ترجمات أجنبية

إندبندنت: بعد 6 سنوات من التصويت على بريكست ما هي عواقبه الاقتصادية؟

إندبندنت 22-6-2022م، بقلم هاميش ماكراي 

يكاد يكون من المؤكد أننا أصبحنا أكثر فقراً بعض الشيء، إذا نظرنا في البلاد ككل، مقارنة مع ما يمكن أن نكون عليه (غيتي/آي ستوك)

احتساب التكاليف الاقتصادية عسير، لكن أثر “بريكست” في اقتصادات المملكة المتحدة وأوروبا يعصى التوقع والحساب، لذلك دعونا نبدأ بتناول المشكلات.

أولاً، لا نعرف “الواقع البديل أو المضاد” [ ما كانت ستكون عليه الأمور]، أي ما الذي كان ليحدث لو لم تجرِ المملكة المتحدة الاستفتاء على المغادرة أو لو أتى الاستفتاء بالنتيجة المغايرة. تالياً، لأن الموضوع شائك وموضع خلافات كثيرة، الكثير من التحليلات تأثرت سواء عمداً أم لا، بالآراء السياسية للأشخاص الذين يقدمون على الخطوة.

ثم حلت الجائحة، التي أصابت كل شيء على نطاق أوسع كثيراً من نطاق التغيرات التي طرأت على العلاقات التجارية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. وهناك الحرب في أوكرانيا، التي لم يظهر أثرها في الاقتصاد العالمي في شكل كامل بعد. وأخيراً، هناك دائماً في العلاقات الاقتصادية توتر بين الأشياء القريبة الأجل وتلك البعيدة الأجل: ما يبدو إيجابياً في البداية قد يكون سلبياً بعد بضع سنوات، والعكس صحيح.

إذا قبلنا ذلك كله، ماذا يمكننا أن نقول بشيء من الثقة؟ فلنبدأ بحكم عام. لم تكن مغادرة الاتحاد الأوروبي الكارثة التي كان البعض يخشونها، لكنها أدت إلى تعطل اقتصادي كبير انعكس في خسائر بالإنتاج. ومن بين أفضل مصادر الحكم الاقتصادي المستقل معهد “دراسات المالية العامة”، وأقر تعليقه على بيان الربيع [عن الميزانية] بأن “بريكست” أبطأ النمو، فضلاً عن التباطؤ الذي أعقب الأزمة المالية في 2008-2009.

ويبدو أن هناك شقين في الأمر. عدم اليقين المرتبط بـ”بريكست” أدى إلى تراجع استثمار الشركات والصادرات إلى كل من الاتحاد الأوروبي وبقية العالم بسرعة بعد الجائحة وهو لم يتعافَ بسرعة بعد الجائحة. وأشار مكتب شؤون الميزانية [جهاز عام يقدم مشورة مستقلة حول المالية العامة] إلى هذه النقطة في تقرير صدر في مارس (آذار)، فقد سجلت الواردات من الاتحاد الأوروبي هبوطاً حاداً، في حين ارتفعت الواردات من بقية العالم إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.

تحولت المملكة المتحدة إذاً من الشراء من أوروبا إلى الشراء من بلدان أخرى، لكن على جانب التصدير، كانت التدفقات إلى كل من أوروبا وبقية العالم ضعيفة إلى حد كبير. ويعلق مكتب مسؤولية الميزانية قائلاً، “تشير مقارنة أدائنا التجاري الإجمالي في الآونة الأخيرة باقتصادات متقدمة أخرى إلى أن المملكة المتحدة شهدت انهياراً في الصادرات مماثلاً لبلدان أخرى في بداية الجائحة لكنها منذ ذلك الوقت لم تستفد كثيراً من التعافي في التجارة العالمية”.

وهذا لغز ومصدر قلق. هو لغز لأنه لا ينبغي أن يكون هناك أي سبب لتأثر الصادرات إلى بقية العالم بـ”بريكست” في أي شكل. وهو مصدر قلق لأن فشل الصادرات من شأنه أن يوسع من عجز ميزان المدفوعات وأن يزيد من تقويض الجنيه. منذ الاستفتاء الذي أجري عام 2016، ضعف الاسترليني في مقابل الدولار واليورو على حد سواء. كان يتداول بنحو 1.45 دولار في مايو (أيار) 2016 قبل الاستفتاء، والآن يبلغ 1.23 دولار، ولو أن هذا يتعلق بقوة الدولار بقدر ما يخص ضعف الاسترليني. وفي مقابل اليورو، سجل نحو 1.25 يورو، والآن يسجل 1.16 يورو.

وأثر الجنيه الأضعف واضح جداً في محطات البنزين، فالنفط سلعة تتداول بالدولار. وفي شكل أعم، يميل ضعف الجنيه إلى رفع تكاليف الاستيراد ومن ثم معدل التضخم على نطاق أوسع.

ومن ناحية أخرى، يبدو أن المملكة المتحدة تمكنت من التعافي إلى حد معقول من الجائحة. وفقاً لموجز بحثي نشره مجلس العموم البريطاني في وقت سابق من هذا الشهر، كان اقتصاد المملكة المتحدة في الفصل الأول من هذا العام أعلى بنسبة 0.7 في المئة مقارنة بالفصل الأخير من عام 2019، وهذا معدل نمو أبطأ بكثير مقارنة بالولايات المتحدة (زيادة بنسبة 2.8 في المئة)، وأقل قليلاً مقارنة بكندا (زيادة بواقع 0.8 في المئة)، لكنه أفضل من فرنسا (زيادة بنسبة 0.3 في المئة) وإيطاليا (لا تغيير)، وأفضل بكثير من اليابان (لا يزال النمو سلبياً بنسبة 0.6 في المئة) وألمانيا (تراجع بنسبة 0.9 في المئة).

بطبيعة الحال، من المحتمل أن يكون أداء المملكة المتحدة أفضل لو ظلت في الاتحاد الأوروبي –مسألة الواقع المضاد– لكنها لم تكن صاحبة الأداء الضعيف الذي يقترح في بعض الأحيان.

ماذا عن المكافأة المترتبة على عدم المشاركة في ميزانية الاتحاد الأوروبي؟ حسناً، أكدت ورقة أخرى أصدرها مجلس العموم الأسبوع الماضي أن المملكة المتحدة دفعت لأوروبا مبلغاً صافياً قدره 12.6 مليار جنيه (15.5 مليار دولار) عام 2020، وهو العام الأخير من المدفوعات الكاملة. وأشارت إلى أن وزارة المالية ومكتب مسؤولية الميزانية يقدران أن هناك فاتورة مستحقة بقيمة 30 إلى 35 مليار جنيه يتعين دفعها على مدى السنوات الـ30 إلى الـ40 المقبلة.

على هذا ستنخفض بكل تأكيد التكاليف السنوية المترتبة على عضويتنا –لو كنا ظللنا عضواً لكانت الفاتورة ارتفعت– لكن التوفير ليس بهذه الضخامة في سياق التمويل العام ككل.

هل من مسائل أخرى؟ كانت المخاوف من هجرة وظائف من القلب التجاري للندن بلا أساس إلى حد كبير. كان هناك تقدير بأن 75 ألف فرصة عمل قد تتحول إلى أوروبا. وفي الواقع، يبدو العدد أقرب إلى سبعة آلاف و400 وظيفة، وفي وقت سابق من هذا العام، قالت كاثرين ماكغينيس، رئيسة السياسات في “سيتي أوف لندن كوربوريشن”، لـ”دويتشه فيله”، المؤسسة الإذاعية الألمانية “أنشئت آلاف فرص إضافية كثيرة من الوظائف مع تحويل شركات الاتحاد الأوروبي بعض عملياتها إلى القلب التجاري للندن للاستمرار في العمل في سوق المملكة المتحدة”.

ويبدو أيضاً أن “بريكست” لم يؤدِّ إلى نزوح الطلاب الأجانب الذي كان متوقعاً. وفق مرصد الهجرة في جامعة أوكسفورد، انخفض بالفعل عدد طلبات الدراسة الواردة الاتحاد الأوروبي من 99 ألفاً و160 طلباً عام 2020 إلى 59 ألفاً و630 طلباً عام 2021، لكن هذا التراجع عوضته إلى حد كبير زيادة في الطلبات الواردة من خارج الاتحاد الأوروبي، والتي ارتفعت من 176 ألفاً و750 طلباً إلى 205 آلاف و120 طلباً. ويبدو أن الهجرة في الإجمال تتبع نمطاً مماثلاً: تناقصت أعداد المهاجرين من الاتحاد الأوروبي، لكنها زادت من بقية العالم.

من غير المستغرب أن تظل الصورة غامضة نظراً إلى فوضى الجائحة، لكن هناك أمراً واحداً واضحاً، لا تزال سوق العمل في المملكة المتحدة قوية إلى حد مذهل، وعلى الرغم من أن هذه الحال لا تزال صحيحة، تظل البلاد منطقة جذب للمهاجرين من مختلف أنحاء العالم.

ما هو استنتاجي؟ ينبغي لي أن أفصح عن أنني كنت من أنصار البقاء في الاتحاد الأوروبي، لكنني من أولئك الذين يعترفون بأن “بريكست” قد يأتي بمنافع في الأجل البعيد، وقبلت في شكل مطلق نتيجة الاستفتاء. يتلخص رأيي في أن مجتمع الأعمال تكبد بالفعل بعض التكاليف الجدية، وكذلك نحن جميعاً. ويكاد يكون من المؤكد أننا أصبحنا أكثر فقراً بعض الشيء، إذا نظرنا في البلاد ككل، مقارنة مع ما يمكن أن نكون عليه.

لكن هناك أيضاً منافع قد تستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تصب في الاقتصاد، والتحدي يكمن في تحقيق أقصى استفادة من هذه المنافع. وهذا يعني قدراً عظيماً من الاهتمام بالتفاصيل، والاستماع إلى مجتمعات الشركات والمجتمعات المالية، وليس التسبب بمعارك غير ضرورية مع الاتحاد الأوروبي بل الاستقلال في شكل راسخ. هناك كثير مما ينبغي أن نسعى إليه، ونحن في حاجة ماسة إلى تعزيز مساعينا.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى