Take a fresh look at your lifestyle.

إميل أمين يكتب – عن الإشكالة الديموغرافية الإسرائيلية

0 141

إميل أمين – 2/7/2021

يبقى  التساؤل عن مستقبل إسرائيل مطروحا وبقوة  في كل وقت ، لا سيما في أعقاب كل عملية عسكرية  تثبت القوة المسلحة فيها إخفاقها ، فهي قادرة على الهدم والتدمير في الحجر ، غير أنها عاجزة بشكل أو بأخر عن كسر إرادة   البشر.

خلفت  عملية غزة الأخيرة مخاوف عديدة  في الداخل الإسرائيلي ،  وفي الحق أنه منذ بداية سلسلة الإنتفاضات الفلسطينية في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي ، وهناك حالة من القلق تخيم على  علماء الإجتماع الإسرائيليين ، عطفا على  مسؤولين كبار في الدولة ،  بلغوا مراكز متقدمة  .

ما الذي أعاد طرح التساؤل الديموغرافي المتعلق بالوجود السكاني اليهودي هناك ؟

قبل بضعة أيام ، وخلال المؤتمر العلمي المحكم الأول  ، والذي جاء تحت عنوان :” الرواية  الصهيونية ما بين النقيض والتفكيك “، أشار رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتيه ، إلى أن أمام إسرائيل هذه الأيام فرصة   لتذهب في مسار سياسي جدي حقيقي مبني على حل الدولتين ، أو ستموت موتا ديموغرافيا  .

على أي أساس بنى  المسؤول الفلسطيني الكبير رؤيته هذه ؟

الشاهد أن الجذور التي أنطلق منها  قديمة  المبنى  والمعنى ،  ذلك أنه وعلى الرغم من كل الترسانة العسكرية الإسرائيلية ، وإستخدامها  الوحشي كثيرا جدا ضد أصحاب الأرض من الفلسطينين ، فإن إيمان اولئك  العقائدي بأرضهم ووطنهم ، تاريخهم ونضالهم ، لم يتغير ولم يتزحزح قيد أنملة .

ولعل أعظم سلاح أمتلكه الفلسطينيون على مر التاريخ ، كان الرحم الفلسطيني ، ذاك الذي لم يقصر في الإنجاب وملء الأرض بأجيال شابة لا يقدر  الإحتلال تجاهها سوى  أن يزيدها إرتباطا وتشبثا  بأرض الأجداد والسلف الصالح .

في فعاليات المؤتمر  يخبر رئيس الوزراء الفلسطيني  أنه لأول مرة منذ العام 1948 أصبح عدد الفلسطينيين  داخل فلسطين  أكثر من عدد اليهود ب 200 ألف نسمة ، وإذا لم تسارع  إسرائيل إلى حل الدولتين ، سيضحى  المشهد عما قريب شبيها  بنموذج جنوب إفريقيا  في عهدها العنصري ، وذلك حين كانت هناك أقلية  من البيض تتحكم في الغالبية الغالبة  من السود ،  وهنا سوف تضحى  أقلية يهودية  تحكم أغلبية  فلسطينية .

هل سيكون المستقبل الإسرائيلي في فلسطين مشابها في نهاية الأمر لما جرت به المقادير في جنوب إفريقيا ؟

قد لا تتكرر أو تتطابق المصائر مرة واحدة ، لكن معظم الظن أن هناك تشابها  كبيرا بين الأمس واليوم سوف يحدث ، وربما هذا  ما جعل بعض الأسماء اليهودية اللامعة  من نوعية ، إبراهام بورج ، الرئيس السابق للكنيست  الإسرائيلي لأن يرفع صوته قبل عدة سنوات ، منذرا ومحذرا من المصير الذي ينتظر إسرائيل ، والمآلات الرابضة لها  خلف الأبواب …ماذا  عن ذلك ؟

عبر صحيفة هارتس الإسرائيلية وفي مقابلة مطولة كان بورج يقر ويعترف بأن تكريس فكرة إسرائيل كدولة يهودية هو أمر يعد طريقا مدمرا يرسم معالم نهاية إسرائيل، داعيا إلى إلغاء قانون العودة ،الذي يتيح لليهود فقط الهجرة إلى إسرائيل، وهي التي تمنع أصحاب البلد الأصليين من حق العودة ،لاسيما المهجرين عامي 1948 ، 1967 ، معتبرا نفسه إنسانا مواطنا في هذا العالم بالدرجة الأولى، ثم يهوديا ثم إسرائيليا ،مضيفا أن الإسرائيلي هو نصف يهودي ،ومن الجنسية الإسرائيلية يوجد فقط جسم بلا روح ” إننا موتى لم يعلنوا كذلك لكننا موتى “، هكذا يؤكد بورج والذي يصرح لمحاورة الإسرائيلي ” آري شبيط:” أن الصهيونية كانت بمثابة الرافعة لإنشاء البيت، وبعد إقامة الدولة كان واجب تفكيكها”.

والشاهد أنه في أعقاب حرب يوليو تموز من عام 2006 والتي شنتها إسرائيل على لبنان كشفت دائرة الإحصاء المركزية في إسرائيل، إنه وللمرة الأولى منذ أكثر من 25 عاما ،فاق عدد المهاجرين من إسرائيل القادمين إليها ، ما بعث على قلق الوكالة الصهيونية ،والتي كان أبراهام بورج نفسه رئيسا لها ذات مرة.

وبحسب الروايات الإعلامية الإسرائيلية فإن بورج غداة قراءته للتقرير الجديد صرخ بالقول ” إنها الكارثة والصدمة التي لن ينجو منها أحد … ترى ما السبب ؟

في ذلك النهار كان بورج يؤكد على أن سياسات شارون  تهدد إسرائيل بالفناء، سيما وأن اكبر عملية هجرة معاكسة من إسرائيل إلى أوربا وأمريكا قد جرت في عهده، بعدما بلغ عدد المهاجرين إلى كندا 30 ألفا وإلى نيويورك 150 ألفا ،وإلى سان فرانسيسكو 70 ألفا ،وإلى لوس انجلوس 140 ألفا ،وإلى فلوريدا 69 ألفا ،وإلى بلدان أوربية مختلفة أكثر من 180 ألفا والتساؤل هل تتوقف الكارثة عند الحدود الكمية أي الأعداد ؟ المؤكد لا ، بل تتخطاها إلى الإشكالية والكارثة النوعية، سيما وأن اغلب المهاجرين الإسرائيليين من أصحاب العقول المتميزة والذين ساهموا بالنصيب الأكبر في بناء دولة إسرائيل علميا وتكنولوجيا .

ولعل جانب من جوانب نهاية الصهيونية التي يركز عليها إبراهام بورج إنما يمكن إستشفافه وإستكشافه من خلال القراءة المتأنية لتقارير الهجرة العكسية من إسرائيل وليس إليها،  ذلك أن بورج يرى أن هناك جانبين على غاية من الخطورة في هذه المشكلة:

الجانب الأول هو أن الإسرائيليين الذين يهاجرون إلى الخارج هما أساسا من الإسرائيليين الذين ولدوا في إسرائيل، أو كانت لهم إقامة دائمة منذ عقود الخمسينات والستينات، أي أن 73 % ممن قرروا الرحيل هم من الإسرائيليين الذين قامت على أساسهم دولة إسرائيل ، وشاركوا في حروبها السابقة وهم من أكثر الفئات ولاء لاستمرار دولة إسرائيل واستعدادا للتضحية من اجلها.

أما الجانب الثاني فهو أن نحو 86% ممن قرروا الرحيل من إسرائيل والاستقرار في أوربا أو أمريكا ، هم من الشخصيات العلمية المرموقة، أو أصحاب المهن الرفيعة المستوى، أي أن هؤلاء قامت على أكتافهم التكنولوجيا والتطور والديمقراطية الإسرائيلية، في حين أن الآخرين أصحاب المهن الدنيا أو المستوى التعليمي المنخفض ،هم الذين آثروا الإستمرار في البقاء في إسرائيل لعدم وجود فرص حقيقية لهم في الخارج … ماذا يعني ما تقدم ؟

بحسب رؤية بورج لم تعد إسرائيل إذن جنة الديمقراطية الموعودة كما كانت ولا تزال تتشدق متفاخرة على من بجوارها من الدول العربية، ويعني وهذا هو الأهم أن إسرائيل وطوال سنواتها الستين قد فشلت أيما فشل في تحقيق الأمن والأمان لمواطنيها، وهذه هي علامات النهايات.

حين فتحت  الدول العربية  أبوابها للسلام مع إسرائيل ، فإنها بذلك كانت تسعى لمد جسور الأمل مع الأجيال الإسرائيلية الشابة، تلك  التي كرهت الحروب والقتال وسفك الدماء ، والتي تفضل العيش في سلام مع جوارها الإقليمي .

لكن السلام من غير عدالة لا قيمة له ولا طائل من وراءه ، وبخاصة في ظل تغير الموازين الديموغرافية  في الداخل بين الفلسطينين  واليهود .

الفرصة متاحة لا تزال ،  وحل الدولتين هو أرفع وأنفع مسار للخلاص من الإرث الكولونيالي الضيق الذي يفرغ إسرائيل من شبابها  يوما تلو الأخر .

الخلاصة .. إحقاق الحقوق هو الحل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.