ترجمات أجنبية

إندبندنت – كيف ستكون الحياة في أعقاب الحرب بالنسبة لأوكرانيا؟

 إندبندنت ١٧-٣-٢٠٢٢م – بقلم ماري ديجيفسكي 

بعد ثلاثة أسابيع من القتال، كان أحد الجوانب العديدة غير المألوفة للحرب الروسية في أوكرانيا تزامن الرعب مع الأمل بشكل شبه يومي. فحتى في الوقت الذي تم فيه قصف المسرح في مدينة ماريوبول المحاصرة، وتدمير عمارة سكنية أخرى خارج العاصمة كييف، كان ممثلون رفيعو المستوى من كل جانب يدعون أن المحادثات التي بدأت قبل أسبوعين في بيلاورس، قد بدأت تؤتي ثمارها، وأن الجانب الآخر كان يظهر الآن موقفاً أكثر واقعية.

ومن الواضح أنه تم إحراز قدر كبير من التقدم إلى درجة القول إن خطة سلام مؤلفة من 15 نقطة كانت الآن مطروحة على طاولة البحث، وينص الجزء الأساسي فيها على التزام دستوري من قبل أوكرانيا بأن تكون دولة محايدة. وقد سلمت أوكرانيا بمبدأ الحياد، وتجري المفاوضات الآن حول شروط هذا الحياد، فهل ستتخذ من السويد، أو النمسا، أو فنلندا، ربما، كنموذج أصلي؟ وهل ستستطيع أوكرانيا أن تحتفظ بقواتها المسلحة؟ وإذا  كان الأمر كذلك، ما هي الحدود المعلنة التي يمكن أن توضع من أجل الإعداد، والتجهيزات، والقدرة؟ ما هي الضمانات الأمنية التي يمكن إعطاؤها لأوكرانيا ومن الذي سيعطيها هذه الضمانات؟

 إن أي شيء ينطوي على حياد أوكرانيا يجب أن يعتبر انتصاراً لروسيا. وكان هذا هو المطلب الروسي الأساسي قبل وقت طويل من استبدالها العمل العسكري بالدبلوماسية. غير أن الحياد لا يبدو حالياً خسارة كبيرة بالنسبة لأوكرانيا، كما بدا ربما ذات مرة، وخصوصاً إذا احتفظت البلاد بقواتها المسلحة.

ويعود السبب في ذلك إلى خيبة الأمل، سواء أكانت حقيقية أو مصطنعة، التي أعرب عنها رئيسها فلوديمير زيلينسكي بعد ما قوبلت مناشداته المتكررة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) من أجل حماية بلاده من خلال فرض منطقة حظر للطيران، بالرفض القاطع. ويمكن اعتبار اعترافه بطي صفحة عضوية “الناتو” عملياً بالنسبة لأوكرانيا، وسؤاله الخفي غير المعلن عن فائدة دعم “الناتو” على أي حال إذا قام بتسليح الجنود الأوكرانيين وتدريبهم فقط للوقوف متفرجين حين يبدأ القتال الحقيقي، أنهما بمثابة نقطة تحول مبكرة، ومنعطف أصبح فيه إنهاء الحرب ممكناً.

ولذلك، قد تتساءل: لماذا تواصل القتال؟ لماذا لم يكن هناك إعلان عن وقف لإطلاق النار، إذاً؟ إن إحدى الإجابات عن هذين السؤالين قد تتمثل في القول إن حياد أوكرانيا بالنسبة لروسيا، كان من الأهداف التي تبنتها قبل الحرب، وباعتبار أن موسكو قد عقدت العزم على شن عمل عسكري، فهي ترمي إلى تأمين شيء آخر، ربما كان يتراوح بين خضوع أوكرانيا الكامل وبين تحقيق المزيد من المكاسب الإقليمية المحدودة، يمكن أن تشتمل على تعزيز الاقتصاد وأمن شبه جزيرة القرم وحدهما، أو تضيف إليهما سلخ مناطق دونباس الانفصالية سابقاً.

كان الهدفان الأصليان لروسيا اللذان حددهما رئيسها فلاديمير بوتين في الخطاب الذي أعلن فيه الحرب، هما “نزع السلاح” و”اجتثاث النازية” من أوكرانيا. وتم تفسيرهما على أنهما يعنيان تغيير النظام، على الرغم من أن زيلينسكي يهودي ولا تشوب حكومته أي شائبة يمينية متطرفة مهما كانت ضئيلة، على الرغم من أن بعض المجموعات المسلحة التي تقاتل من أجل أوكرانيا لا ينظر إليها بعين الرضا.

وقيل إن هدف “اجتثاث النازية” قد جرى التخلي عنه في مرحلة مبكرة من المباحثات، كما يبدو أن تغيير النظام لم يعد شرطاً من الشروط، باعتبار أن حكومة زيلينسكي تمثل أوكرانيا في المباحثات. وعلاوة على ذلك، يبدو أن “نزع السلاح” قد تم تخفيفه هو الآخر، إذا كانت المناقشات فعلاً تدور حول نوع القوات المسلحة التي يمكن لأوكرانيا أن تحتفظ بها بموجب شروط اتفاقية السلام، وحول الشروط التي يمكن أن يسمح لها بموجبها بالاحتفاظ بهذه القوات.

ثمة تفسير آخر للقتال المستمر بأنه قد يعكس طموحات أوكرانيا. ومثلما هو معروف على الأغلب، في حين أن أداء القوات الروسية يعتبر بشكل عام أسوأ مما كان متوقعاً، فإن أداء القوات الأوكرانية هو أفضل بكثير. يعرف الأوكرانيون التضاريس، كما أن معنوياتهم بقيت عالية، وهم يستفيدون من تدفق لا ينقطع للأسلحة الغربية بدت روسيا حتى الآن عاجزة عن إبطائه. وفوق كل شيء، إنهم يقاتلون من أجل وطنهم، فقد لا يجدون سبباً يبرر توقفهم الآن عن القتال ، كما أنهم من خلال صد التقدم الروسي، وخصوصاً لجهة منعه من الوصول إلى المدن، يعززون موقفهم من أجل المباحثات المقبلة، والتي ستتركز بشكل أساسي على الأراضي.

وما تريده أوكرانيا من الأراضي واضح. وموقفها الأقصى يتمثل بالمطالبة بأوكرانيا كما كانت قبل الحرب، إضافة إلى إعادة دمج المنطقتين الانفصاليتين في الشرق وإعادة شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا. وهذا غير مرجح على الإطلاق. ويمكن القول أيضاً إن أوكرانيا قد تكون أحسن حالاً، من حيث التماسك الوطني، إذا بقيت من دون هذه المناطق المواجهة لروسيا. إن أفضل ما يمكن أن تأمل به على الأغلب هو عدم خسارة أي قطعة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها قبل الحرب. ومن جديد، يعتبر حصول ذلك، غير مرجح، فإن حجم الأراضي التي تخسرها أوكرانيا سيكون مقياساً لتحديد مدى فوز روسيا، وفق التعريفات الضيقة لميادين القتال.

إن الحد الأدنى، والذي قد يعتبر خسارة صافية تقريباً، ويمكن أن يتم إنجازه من خلال عمل عسكري لايرقى إلى مستوى الحرب، من شأنه أن يكون “استقلال” المناطق الانفصالية في دونباس، ليجري لاحقاً دمجها في روسيا أو استخدامها كورقة للمساومة من أجل إقامة أوكرانيا اتحادية.

