أقلام وأراء

إميل أمين: البشرية وسباق الاندماج النووي

إميل أمين 27-2-2026: البشرية وسباق الاندماج النووي

تبدو مسيرةُ البشريّة مع النار مدعاةً للتأمل، فقد غَيّر هذا الاكتشاف طبيعة الإنسان الأولي، والذي اعتمد طولًا وعرضًا، شكلًا وموضوعًا على الحياة النباتيّة، وحتّى حين تعَلَّم صيد الأسماك والحيوانات، دَرَج على أَكْلها نَيّئةً.

كان اكتشافُ الإنسان البدائيّ للنار فتحًا جديدًا، حيث أدرك أنّ هناك طريقًا آخر لإعداد طعامه، ولتبديد وحشة الليل، حيث أنارت النيران الضوء من حوله، عطفًا على أنها منعت الوحوش الضارية من الاقتراب من باب خيمته.

يصعب في واقع الأمر تحديد الإطار الزمنيّ الذي اكتشف فيه النوعُ البشريّ النارَ كأداةٍ للحياة، لكنّ الأساطير في مختلف الحضارات توقّفتْ طويلًا عند النار كأوّل شكلٍ من أشكال الطاقة التي رسمتْ دربًا مغايرًا من التحَضُّر.

من بين الروايات الأسطوريّة ذات الدلالات، قصّة البطل الإغريقيّ القديم بروميثيوس، والذي تقول الأسطورة اليونانيّة إنه سرق النار من موكب الآلهة القائمة في جبال الأوليمب، وكان أن أعطاها للإنسان.

بدا هذا الفعلُ كارثيًّا بالنسبة لكبير تلك الآلهة الأسطوريّة، زيوس، ملك ملوك جبل الأوليمب، ربّ السماء والرعد والبرق، والذي عاقبه بأن قام بربطه في حجر فوق الجبل لتنهش نسور السماء كبده.

يَعِنُّ للقارئ أن يتساءل: هل كان غضب زيوس على بروميثيوس سببه سرقة النار فحسب؟

الجواب حقًّا مثير، وبعيد عن فعل السرقة المذموم في كل الروايات القديمة. لقد صبَّ زيوس جامَّ غضبه على بروميثيوس، لأنه بإعطاء البشر النيران، فتح لهم باب التنوير، ونقل حياتهم إلى مستوى من العمل والقدرة والفعل، لا سِيّما عبر تسخير قوّة النيران في الصناعة ولو كانت بدائيّة، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل البشريين أندادًا لآلهة الأوليمب.

من هنا، يمكن للمرء أن يدرك الأهمّيّة القصوى التي مَثَّلتْها النيران، وهي الكلمة التي تُعَدُّ المكافئ الموضوعيَّ للطاقة عبر الأزمنة الغابرة.

لاحقًا بدأ البشر في سعيهم نحو مصادر دائمة للطاقة المولِّدة للنيران، بهدف تغيير حياتهم وترقيتها، فجمعوا أعواد الخشب، ثم عرفوا طريقهم إلى الفحم، وصولا إلى النفط والغاز، إلى أن كان الفتح الكبير والخطير الذي عرفته الإنسانية في القرن العشرين، ذاك الموصول بالذرة وما يجري فيها، وكيف أنها كانت كنزًا عرفه العلم، وسَخَّره العلماء لخدمة البشريّة، ولو مالت الكفّة في البدايات إلى الجانب السلبيّ، ذاك الذي خبرته البشرية في نهاية الحرب العالمية الثانية.

درجت البشريّة في العقود التي تلت تلك الحرب الكونيّة، على سماع مصطلح الانشطار النوويّ، ومن ثم سباق حيازة الأسلحة النوويّة، غير أنه مؤخّرًا بدأ يُطرَح مصطلحٌ جديدٌ يُسَمَّى “الاندماج النوويّ”… ما الفارق بين الأمرين، وهل يتساوقان في الهدف النهائيّ؟

الانشطار النوويّ، كان الطريق للحصول على أسلحة ذَرّيّة، اختبرت مرّة واحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية في اليابان، حيث عرف الموت الجماعي طريقه للإنسانية المعذَّبة.

يختلف الاندماج النوويّ عن الانشطار، في أنّه يُهَيِّئ مسارات للحياة، ويسعى لتوفير طرق جديدة لتوليد الطاقة، تخدم الخليقة، وتفتح أمامها مساقات أفضل للعيش الكريم، وتدعم فكرة التنمية المستدامة.

ما هي عملية الاندماج النووي؟

بدون الانخراط في التفاصيل العلميّة،لا سيّما الفيزيائيّة المعقّدة، فإن عملية الاندماج النووي هي تلك التي يتم من خلالها دمج ذَرّتَيْن خفيفتين لتشكيل ذرة واحدة أثقل مع إطلاق كمّيّات هائلة من الطاقة.

تحدث تفاعلات الاندماج في حالة من المادة تسمى البلازما، وهي عبارة عن غاز ساخن مشحون يتكَوّن من أيونات موجبة وإلكترونات تتحرك بحُرّيّة، ولها خصائص فريدة تختلف عن المواد الصلبة أو السوائل أو الغازات.

والثابت أنّ عملية الاندماج النوويّ ليست جديدة أو حديثة فقد عرفها العلماء منذ أوائل ثلاثينات القرن العشرين، بعد أن استلهموا الدرس من التفاعلات التي تحدث داخل الشمس التي تعتمد مثلها كمثل كلّ النجوم الأخرى على هذا التفاعل.

يمكن أن تولد عملية الاندماج النوويّ طاقةً أكبر بأربع مرات لكل كيلوغرام من الوقود مقارنةً بالانشطار المُستخدَم في محطّات الطاقة النوويّة، وطاقة أكبر بحوالي أربعة ملايين مرة من حرق النفط أو الفحم.

ما الذي يستدعي الحديث عن فكرة الاندماج النووي في الوقت الراهن؟

في حقيقة الأمر، كان حديث إيلون ماسك مؤخرًا، عن حاجة البشرية لطاقة كهربائيّة جديدة، قبل أن تتعرض الأرض لنقصٍ حادٍّ من الطاقة خلال ثلاث سنوات، بسبب تنامي الحاجة إلى آليّات الذكاءات الاصطناعيّة مدخلًا لإعادة التفكير في دروب جديدة لطاقات متجدّدة، تستنقذ مستقبل البشريّة.

ومن جهة أخرى، طفت على السطح أنباء تفيد بأن الصين تبني قطبيّتها القادمة، على ركائز من أفكار الابتكار، وفي مقدّمها، الطاقة المتجدّدة عبر الاندماج النوويّ.

هل اتّخذت الصين خطوات عمليّة في هذا السياق مؤخرًا؟

في أكتوبر /تشرين أول الماضي، تمّ إنزال قرص عملاق يزن 400 طن ويبلغ قطره 18 مترًا بعناية فائقة في حفرة الأساس المركزيّة لمبنى عصري ذي هيكل فولاذي في مدينة “خفي” بمقاطعة “آنهوي” الصينية.

للذين لا يدرون حقيقة الأمر، بدا المشهد وكأنه مجرد عمل في مشروعٍ هندسيّ عاديٍّ، لكن وراءه قصةً كبرى تتعلق بمستقبل الطاقة في الصين.

بدت أعين الاستخبارات العالمية، لا سِيّما الأميركيّة حاضرة في هذا الموقع، حيث يتم بناء مفاعل “توكاماك” الصيني فائق التوصيل بالبلازما المحترقة BEST، وهو منصة تجريبيّة صينيّة من الجيل التالي لما يعرف بِ”الشمس الصناعيّة”. وقد مثّل تركيب الوحدة الرئيسيّة علامةً فارقة في المشروع، مع هدف لاحق يتمثل في إضاءة أول مصباح عبر الاندماج النوويّ بحلول عام 2030.

هل هي عودة الإنسان لمحاكاة الطبيعة، بهدف الحصول على طاقة خلّاقة؟

الشاهد أنّ عمليّة الاندماج النوويّ في المفاعلات التي تسعى الدول الكبرى لبنائها، تُحاكي تمامًا ما يجري داخل الشمس، ففي ظلّ درجات حرارة وضغوط عالية للغاية، تندمج النوى الذرّيّة الأخفّ لتكوين نوى أثقل، مُطلِقَةً طاقةً هائلة.

ونظرًا لإمكاناتها الهائلة في مجال الطاقة، ووفرة موارد الوقود، فضلًا عن كونها عمليةً نظيفة وآمنة، توصف عملية الإندماج النووي بأنها “أحد المصادر المُثْلى للطاقة”.

هل كانت الولاياتُ المتحدة بعيدةً عن سباق الاندماج النوويّ؟

بالقطع لا، في منتصف ديسمبر/ كانون أول 2023، أعلن مختبرُ لورانس ليفرمور الوطنيّ التابع لوزارة الطاقة الأمريكيّة، نجاحَ فريقٍ من العلماء في تحقيق “اختراق علميّ كبير”، وذلك عبر تمكنهم من توليد طاقة عبر الاندماج النوويّ، أكبر من الطاقة المستخدَمة في أجهزة الليزر لبدء التفاعل، ووصفوا الإنجاز بأنه “انفراجة ستغيّر مستقبل الطاقة النظيفة للأبد”.

يبدو اختراق الاندماج النوويّ الجديد طريقًا يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى إنتاج الكهرباء التي تضيء حياة الحضارة المعاصرة.

لكن تبقى هناك حقيقةٌ مؤكَّدة، فعلى الرغم من اشتداد المنافسة للوصول لمصادر طاقة، يبقى النفط والغاز هما حجرا الأساس في توفير ملاذات طاقة آمنة وسريعة الاستخدام لعقود طوال قادمة، الأمر الذي يفكّك شفرات الكثير من صراعات السياسات الدوليّة حول الدول المُنتِجة للنفط.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى