إلغاء اتفاقية الغاز بين إسرائيل ومصر، هل هي علامات على ما هو قادم؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

إلغاء اتفاقية الغاز بين إسرائيل ومصر، هل هي علامات على ما هو قادم؟

0 233

ترجمة: مركز الناطور للدراسات والابحاث 29/4/2012

إعداد: تسفي مزال

السفير الإسرائيلي الأسبق في القاهرة

معهد القدس للشؤون العامة والدولة في 27 /4/2012


إلغاء اتفاق تزويد إسرائيل بالغاز المصري لا يمكن اعتباره بأنه عملية تجارية أو قانونية عادية ناشئ عن خلاف بين طرفين، الاتفاق الذي وقع عام 2005 بين الشركات الإسرائيلية والمصرية تم تعزيزه ودعمه عن طريق اتفاق بين إسرائيل ومصر التزمت فيه الحكومة المصرية بتأمين تدفق الغاز وفقا للاتفاق التجاري واتفاقيات أخرى سيتم إبرامها في المستقبل.

بالإضافة إلى ذلك لهذه المشكلة بعد إستراتيجي بحكم مضمونها لذلك يمكننا اعتبار إلغاء الاتفاق من منظور تدهور العلاقات بين الدولتين في أعقاب سقوط الرئيس مبارك.

صفقة تزويد منتجات الطاقة (مثل الغاز) بين الدول حتى وإن تمت عن طريق شركات خاصة تكتسي أهمية قصوى للجانبين، الأمر يتعلق شكل عام باتفاق طويل المدى –في مثل هذه الحالة مداه 15 سنة- مع احتمال تمديده، والذي يتطلب استثمارات كبيرة لبناء البنى التحتية وصيانتها.

الغاز يستخدم من قبل المشتري لإنتاج الكهرباء وتطوير الصناعات وكذلك تحسين نوعية البيئة وبسبب ذلك هناك تأثير على مجمل الوضع الاقتصادي القومي.

العقد من ناحيته يحقق مدخولات مناسبة تحتل مرتبة مرموقة في ميزانية الدولة فيما يتعلق بالحالة المصرية.

الاستثمارات في البنى التحتية كانت مقلصة نسبيا بسبب القرب الجغرافي إذ كان يتطلب أنبوبا طوله 160 كلم فقط، على سبيل المثال أنبوب الغاز المعد من تركمنستان إلى أوروبا سيمر تحت سطح بحر قزوين ويمر عبر عدة دول طوله 3500 كلم وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة لمده بالإضافة إلى نفقات كبرى لصيانته.

يذكر أن إسرائيل أعربت عن رغبتها في شراء الغاز من مصر في النصف الثاني من عقد التسعينات هذا لأن القرب الجغرافي يقلص الاستثمارات في البنى التحتية وشراء الغاز عن طريق أنبوب رخيص أرخص من الغاز السائل الذي يتطلب إقامة منشآت باهظة التكاليف في موانئ الانطلاق والهدف.

في نفس الوقت فقد عرضت تزويد إسرائيل بالغاز لكن المسؤولين في القدس فضلوا مصر لأنهم آمنوا أن إبرام عقد هام للغاية معها سيعزز من العلاقات بين الدولتين كما أن الرئيس مبارك مهم جدا.

ومع ذلك وعلى خلفية المخاوف التي كانت سائدة من أن مصر قد توقف إمدادات الغاز بسبب مشاكل سياسية فقد اشترطت إسرائيل مقابل موافقتها على الصفقة والتوقيع على الاتفاق بين الدولتين أن يتضمن التزامات مصرية رسمية.

في الاتفاق الذي أبرم بين الحكومتين في 30 يونيو 2005 كان هناك تطرق لاتفاقية السلام وقد ورد في مقدمة الاتفاق أنه بالتطرق إلى اتفاق السلام بين الدولتين الذي أبرم في 26 مارس 1979 وعلى الأخص الملحق الثالث الذي يتناول العلاقات الاقتصادية بين الطرفين فإنهما يؤكدان رغبتهما في تطوير تعاون اقتصادي ثنائي في كل المجالات ومن ضمن ذلك قطاع الغاز.

في البند الثاني من الاتفاق ورد أن الحكومة المصرية ستكون ضامنة للإمدادات المستمرة والمتواصلة ودون توقف للغاز وفقا للعقود التي وقعت أو ستوقع بين EMG وشركة الكهرباء خلال الفترة الأولى ومدتها 15 سنة وكذلك في فترات أخرى، وأن نفس الضمان سيكون ساريا بالنسبة للجهات الأخرى التي ستصدر الغاز من مصر.

وعلى هذه الخلفية فإن الالتزامات الحكومية واضحة وأن إلغاء الاتفاق من جانب أحادي من جانب مصر يعتبر بطبيعته بأنه يحمل أبعادا خارج المجال التجاري أو النزاع بين المورد والمشتري وهذا يعهد خرقا لاتفاقية دولية وكذلك تجاهلا لاتفاقية السلام التي تتضمن إشارة هامة وواضحة إلى بيع الوقود إلى إسرائيل والذي استند إليه الاتفاق بين الحكومتين.

شركة EMG التي تورد الغاز إلى إسرائيل بالشراكة مع شركة الغاز الوطنية المصرية، هذه الشركة وكذلك هيئة النفط المصرية كانت حلقات اتصال بين EMG والحكومة المصرية، لا يمكن أن نتصور أنها تصرفت بدون استشارة مع وزارة الطاقة ومع المجلس العسكري الأعلى الذي يحكم في مصر منذ إسقاط مبارك، وعلى خلفية العداء لإسرائيل لدى الرأي العام المصري والعربي فإن العلاقات بين مصر وإسرائيل كانت دائما تحت إشراف مباشر من قبل الرئيس مبارك وكان يمكن أن نتوقع أن المجلس العسكري الأعلى الذي يقوم بمهمة الرئيس سيعمل كل ما يمكن عمله من أجل الحفاظ على اتفاق السلام ومظهره الهام: تزويد إسرائيل بالغاز وهي الصفقة الرئيسية في العلاقات بين الدولتين.

لمصر مصلحة في الحفاظ على السلام مع إسرائيل الذي منحها 33 سنة من الاستقرار وإمكانية معالجة مشاكلها الاقتصادية وهو ما لم يستغل بشكل مناسب لدواعي الأسف.

الهجمات المتكررة على خط أنابيب الغاز في سيناء (14 مرة) أدت إلى انخفاض كبير في تدفق الغاز، ففي 2011 كانت نسبة الإمدادات التي وصلت فقط 10-20% من الالتزام المصري، وفي عام 2012 تقلصت هذه النسبة ونتيجة لذلك أصيب الاقتصاد الإسرائيلي بأضرار ووزارة المالية تقدر خسائر الناتج القومي بحوالي 1.5% نجم عن استخدام وقود بديل وملوث وهو أكثر تكلفة مما أدى أيضا إلى رفع الأسعار للمستهلكين.

إلغاء مصر شكل دليلا على أن مصر لا تعتزم مواجهة المخربين الذين يهاجمون بدون توقف سيناء واستئناف تدفق الغاز وإنما العكس هو أن تبتعد وتتنصل نهائيا من الاتفاق وتتنكر لالتزاماتها وتتعاطى باحتقار مع المصاعب المادية التي تلحقها بالاقتصاد الإسرائيلي.

ينبغي أن يكون واضحا للمجلس العسكري بأن هذا هو بمثابة مساس بالعلاقات الإستراتيجية بين الدولتين. صحيح أن من الجائز أنه كان هناك اتصال معيب بين شركة الغاز والمجلس العسكري الذي دفع به إلى خطوة لا يدرك نتائجها بشكل كامل، والحقيقة أنه حتى يوم الأحد 22 أبريل وهو اليوم الذي أعلن فيه عن إلغاء الاتفاق أصدرت وزارة الطاقة المصرية بيانا أعلنت فيه أن الاتفاق لم يلغ، لكن هذا البلاغ لم يكن له تأثير عملي نظرا لأن الإلغاء قوبل بالتأييد وكذلك بحماس شديد لدى الجمهور المصري وكان من الصعب على الحكومة أن تتراجع عن ذلك.

قرار الإلغاء يتناقض مع المصالح المصرية لأن الوضع الاقتصادي في مصر خطير نظرا لأن السياحة وهي المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية تضررت وأن رؤوس الأموال قد هربت والاستثمارات الأجنبية توقفت واحتياطي مصر من العملة الأجنبية قد انخفض إلى ما تحت الخط الأحمر واتسعت ظاهرة البطالة واتخذت أبعادا غير مسبوقة.

لذلك كانت لمصر مصلحة أساسية في حماية خط أنابيب الغاز واستمرار تدفقه إلى إسرائيل؟

نحن في إسرائيل نجد صعوبة في فهم التفكير المصري لكن علينا أن نشير إلى السلوك الغريب من المجلس العسكري خلال الهجوم على مبنى السفارة الإسرائيلية وتجاهله لما يحدث في الميدان وكذلك تجاهل إلحاحات رئيس الحكومة نتنياهو وأنه كان ينبغي أن يتدخل الرئيس أوباما من أجل أن يتدخل الجيش المصري في العملية وينقذ رجال الحماية في السفارة الذين كانوا عالقين داخل السفارة.

تفسير لسلوك المجلس العسكري يمكن أن يكون كامنا في المصاعب التي يواجهها مع ما يحدث في سيناء والهجمات التي لا تتوقف من قبل البدو على خط أنابيب النفط، لكن كيف يمكن أن نفسر عجز الجيش المصري عن حماية خط أنابيب يعتبر قصيرا (بضع عشرات الكيلومترات فقط في الجانب المصري).

يشار إلى أنه في الآونة الأخيرة وفي نطاق جهد لتهدئة روع البدو ووضع خطة رئيسية اقتصادية لتطوير سيناء باستثمار حوالي نصف مليار جنيه مصري لكن سيمضي وقت طويل حتى يتم وضع هذه الخطة موضع التنفيذ.

التفسير الآخر هو ربما تقديم رشوة للرأي العام المحرض من قبل الإخوان المسلمين الذين يظهرون صفقة الغاز كجزء من الفساد الذي ساد في عهد مبارك.

المجلس العسكري يخوض في الوقت الحاضر صراعا صعبا مع الإخوان المسلمين بالنسبة لصياغة الدستور وشخصية الرئيس القادم ومكانة الجيش بعد نقل السلطة إلى المؤسسات المدنية الجديدة.

من الجائز أن إلغاء صفقة الغاز مع إسرائيل ستمنح المجلس العسكري عدة نقاط في هذا الصراع.

لإلغاء الاتفاق هناك جوانب سلبية أخرى، مصر تفقد الثقة في نظر المستثمرين الأجانب الذين تحتاجهم في هذه الفترة وهي قد تجد نفسها تدفع للجانب الإسرائيلي مليارات الدولارات كتعويضات عن خرق الاتفاق.

في هذا الصدد فإن الأوساط القانونية في مصر اتفقت مع البيانات مع الجانب الإسرائيلي بأن من المحتمل أن لا تكون مصر هي الطرف الرابح في عملية التحكيم، مطالب ضد مصر على عدم إمداد الغاز قدمت أمام مؤسسات دولية في جنيف وستكون هناك على ما يبدو مطالب أخرى إلا إذا وجدت مصر وسيلة للعدول عن قرارها ومواجهة الرأي العام وكذلك الإرهاب المتصاعد في سيناء.

بيان هيئة النفط المصرية بأن الجانب الإسرائيلي لم يلتزم بالجدول الزمني بدفع المستحقات تبدو غير معقولة نظرا لأنه كما ذكرنا هناك كمية صغيرة من الغاز زودت خلال السنة ونصف الأخيرة، وإذا كان المصريون على حق فعلا فلماذا لم يتجهوا إلى الحكومة الإسرائيلية وفقا للاتفاق الموقع بين الحكومتين ويطالبون بتدخلها؟

ثمة من يعتقد أن إلغاء الاتفاق تم ردا على أول دعوى أقامها الجانب الإسرائيلي على عدم تزويد الغاز في الفترة الأخيرة وبهدف إلقاء المسؤولية عن هذا الوضع على كاهل إسرائيل، وإذا كانت هذه هي الحقيقة فإنه يبدو أن الأمر يتعلق بخطوة غير مسؤولة ستعقد وضع الجانب المصري أكثر فأكثر.

وفي كل الأحوال الأمر يتعلق بخطوة أخرى في تدهور العلاقات الإسرائيلية المصرية والذي يبدو أنه تفكيك لمدماك هام في الأسس الداعمة للعلاقات بين الدولتين، هل هناك علامة على ما هو قادم؟

الحكومة الإسرائيلية حرصت على التقليل من أهمية إلغاء الاتفاق انطلاقا من الرغبة بعدم تصعيد المواجهة خلال هذه الفترة ذات الإشكالية في العلاقات مع القاهرة وعلى أمل إيجاد حل في نهاية الأمر.

ومع ذلك هل تستطيع الحكومة الإسرائيلية أن تلوذ بالصمت على خرق فاضح لالتزامات مصر حيالها؟

سيكون ذلك بمثابة تشجيع لمواصلة الاستهانة والاستخفاف بالاتفاقيات مع إسرائيل، والإخوان المسلمين الذين قد يشكلون أساس السلطة في مصر سيعتبرون ذلك نقطة ضعف بدون شك وسيحاولون استغلالها في المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.