتها الترويجية الجديدة من دون أن تؤذيها تلك السخرية على الإطلاق.

وكانت هناك تغييرات على مستوى السياسات والمؤسسات أيضاً. حزب الجبهة الوطنية National Front أعيدت تسميته “التجمع الوطني” National Rally )يحمل في طياته معنى إيجابياً في اللغة الفرنسية أكثر مما هي عليه الحال في الإنجليزية)، كما أنها ابتعدت عن المبادئ المحافظة اجتماعياً والعنصرية الفاضحة التي كان يتمسك بها (وهي كانت دوماً مبادئ شكلت جزءاً من خطابه الإعلامي). وهي تخلت أيضاً عن معارضتها لعضوية فرنسا في الاتحاد الأوروبي وعملة اليورو، وعدلت عن معارضتها أيضاً لعضوية فرنسا في حلف الأطلسي- وهي كلها تحولات زادت من رصيدها وسط عودة روح التضامن الغربي.

لكن بالطبع فإن حزب “الجبهة الوطنية” القديم لم يندثر- على الأقل لم يطو بعد مبادئه المعادية للهجرة وتمسكه بما يراه الحزب بنمط  الحياة التقليدية الفرنسية. لكن على ما يبدو لم يعد الأمر ضرباً من المستحيل أن تتبوأ لوبن منصباً وطنياً، وحتى أن تصبح رئيسة للدولة.  

كثير من أعدائها السابقين قد لاحظوا شيئاً يشبه إلى حد كبير تصرفاتها التي ترقى إلى مؤهلات رجل الدولة statesmanship  من خلال عدم انزلاقها إلى انتقاد طريقة تعامل الرئيس ماكرون مع الحرب في أوكرانيا. كل ذلك يمكنه أن يسهم ربما في شرح الأسباب وراء عدم اضطراب الأسواق المالية كثيراً بعد ارتفاع أسهمها في استطلاعات الرأي بشكل مشابه للصدمة الفظيعة التي أصابت القطاع المالي بعد وصول والدها (جان ماري لوبن) إلى الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة في عام 2002.

وعلينا ربما أيضاً أن نرى تلك التغيرات التي طرأت على لوبن ومسألة انحسار الفارق في النقاط وفق استطلاعات الرأي من منظار أوسع. فعندما فاز ماكرون بالرئاسة قبل خمس سنوات عبر تأسيسه حركة سياسية هي “إلى الأمام” En Marche، والتي تحولت إلى حزب سياسي يضم تحت مظلته أفكاراً يسارية ويمينية. كانت هناك شكوك حول إمكانية صمود إعادة تشكيل المشهد الانتخابي الفرنسي هذا إلى ما بعد السنوات الخمس من عهد ماكرون الرئاسي.

والحقيقة أن هذا التوجه لم يصمد فحسب، بل إن سطوة ماكرون على الحياة السياسية الفرنسية قد نجحت في دفع المعارضة أكثر نحو اليسار ونحو اليمين، مما أدى إلى تقزيم تيار يسار الوسط وتيار يمين الوسط  في تلك الأثناء. فكل من مرشحة الحزب الاشتراكي آن هيدالغو Anne Hidalgo، وفاليري بيكريس Valerie Pecresse، مرشحة الحزب الغولي Gaullists [نسبة إلى شارل ديغول] لم تنجحا في تحقيق سوى نقطتين وعشر نقاط، وفق استطلاعات الرأي على التوالي. وهذا من شأنه أن يبدو ككارثة بالنسبة للساحة السياسية الفرنسية التقليدية حيث يسطر ذلك تحولاً نحو اليمين في تموضع مركز ثقل السياسة الفرنسية حالياً.

وإذا صحت التوقعات وفق ما تبدو عليه الأمور، فقد يصبح الرئيس ماكرون أول رئيس فرنسي يشغل منصب الرئاسة الفرنسية لولايتين منذ أجيال، وربما قد تصبح التغيرات التي طرأت مع توليه الرئاسة في 2017 دائمة. وإذا حدث ذلك، فعلى العالم في حينه أن يعتاد على فرنسا حيث تيار اليمين فيها لديه تأثير أكبر من قبل [على الحياة السياسية الفرنسية]، وذلك التأثير [النفوذ] تجسده مارين لوبن إلى حد ما.    

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى