إندبندنت: مع نأي واشنطن بنفسها، على حلف “الناتو” أن يصبح أوروبيا

إندبندنت 26-1-2026، ريتشارد شيريف*: مع نأي واشنطن بنفسها، على حلف “الناتو” أن يصبح أوروبيا

تمسكت خلال معظم حياتي المهنية بافتراض وحيد وراسخ: أن الولايات المتحدة هي دعامة الأمن الغربي. كانت خطط حلف شمال الأطلسي (الناتو) وعمليات الردع والدفاع الجماعي تعتمد على قيادة الولايات المتحدة وجدارتها. أما اليوم، في عهد الرئيس دونالد ترمب، فلم يعد هذا الافتراض صحيحاً.
وهذا أمر غير مرتبط بالخطاب أو الشخصية، بل بالنية. يجب أن نكف عن إقناع أنفسنا بأن ترمب لا يعني ما يقوله. فهو يعني ما يقوله. عندما يقول إنه يريد غرينلاند، فإنه يعني ذلك. وعندما يتحدث عن كندا باعتبارها الولاية الـ51، فإنه يعني ذلك. وعندما يهدد حلفاءه بفرض رسوم جمركية عليهم أو بممارسة الإكراه أو يقدم مطالبات إقليمية، فإن هذه الأمور ليست مزاحاً أو مناورات تفاوضية، بل هي سياسة.
لقد ارتكب الغرب خطأً فادحاً عندما تعامل مع ترمب بجدية ولكن ليس حرفياً. يرى المستبدون والمتنمرون في التساهل ضعفاً. وفي هذه الحال فإن الاسترضاء لا يجلب الاستقرار، بل يشجع على التصعيد. لأن التمساح لا يكتفي بما حصل عليه منك، بل يعود دائماً للمطالبة بالمزيد.
مما يجعل الوضع الحالي خطيراً للغاية هو أن التهديد لم يعد خارجياً. إن “الناتو” تحالف قائم على الثقة والقيم الديمقراطية المشتركة والدفاع الجماعي. ولا تقوم المادة الخامسة فقط على مبدأ أن الهجوم على أحد الأعضاء هو هجوم على الجميع، بل تستند أيضاً إلى افتراض أن أياً من الأعضاء لن يهدد عضواً آخر. لكننا نواجه الآن واقعاً استثنائياً يتمثل في أن الدولة التي تتزعم “الناتو” تهدد علناً الدنمارك التي تعد من أكثر الدول المساهمة في التحالف ولاءً وشجاعة.
دفعت الدنمارك ثمناً باهظاً لدعمها العمليات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان. فقد كانت خسائرها البشرية من بين أعلى الخسائر بين جميع الحلفاء مقارنة بعدد السكان. إن تشكيك واشنطن في سيادة الدنمارك ليس مجرد إهانة، بل هو انتهاك جوهري للثقة يهدد مستقبل حلف “الناتو”.
فلننظر إلى الانعكاسات العملية. إذا حطت القوات الأميركية في غرينلاند، فلن ترفع علمها على أرض جليدية خالية، بل ستكون قد دخلت أراضي دنماركية يدافع عنها حلفاء تعهدوا بالفعل بحماية الدنمارك، بما فيهم بريطانيا.
ومن شأن هذا السيناريو أن يفضح عدم جدوى حلف “الناتو”. والأسوأ من ذلك أنه سيمنح فلاديمير بوتين ما يسعى إليه بالضبط: غرب منقسم وعاجز عن الدفاع الجماعي وضعيف أمام الإكراه بمجرد القضاء على أوكرانيا.
ليس الاسترضاء مجرد خطأ في التقدير، بل هو أمر خطير. إن تقاعس أوروبا عن الرد بحزم على الرسوم الجمركية العقابية التي فرضتها الولايات المتحدة، وسعي بريطانيا المعلن إلى الحصول على إعفاءات، أمران يبعثان برسالة خاطئة. فترمب يحب التفرقة. وإذا ما تفرقت الدول لحماية نفسها، فإن الاتحاد ينهار. ومن دون اتحاد، يموت حلف “الناتو”.
ما العمل إذن؟
أولاً، يجب تقبل الواقع. ففي عهد ترمب، لم يعد من الممكن التعامل مع الولايات المتحدة كحليف موثوق. وهذا ليس معاداة لأميركا، بل هو تدبير احترازي. يتعين على وزارات الدفاع ورؤساء الأركان أن يخططوا لأسوأ الاحتمالات العسكرية، بما في ذلك السيناريو الذي لم يكن وارداً في السابق: اعتداء الولايات المتحدة على حليف في “الناتو”. فإذا لم يفعلوا ذلك، يكونون قد أخلوا بواجبهم.
ثانياً، على أوروبا وكندا أن تقفا معاً دون تردد أو غموض. ويجب أن توحدا موقفهما تماماً. فالرسوم الجمركية والتهديدات والترهيب لا تنجح إلا في حال فرقتنا. لأن الاتحاد هو الرادع.
ثالثاً، يجب إعادة تنظيم “الناتو” ليصبح أوروبياً، وليس من المطلوب تفكيك الحلف، بل إعادة ضبط توازنه. يمتلك حلف “الناتو” بالفعل الهياكل القيادية والعقيدة والقدرة على التشغيل التعاوني اللازمة كي يعمل كما يجب. لكن ما يجب تغييره هو حالة التبعية. فعلى مدى عقود، عهدت أوروبا بأمنها إلى واشنطن فيما استثمرت أرباحها في مجالات أخرى. وقد انتهت تلك الحقبة. من الضروري زيادة الإنفاق العسكري الآن، وليس تقديم تعهدات مبهمة بفعل ذلك بعد عقد من الزمن.
ولا يتعلق الأمر بالمال وحده، بل بالعقلية أيضاً. فالحرب الحديثة، كما أظهرت أوكرانيا، يعاد تشكيلها عبر الطائرات المسيرة، والأنظمة الذاتية، والذكاء الاصطناعي، ومتانة سلاسل الإمداد. لا يزال جزء كبير من الإنفاق الأوروبي محبوساً في أنظمة تقليدية قديمة، فيما تُهمَل الجاهزية والمرونة. صحيح أن المدرعات لا تزال مهمة، لكن سلاسل التوريد والقدرة على التكيف والاستعداد لتحمل صراع طويل الأمد لا تقل أهمية.
وأخيراً، يجب الاستعداد لإبرام اتفاقية دفاع رسمية بين كندا وأوروبا تستند إلى إطار عمل حلف “الناتو” ولكن تُستثنى منها الولايات المتحدة طالما بقي ترمب في منصبه.
وستكون أهدافها هي نفسها: الدفاع عن الأراضي والمجال الجوي وخطوط الاتصال البحرية. ويجب أن تتولى القيادة الدول المستعدة لتخصيص موارد حقيقية ودعم الحلفاء المعرضين للتهديد. وينبغي أن تشكل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبولندا وكندا نواة هذا الحلف، على أن تنضم إليها دول أخرى مستعدة للتحرك بدلاً من المراوغة.
سوف تواجه هذه الجهود مقاومة على المستوى المؤسسي، لا سيما من جانب أولئك الذين أصبح التقارب مع واشنطن بالنسبة إليهم عقيدة راسخة. لكن هذا السلوك أصبح الآن عبئاً. فلا بد أن يكون الولاء متبادلاً.
لم يتبق لنا سوى خيار واحد: وحدة دون أوهام. إذا لجأنا إليه، فقد يُكتب للقيم التي قام عليها “الناتو” أن تستمر بعد أن تتخذ شكلاً آخر. وإذا لم نفعل ذلك، فسوف نكتشف، بعد فوات الأوان، أنه لا يمكن إصلاح الثقة المفقودة بالخطب أو القمم أو الزيارات الرسمية.
*الجنرال السير ريتشارد شيريف نائب القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا بين عامي 2011 و2014