وثمة وضع أعلى من ذلك بدرجة، قد يكون الحد الأدنى الذي يمكن أن تقبل به روسيا بشكل واقعي في أي اتفاقية سلام، ومن شأنه أن يعني خسارة أوكرانيا ليس فقط لمناطق دونباس الانفصالية، بل أيضاً فقدانها إقليمين أكبر بكثير يعد دونباس جزء منهما. ويمكن لروسيا أن تتجه إلى الاعتراف بهذه الأراضي كدولة صغيرة مستقلة في حد ذاتها، الأمر الذي سيؤدي إلى خسارة أوكرانيا ماريوبول (التي حل بها الدمار سلفاً، لكنها تبقى في أيد أوكرانية) و”القناة الشرقية” التي تمد شبه جزيرة القرم بالماء العذب.

كانت الماء مشكلة واجهتها شبه جزيرة القرم منذ أن ضمتها روسيا في عام 2014، ولعل هذا واحد من الأسباب التي تفسر سبب تصميم بوتين على وضع يده على ماريوبول، لكن هناك في الأقل، سبب آخر، وهو أن روسيا قد احتلت ماريوبول في عام 2014، قبل أن تستعيدها منها قوات أوكرانية من كتيبة أزوف اليمينية المتطرفة. ويعتقد أن الروس يريدون الانتقام لتلك الخسارة. وهناك خياران طموحان إضافيان آخران ربما كانت روسيا قد فكرت فيهما، يتمثل أحدهما في الاستيلاء على ساحل البحر الأسود بأكمله، من أجل حرمان أوكرانيا من أي منفذ بحري على المدى الطويل أو إجبارها على المقايضة من أجل الحصول على منفذ بحري.

ولقد تعرض ميناء أوديسا الواقع في أقصى الغرب إلى الهجوم للمرة الأولى (من جهة البحر)، بيد أن الصعوبات التي لا تزال روسيا تواجهها في ماريوبول والمدينة الحاسمة التالية ميكولايف، توحي بأن الاستيلاء على الساحل كله، ناهيك بالاحتفاظ به، سيكون صعباً.

أما الخيار الآخر فيتجلى في الاستيلاء على أوكرانيا بكاملها بما في ذلك العاصمة كييف، لكن إذا كانت روسيا قد فكرت على الإطلاق بهذا الأمر، كما يوحي غزوها الشامل، فإن خطة كهذه من شأنها أن تبدو وكأنها خطة منقرضة قد عفا عليها الزمن، باعتبار أن القوات الروسية قد فشلت حتى الآن في الاستيلاء على أي مدينة أو احتلالها (مع استثناء محتمل هو خيرسون)، ونظراً لحجم الخسائر التي تفيد التقارير بأن روسيا قد تكبدتها روسيا.

ومن شأن هذا كله أن يترك بعض المرارة لدى كل من الجانبين، عندما يفسح القتال المجال للمباحثات، هذا إذا فعل ذلك على الإطلاق. ربما كانت روسيا تستطيع أن تحيد أوكرانيا أو أن تشدد قبضتها على شبه جزيرة القرم، إلا أن ذلك كان من الممكن أن يتحقق إما من دون حرب أو بعملية عسكرية أصغر بكثير تقتصر على الشرق.

وعلى نحو مماثل بالنسبة لأوكرانيا، فإن الشروط التي يرجح أن ترضى بها كانت مطروحة حتى نهاية الخريف، ولكن احتاج الأمر إلى حرب فعلية لكي يعترف الغرب بأنه لم يكن مستعداً للمجازفة بنشوب حرب عالمية ثالثة من أجل أوكرانيا، ولكي تقبل أوكرانيا بذلك الواقع أيضاً. وفي الوقت نفسه، فازت أوكرانيا سلفاً بمكسب ما من الحرب، قد ترى أنه يفوق خسائرها من حيث الأهمية.

ويتمثل هذا المكسب في الشعور الذي تم تعزيزه على نحو كبير بكيانها كأمة ذات سيادة، والذي يمكن فقط أن يتنامى عندما تأخذ المآثر البطولية مكانها في الميثولوجيا الوطنية. وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الحرب ضد روسيا على أنها بمنزلة حرب استقلال مؤجلة، وضعت اللمسات الأخيرة على الانفصال الذي بقي غير مكتمل لثلاثين عاماً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى