إندبندنت: حرب روسيا الخفية بدأت للتو: مرحلة اضطراب طويل بانتظار الغرب

إندبندنت 12-1-2026، كريس بلاكهيرست: حرب روسيا الخفية بدأت للتو: مرحلة اضطراب طويل بانتظار الغرب

قبيل عيد الميلاد بفترة وجيزة، ألقت بلايز ميتروويلي الرئيسة الجديدة لـ”جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني” MI6، أول خطاب علني لها منذ توليها مهام منصبها. واختارت أن تتمحور كلمتها حول طبيعة التهديد متعدد الأوجه الذي تمثله روسيا، محذرة من تصاعد الأخطار الصادرة عن نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقالت في هذا السياق: “نحن نعمل اليوم في حيز بين السلم والحرب”.
وأضافت ميتروويلي – التي تعرف بلقب “سي”، وهو اللقب التقليدي لرئيس جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني – أن “خطوط المواجهة باتت في كل مكان”، موضحة أن بوتين يدفع العالم نحو “عصر جديد من عدم اليقين”، من خلال إعادة صياغة القواعد غير المكتوبة للصراع. وتابعت قائلة إن “تصدير الفوضى ليس خللاً عرضياً، بل سمة أساس في المقاربة الروسية للتعامل مع العلاقات الدولية”.
جاء هذا التحذير خلال أسبوع شهد ترسيخاً لمحور التحالف بين المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، مع إعلان الدول الثلاث استعدادها لنشر قوات برية لمراقبة السلام في أوكرانيا، وهي خطوة من شأنها حتماً أن تثير حفيظة فلاديمير بوتين. في موازاة ذلك، تصاعدت المخاوف من ردود فعل روسية انتقامية، خصوصاً بعد قيام قوات أميركية باعتراض ناقلة تابعة لـ”أسطول الظل” الروسي قبالة سواحل المملكة المتحدة. ومن المؤكد أن موسكو لاحظت وأخذت علماً بمشاركة “البحرية الملكية البريطانية” في العملية، خلال وقت تستمر فيه حدة التوتر في التصاعد.
الصورة التي ترسمها رئيسة جهاز “أم آي 6” تبعث على القلق الشديد: فهي لا تتحدث عن سيناريو ضربات عسكرية تقليدية ومباشرة، بل عن نمط من الهجمات السرية تقع في “المنطقة الرمادية”، وتأتي من كل اتجاه. لم تخض ميتروويلي في تفاصيل محددة، فجميعنا بات على دراية بوجود عمليات تخريب مخططة، واغتيالات، وعمليات اختراق، وجرائم إلكترونية، وهجمات بالطائرات المسيرة. هذه المفاهيم متداولة على نطاق واسع، ومترسخة بقوة في الوعي العام. غير أن ما يبدو أقل ألفة في نظر خبراء الأمن، هو مفهوم “الحرب الاقتصادية”. ويكمن جوهر هذا النمط من المواجهة، وفق تعبيرهم، في الاعتماد على جهات فاعلة غير حكومية – خارج إطار الدبلوماسيين الروس أو الكيانات المرتبطة رسمياً بالدولة الروسية – تتألف من أفراد ومنظمات وحركات وشركات خاصة تعمل في الخفاء لخدمة المصالح الروسية.
بعض هؤلاء تحركهم دوافع أيديولوجية، فيما يقوم آخرون بذلك من أجل المال، وغالباً ما يتلقون مدفوعاتهم بعملات مشفرة يصعب تتبعها، على غرار يان يان مارساليك. فهذا الرجل المولود في النمسا، كان يتولى منصب المدير التنفيذي للعمليات في شركة “وايركارد” Wirecard الألمانية لمعالجة المدفوعات، التي انهارت في عام 2020 بعدما أعلنت أن مبلغ مليار و900 مليون يورو (مليار و650 مليون جنيه استرليني) الذي زعمت الشركة أنها كانت تمتلكه نقداً، لم يكن موجوداً في الواقع.
على مدى ما يقارب عقد كامل قبل إفلاس شركة “وايركارد”، كان يان مارساليك يعمل لحساب “جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية” (جي آر يو) GRU. وأتاح له منصبه في الشركة الألمانية الوصول إلى بيانات وموارد ذات قيمة كبيرة بالنسبة إلى الروس. استغل نفوذه لبناء شبكات موالية لروسيا في ليبيا، والتشجيع على موجات هجرة واسعة نحو أوروبا، في مسعى مدروس لإحداث أضرار اجتماعية ومالية في تلك الدول، بما يصب في مصلحة موسكو.
بعد انكشاف أمره عقب انهيار الشركة، فر يان مارساليك إلى روسيا. وفي أواخر عام 2023، عاد اسمه إلى الواجهة مجدداً بعدما جرى تحديده كمنسق لشبكة تجسس بلغارية كانت تنشط على أراضي المملكة المتحدة.
مثال آخر على هذا النمط من الأنشطة الخفية، قضية ديلان إيرل، وهو مجرم صغير كان العقل المدبر لهجوم بالحرق المتعمد، استهدف مستودعاً في شرق لندن كان يحوي مساعدات مخصصة لأوكرانيا، وذلك خلال مارس (آذار) 2024. جرى تجنيد إيرل عبر الإنترنت من قبل التنظيم شبه العسكري الروسي المعروف باسم “فاغنر” Wagner Group.
والأشد صعوبة في الرصد والكشف، فهم الأفراد الروس وغير الروس الذين يعملون في المجال التجاري، ولا سيما في القطاعات الاستراتيجية الحيوية لأمن أوروبا وبنيتها التحتية – مثل الدفاع والطاقة – والذين ينشطون لمصلحة روسيا، غالباً بتوجيهات مباشرة من “جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي” أو من أجهزة أخرى تابعة للكرملين. وتشير مصادر أمنية إلى أن موسكو ترى في هؤلاء أدوات مفيدة، نظراً إلى وجود نوع من الانفصال بينها وبينهم، يتيح لها إمكانية إنكارهم والتنصل منهم، وهذا عنصر أساس في الاستراتيجية الروسية.
وتتجلى صعوبة الكشف عن هذا النوع من الأنشطة في قضية ألكسندر كيرزنيف. فالمواطن الروسي مطلوب من قبل “المحكمة العليا لمكافحة الفساد” Supreme Anti-Corruption Court في أوكرانيا، بعدما وجه إليه اتهام غيابي بتنظيم عملية احتيال ضد الدولة الأوكرانية، وذلك عبر الاستعانة بشركة أميركية وهمية لتنفيذ صفقة توريد ذخيرة.
وكانت شركة “أرتيم” Artem الأوكرانية المملوكة للدولة، قد تقدمت بطلبية بملايين الدولارات لشراء قذائف مدفعية من عياري 152 و155 ملم، من مورد مقره ولاية فلوريدا الأميركية. جرى تحويل الدفعة المالية مقدما، وبدا كل شيء في ظاهره طبيعياً: شركة أميركية تسهم في دعم المجهود الحربي الأوكراني، لا مشكلة في ذلك. إلا أن المفاجأة كانت أن الشركة المذكورة لم تكن تمتلك أساساً القدرة على تنفيذ الطلبية.
فمن خلال تحويل أموال أوكرانية ثمينة، واستنزاف الوقت والجهود، وإيهام الجانب الأوكراني بقرب وصول إمدادات عسكرية حيوية لم تكن موجودة أساساً، عكست الأفعال المنسوبة إلى كيرزنيف – سواء نفذت بتوجيه مباشر من موسكو أم لا – جوهر الأهداف الروسية في “المنطقة الرمادية”. وتعتمد هذه الاستراتيجية على تنفيذ أنشطة في القطاع الخاص يمكن التنصل منها وإنكارها، بما يتيح للكرملين التقدم خطوة إضافية نحو تحقيق أهدافه الاستراتيجية، خلال وقت تسهم فيه في نشر حالة من عدم اليقين على امتداد المسار بأكمله.
غير أن محاولات موسكو للحفاظ على هذا الغطاء من الإنكار لا تكلل دائماً بالنجاح، وقد تنهار عند إخضاعها للتدقيق. فخلال أكتوبر (تشرين الأول) 2022، وجهت في نيويورك اتهامات إلى يوري أوريخوف، إلى جانب أربعة مواطنين روس آخرين، على خلفية عملية احتيال دولية تتعلق بصفقات شراء. ولاحقاً، أُدرج اسم أوريخوف وشركاته على لائحة العقوبات الصادرة عن وزارة الخزانة الأميركية.
وذكرت الادعاءات أن الأفراد الخمسة حاولوا بطريقة غير قانونية الحصول على تكنولوجيا عسكرية أميركية ونفط خاضع للحظر، من خلال استخدامهم لشبكة معقدة من المعاملات، شملت شركات وهمية وعملات رقمية مشفرة. وكان من العناصر الأساس في هذه العملية – وفقاً لوزارة العدل الأميركية – الاستخدام المزعوم لشركة مسجلة في ألمانيا، “بهدف تهريب مئات الملايين من براميل النفط من فنزويلا إلى مشترين روس وصينيين”.
بعد اكتشاف المخطط بواسطة “كليبتو كابتشر” KleptoCapture – وهو فريق عمل تابع لوزارة الخارجية الأميركية أنشأه الرئيس السابق جو بايدن لتطبيق العقوبات – ربط المدعي العام في الولايات المتحدة بريون بيس، بصورة واضحة، كلاً من أوريخوف والآخرين بمصالح روسيا في أوكرانيا، قائلاً: “سنواصل التحقيق مع الذين يسهمون في تغذية الحرب الروسية الوحشية في أوكرانيا، ويتجنبون العقوبات، ويؤمنون استمرارية الاقتصاد الخفي لغسل الأموال عبر الحدود الوطنية، وسنعمل على تعطيل أنشطتهم ومقاضاتهم”.
عندما نفكر في العدوان الروسي ومحاولاته المستمرة لإثارة الانقسام بين الحلفاء الغربيين، يجب توسيع أفق تصورنا كي ندرك المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الكرملين، في مختلف مجالات الحياة، لإحداث الدمار ونشر القلق.
هذه الحالات تظهر بوضوح ما يبدو أن الرئيسة الجديدة لـ”جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني” على وعي تام به، وهو مدى اتساع شبكة روسيا الغامضة في “المنطقة الرمادية”، والأضرار الكبيرة التي يمكن لموسكو إلحاقها بأهداف ضعيفة، من خلال الاستعانة بأفراد وجهات يمكن التنصل منهم. ومع اقتراب الحرب في أوكرانيا من عامها الخامس واستمرار الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق سلام، من المتوقع تصاعد وتيرة النشاط الروسي في هذا المجال. وعلى بريطانيا وأوروبا أن تبقيا على أهبة الاستعداد. لقد وجهت رئيسة الجهاز السيدة “سي” تحذيرها في هذا المجال.
مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook



