ترجمات أجنبية

إندبندنت : من خلال تضخيم التهديد الروسي ساعد الغرب على إشعال شرارة هذه الحرب

ماري ديجيفسكي

إندبندنت ١١-٥-٢٠٢٢م ، بقلم ماري ديجيفسكي 

نظّمت روسيا، الاثنين، 9 مايو (أيار)، استعراضها المُعتاد بمناسبة يوم النصر في الساحة الحمراء، واصطفّ الرئيس بوتين ووزراؤه وكبار ضباطه على المنصة، كما فعل أسلافهم السوفيات ذات مرة، ليشاهدوا عرض القوة الروسية الحديدي. ومن جانبهم، سيوجه الدبلوماسيون والخبراء العسكريون الغربيون انتباههم بحثاً عن أي شيء جديد، تماماً كما فعل نظراؤهم أيام الحرب الباردة من قبلهم.

وفيما تخوض روسيا حرباً في أوكرانيا، فإن استعراض يوم النصر هذا العام موضع ترقب شديد في الخارج، والأرجح أنه كذلك في روسيا أيضاً، سعياً لالتقاط أي إشارات قد يرسلها حول نوايا موسكو. وبالنسبة إلى الكرملين، فإن الذكرى السنوية لهزيمة ألمانيا النازية قد توفر فرصة مثالية لتكرار عنصر “اجتثاث النازية” للأسباب المنطقية التي قدمها للهجوم على أوكرانيا.

من جهة أخرى، يمكن التقليل من شأن تلك الرسالة (اجتثاث النازية)، أو حذفها، ما سيشير ربما إلى قبول روسيا بقاء حكومة أوكرانيا.

وقد اقترح البعض أن روسيا يمكن أن تسرّع في الاستيلاء على ميناء ماريوبول، مهما كلّف الثمن، بالتالي يكون هناك نصر واحد على الأقل في جعبتها لكي تعلن عنه (في يوم النصر). بينما تكهن آخرون بأن الحماسة الوطنية الذي تمت إثارتها بواسطة العرض يمكن أن يمهد الطريق أمام بوتين لإعلان التعبئة العامة، في اعتراف ضمني بأن من الممكن إعادة إطلاق الحملة.

وعلى أية حال، من المقرر أن تكون إجراءات هذا العام موضع مراقبة عن كثب بشكل أكبر مما حصل منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وربما قبل ذلك. وسيكون من المفيد إذا أدّى إحياء ذكرى النصر يوم الاثنين إلى تذكير العالم الغربي أيضاً بشيء آخر، حتى مع تشديده على الثمن الذي سيترتب على روسيا أن تدفعه. فمهما كان العتاد [العسكري] مثيراً للإعجاب، ومهما كانت القوات منضبطة، ومهما كانت الألحان حماسية، فإن هذا المشهد الفخم في الساحة الحمراء سيكون عرضاً فحسب. وهو لن يقول الكثير عن القوة الحقيقة للقوات المسلحة الروسية أو قدراتها في الميدان.

ولا يزال كُثر من مراقبي روسيا الغربيين يسمحون لأنفسهم بالخلط بين المظهر اللامع والواقع المُشوّه، خصوصاً حين يتصل الأمر بقوات موسكو المسلحة. وإن أحد أخطاء الغرب الرئيسة في ثمانينيات القرن الماضي كان الإفراط في تقدير التهديد العسكري الذي تمثله روسيا. ومن العجيب والخطير أيضاً أن الخطأ نفسه لا يزال مستمراً، وقد ساعد الآن على تصعيد توترات قديمة العهد لتتحول إلى حرب تقليدية تماماً.

وخلال الحرب الباردة كان الميل للمبالغة في تقدير قوة الاتحاد السوفياتي العسكرية مفهوماً لحد ما. امتد الاتحاد السوفياتي على أراضٍ شاسعة، وبلغ عدد سكانه 287 مليون نسمة، في عام 1985، وهو أكثر من عدد سكان الولايات المتحدة البالغ حينها 238 مليون نسمة. وكانت الهزيمة التي ألحقها الجيش الأحمر بألمانيا لا تزال في الذاكرة الحية لكثيرين، بينما كانت أزمة الصواريخ الكوبية وسباق الفضاء قد تركا بصماتهما على كثير من القادة الغربيين في سنواتهم المبكرة حين كانت شخصياتهم تتكون.

وتم النظر أيضاً إلى الأسلحة النووية ليس بوصفها وسيلة ردع، بل كأداة لتحقيق المساواة: حتى لو بدا الاتحاد السوفياتي أضعف من الغرب في معظم النواحي العسكرية، فإن قدراته النووية كانت تمثل مجازفة مرعبة للتدمير المتبادل المؤكد. ومن هنا جاء التأكيد على اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية في ذلك الوقت، حتى إن مصطلح “فولتا العليا مع الصواريخ” [فولتا العليا الاسم السابق لبوركينا فاسو والمصطلح استخدم في منتصف القرن الماضي للاستخفاف بالاتحاد السوفياتي وصف تناقضاته كدولة متخلفة اقتصادياً ومدججة بالصواريخ]، الذي استخدم لتشويه سُمعة ما اعتبر أولويات اقتصادية منحرفة للاتحاد السوفياتي، فإنه انطوى أيضاً على تهديد بوجود خطر من عدم القدرة على التكهن [بسلوك السوفيات] العسكري.

وبدأ المحللون الغربيون يعيدون النظر في التهديد العسكري المفترض، في أعقاب الانهيار، الذي لم يكن متوقعاً إلى حد بعيد، للاتحاد السوفياتي، وخلصوا إلى أن لدى الغرب أموراً أقل بكثير ليخشاها مما كان يُعتقد عموماً. وإن شعوراً واقعياً بالضعف السوفياتي ربما يكون السبب وراء اهتمام ميخائيل غورباتشوف بإبرام معاهدات أسلحة مع الولايات المتحدة، والتي لم يُعطِ لها أهمية أو تقدير في ذلك الوقت.

وبدلاً من ذلك، كان التشديد الغربي على ضرورة احتواء الاتحاد السوفياتي وتحجيم ما كان يُنظر إليه على أنه تهديد رئيس للسلام العالمي، غير أن تقدير ذلك التهديد قد تعرض للتشويه جرّاء الفشل في رؤية حالة الاختلال الوظيفي للاقتصاد المدني، مع النقص المتزايد حتى في الحاجات الأساسية، وهو شح انطبق أيضاً إلى حد بعيد على الاقتصاد العسكري. وحتى حين سحب غورباتشوف الجيش السوفياتي الرث من أفغانستان، اعتُبر ذلك تنازلاً سياسياً أمام الضغط الشعبي بدلاً من كونه دليلاً على أن الآلة العسكرية التي يفترض أنها تتمتع بموارد جيدة، كانت في محنة. كان الغرب في وضع أقوى بكثير مما اعتُقد.

إن فشل الغرب في تمييز الضعف الحقيقي للقوات المسلحة السوفياتية فيما اندفع الاتحاد السوفياتي بشكل طائش نحو انهياره التام، يجعل ارتكابه [الغرب] الخطأ نفسه مرة ثانية أكثر إثارة للدهشة. علامات التحذير كانت ظاهرة للعيان.

ولم تُخضع القوات الروسية إقليم الشيشان المتمرد إلا باللجوء إلى أكثر التكتيكات قسوة وبدائية. وكان الأداء الباهت للقوات الروسية خلال حرب جورجيا، حين واجهت القوات الجورجية التي دُرّبت وجُهّزت حديثاً من أجل [الانضمام] في المستقبل إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قد دفع بوتين إلى البدء في برنامج كبير لزيادة الإنفاق والإصلاحات الهيكلية، غير أنه لم يكن واضحاً على الإطلاق إلى أي حد تتوافق النتائج المعلنة لهذه التغييرات مع الواقع، بل لأي مدى كانت الأسلحة الفرط صوتية، على سبيل المثال، والتي ظهرت في فيديو مبهرج بُث خلال كلمة حالة الأمة التي ألقاها بوتين في عام 2018، تعمل بالفعل.

والآن، فإن الانتكاسات التي تعرضت لها القوات الروسية في أوكرانيا على امتداد الأسابيع الثمانية الماضية توحي بأن تشكيلة مؤلفة من الفساد، والتدريب غير الكافي، والروح المعنوية الضعيفة، قد عرّضت العمليات للخطر. وحتى إذا استطاعت روسيا في النهاية أن تحقق ما كان على الأرجح الحد الأدنى من أهدافها، أي [إنشاء] ممر بري بين روسيا وشبه جزيرة القرم، التي ضمّتها إليها من دون معارضة محلية تذكر في عام 2014، فإن أوكرانيا كانت ناجحة بما يفوق معظم التوقعات في تقييد روسيا.

وإذ يظهر أن روسيا قد قصرت فهذا لا يعني أنها يمكن أن تكون كذلك فعلاً أو أنها ستُهزم في أوكرانيا. كما أنك لا تستطيع أن تحدد بشكل قاطع إلى أي مدى كان أداؤها ضعيفاً وبأي طرق، وذلك من دون أن تعرف تفاصيل خططها، لكن ما يمكن استخلاصه بشكل معقول من العمليات الروسية هو احتمال أنه كان لدى موسكو طوال هذا الوقت تقييم أكثر واقعية بكثير لقدراتها مقارنة بالولايات المتحدة والناتو، حتى مع استمرار الإجماع الغربي الساحق على أن روسيا بقيادة بوتين تشكل تهديداً هائلاً.

أما لماذا أصرّ الغرب على الاستمرار في ما يبدو الآن وكأنه إساءة تقدير عميقة، فقد يكون السبب الذي يمكن غُفرانه أكثر من غيره هو أن الغرب أراد أن يتوخى أقصى درجات الحذر وعدم المجازفة بارتكاب خطأ في التقدير. أما التفسير الأكثر ريباً فهو أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودولاً أخرى أرادت إبقاء قطاعات الدفاع لديهم تعمل وتحقق أرباحاً. ومع ذلك، فإن إصرار الغرب في كلتا الحالتين على إساءة التقدير أمر مهم.

وكما نرى حالياً في أوكرانيا، فالحقيقة أن تهديد روسيا العسكري للغرب، أي لدول حلف الناتو الغربية، قد تم تضخيمه خارج حدود المعقول. ربما يكون الغرب قد درّب القوات الأوكرانية وقدم لها الإمدادات اللازمة، غير أن ما قامت به لجهة تأخير تقدم روسيا إلى الحد الذي تم فيه ذلك، من دون وجود قوات تابعة لحلف الناتو على الأرض، هو إنجاز غير عادي ويستحق الثناء. وفي [الصراع الذي] يبدو بوضوح الآن أنه “حرب بالواسطة”، فإن الغرب يتغلّب على روسيا.

وهذا بالتأكيد هو أحد الأسباب التي تفسر لماذا كانت روسيا حتى الآن مترددة بالمجازفة بأي عمل من شأنه أن يدفع حلف الناتو إلى المشاركة مباشرةً في الحرب. إلا أنه أيضاً يُلقي ضوءاً مختلفاً أيضاً على اعتراضات روسيا طويلة الأمد على توسع الناتو، وبشكل خاص على عضوية أوكرانيا. ومن خلال الحفاظ على شبح التهديد الروسي الذي تم تضخيمه، رفض الغرب على الدوام مخاوف روسيا المعلنة بشأن الناتو، وأصرّ على أنه حلف دفاعي محض لا يجب أن تخشى روسيا شيئاً منه.

ويتضح أنه كانت لدى روسيا فكرة أكثر واقعيّة، مما حسب الغرب، عن القوة التي تتمتع بها، أو التي تفتقر إليها. لقد أخطأ الغرب بشكل قاتل في قراءة دولة ضعيفة على أنها دولة قوية، ما يعني أن محاولاته للتكهن بسلوك روسيا [والتشكيك به] كانت خاطئة إلى حد بعيد. وإذا كانت هناك أي علاقة جديدة بين الغرب وروسيا، ومن المستبعد أن يحصل ذلك في وقت قريب جداً، فإن على الغرب أن يبدأ مع إعادة التقييم الأساسية هذه. ويتعيّن عليه أن يقبل أن روسيا دولة ضعيفة، وأن الغرب وحلف الناتو قويان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى