إميل أمين: الأرض الجليديّة.. صراع الفرص والمخاطر
إميل أمين 26-1-2026: الأرض الجليديّة.. صراع الفرص والمخاطر
هل بات القطبُ الشماليّ أخطرَ ساحات التنافس الجيوسياسيّ في القرن الحادي والعشرين؟
علامة استفهام باتت تَشْغَل العالمَ برُمّته، شرقًا وغربًا، لا سِيّما بعد أن تجاوزت هذه الرقعة الجغرافيّة من الكرة الأرضيّة، فكرة “الأرض الجليديّة”، وبات النظر إليها، كخلفيّة جغرافيّة أمميّة مليئة بالفرص غير المسبوقة في تاريخ البشريّة، وفي الوقت نفسه لا يخلو الأمر من مخاطر يمكن أن تكون كارثيّةً على مستقبل الإنسانيّة برُمّتها.
جغرافيا القطب الشماليّ هو النقطة الأكثر شمالاً على محور دوران الأرض، ويقع في قلب المحيط المتجمّد الشماليّ، مغطّى بجليدٍ دائم ومياه عمقها يتجاوز 4000 متر.
وبعيدًا عن الدخول في عمق القضايا الجغرافيّة للقطب الشماليّ، يبقى الواقع الجيوسياسيّ المعاصر هو محور التساؤلات وربّما الصراعات الدائرة من حوله في حاضرات أيّامنا.
والثابت أنّ قضيّة غرينلاند واهتمام الولايات المتحدة بحيازتها، قد أعادت التركيز على الأسباب الحقيقيّة التي أدّت إلى الاهتمام المتصاعد، والذي يمكن أن يصل عند نقطة معيّنة من سخونة الرؤوس إلى مواجهاتٍ عسكريّة، لا سِيّما بين الأقطاب الدوليّة الكبرى، وفي المقدّمة منها الولايات المتّحدة الأميركيّة، وروسيا الاتّحادية، عطفًا على جمهوريّة الصين الشعبيّة.
يكتسب القطب الشمالي أهمّيّة كبرى في صراعات العالم المعاصر انطلاقًا من أكثر من مرتكزٍ.
يمكن الحديث بدايةً عن الثروات الهائلة الكامنة تحت الجليد، وفي مقدّمها قرابة 13% من احتياطيّ النفط غير المكتشف عالميًّا، وقرابة 30% من احتياطيّ الغاز الطبيعيّ المنتظر عالميًّا، عطفًا على المعادن النادرة مثل النيكل وكوبالت، والعناصر الأرضيّة النادرة.
والمعروف أنّ أغلب هذه الثروات تقع ضمن الدائرة القطبيّة، الأمر الذي يفتح شهِيّة روسيا وأميركا وكندا والنرويج والدنمارك، والأخيرة تطلّ على القطب الشماليّمن خلال جزيرة غرينلاند محلّ الصراع الأميركيّ–الأوروبيّ الأخير.
هل الثروات الطبيعيّة فقط هي ما يفتح شهِيّة كبار العالم للصراع فحسب على تلك المنطقة الثلجيّة العالميّة؟
هنا يبدو أنّ هناك قصةً عالميّة أخرى مغايرة، ترتبط بمقدّرات المناخ العالميّ المتغيّر، وبخاصّة ظاهرة الاحتباس الحراريّ، والذي أضحى اليوم غليانًا، كما تابع العالم الصيف الماضي.
الأمر باختصار غير مُخِلّ يعود إلى فكرة ذوبان الثلوج في تلك القارّة القطبيّة، الأمر الذي يفتح المجال واسعًا لطرق جديدة من الملاحة البحريّة، مغايرة لمسالك العالم القديم ومساراته.
يفتح ذوبان الثلوج ممرّات بحريّة جديدة مثل الممرّالشماليّ الشرقيّ على الساحل الروسيّ، والممرّ الشمالي الغربي عبر كندا.
أمّا النتيجة المؤكَّدة لهذه الممرّات فتتمثّل في اختصار زمن الشحن بين آسيا وأوروبّا بنسبة تصل إلى 40%، وفي الوقت نفسه تقلّص الاعتماد على قناة السويس،ومضيق ملقا، وهذا ما يفسّر لماذا ترى موسكو أنّ القطبَالشماليّ بمثابة طريق إلى “قناة السويس الروسيّة”.
ولعلَّ السؤال الرئيس الذي يتوارد على الأذهان، هو مَن يملك القطبَ الشماليَّ، ومن له حقُّ التصرّف في ثرواته وما هو قابعٌ في جوفه من مصادر تمثّل كنوز للشعوب المشاطئة؟
ينظّم العلاقة بين الدول الخمسة المشاطئة، قانونُالبحار المتمثّل في اتّفاقية حقوق الملكيّة في الجرف القاريّ الصادرة عن الأمم المتّحدة العام 1982.
والمعروف أنّ المعاهدات الدوليّة تفيد بأن لا أحدَ يملك القطب الشماليّ، بل أنّ كلَّ دولةٍ لها حدودٌ تمتدّ إلى 200 ميلٍ بحريّ، والباقي يعتبر مياهًا دوليّة، وهو ما يبدو أنّروسيا وكندا وأمريكا والدنمارك والنرويج لم تقتنع به، فقامت كلٌّ منهم بمَدِّ حدودِها شمالاً للمطالبة ببعض الأراضي من حولها على أمل الاستفادة من ثروات القطب الشماليّ، والتي بدأت التغيّرات المناخيّة تميط اللثام عنها مؤخّرًا.
هل ستدفع ثروات القطب الشماليّ وممرّاته البحريّة وما يستجدّ من مفاجآت من حوله، إلى طريق عسكرة المشهد شمال الكرة الأرضيّة؟ وهل يمكن أن يتحوّل الأمر إلى معارك حقيقيّة تقود إلى مواجهات عالميّة؟
يومًا تلو الآخر تبدو عسكرة القطب الشماليّ واقع حال، من كلِّ الأطراف، الأمر الذي رصده “سكوت بورجيسون”، الباحث الرئيسيّ في مجلس العلاقات الخارجيّة الأمريكيّة، والذي أشار مؤخّرًا إلى أنّ التحَرُّك الروسيّ في قاع المحيط المتجمّد الشماليّ، وإلقاء كبسولة معدنيّة تحمل العلم الروسيّ قد أثار اهتمامًا عالميًّا، سِيَّما وأنّه ذكّر الناس بما أسماه الحقبة الاستعماريّة البائدة، والتي كانت فيها القوى الكبرى تتنافس على حيازة الأراضي الجديدة، فيما المستكشف الروسيّ الشهير “أرتور شيلنجاروف”، والذي يقود الحملة الاستكشافيّة يصرّح بأنّ “القطب الشماليّ لنا، وعلينا إظهار وجودنا على أرضه”.
والشاهد أنّ المساحة التي تَدَّعي روسيا امتلاكها تفوق مساحة المانيا وفرنسا مجتمعتَيْن، ويقول عنها “أليكسي ميلشينكو”، الخبير في مركز كارنيجي في موسكو إنّها ستجعل السباق على القطب الشماليّ شرسًا.
لم يكن للولايات المتّحدة الأميركيّة أن تقف بعيدةً عن المشهد، ولهذا نراها تكرّر مناوراتها البحريّة في منطقة آلاسكا من جهة، وتسابق الزمن للحصول على كاسحات جليدٍ نوويّة، في محاولةٍ منها لمحاكاة ما لدى الروس من تلك الكاسحات والتي تضفي عليها حضورًا قويًّا في القطب الشماليّ برُمَّته.
عطفًا على ذلك، فإنّ الأحاديث الأميركيّة عن فكرة ضمِّ كندا إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة، تهدف إلى بسط مساحةٍ جغرافيّة مترامية الأطراف من عند المكسيك جنوبًا إلى آلاسكا ثمّ القطب الشماليّ، ما يعني مَوْلد كيانٍجغرافيٍّ غير مسبوق، بمقدّرات ماليّة لا تصدّ ولا تردّ.
لكن وعلى الرغم من الفرص الاقتصاديّة الهائلة التي تبدو ظاهرةً للعيان في منطقة القطب الشماليّ، وحتّى إذا غضضنا البصر عن الصراعات السياسيّة والعسكريّة التي يمكن أن تنشأ من حولها، يبقى هناك أمرٌ يمثّل مخاطر هائلة وغير مسبوقة، لا على الدول المشاطئة للقطب الشماليّ فحسب، بل على بقيّة البشريّة برُمّتها، مخاطر يمكن أن تكون كارثيّةً ومخيفة قولاً وفعلاً… ماذا عن ذلك؟
في شهر مارس من عام 2023 ، صدرتْ دراسةٌ عن جامعة “إيكس مرسيليا”، في فرنسا تقطع بأنّ الذوبان السريع للمناطق المتجمّدة في القطب الشماليّ، قد تسبّب إعادة إحياء الموادّ العضويّة القديمة المحفوظة في طبقات التربة العميقة منذ آلاف السنين.
وحذَّرَ الفريقُ البحثيّ، تحت إشراف عالم الأحياء الدقيقة “جان ماري كلافيري”، من خروج فيروسات الزومبي المعدية– كما أطلقتْ عليها الدراسة– الموجودة على عمق 16 مترًا تحت الجليد، بعد ذوبان الأنهار الجليديّة أو البقع الثلجيّة نتيجة الاحتباس الحراريّ بعد 48 ألفًا و500 عام من تجميدها.
يخشى العلماء من نشاط الفيروسات بمجرّد تعرّضها للحرارة بعد أن ظلَّتْ خامدةً لعشرات آلالاف من السنين.
اختبر عالم الأحياء “جان ميشيل كلافيري” الأستاذ الفخريّ للطبّ وعلم الجينوم في كلّيّة الطبّ بجامعة “إيكس مرسيليا” عَيّنات مأخوذة من التربة الصقيعيّة في سيبيريا لمعرفة ما إذا كانت تحتوي على جزئيات فيروسيّة مُعْدِية، وجاءت النتيجة حقا مخيقة.
هل العالم على موعد مع كوارث بيولوجيّة تصيب البشر حال تعميق الممرّ القطبيّ الشماليّ؟
تبدو مفاهيم الربح الرأسمالي البراغماتية، أهم من مستقبل الحياة الإنسانية، ولله الأمر من قبل ومن بعد.


