شوؤن عربية

“إفلاس” لبنان.. معضلة توزيع الخسائر المصرفية

رابحة سيف علام – 9/4/2022

أعلن نائب رئيس الحكومة اللبنانية سعادة الشامي، في 3 أبريل 2022، عن “إفلاس” الدولة اللبنانية ومصرفها المركزي، فتصدر الخبر الوكالات الإخبارية العربية وأصبح بمثابة إعلان جديد عن أزمة طارئة تُضاف إلى سلسلة الأزمات اللبنانية المتراكمة. ولكن في اليوم التالي، سارع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى نفى الخبر وتأكيد أن المصرف المركزي يباشر عمله المعتاد، بينما أوضح رئيس الوزراء نجيب ميقاتي أن التصريحات السابقة قد تم اجتزائها من سياقها ومن ثم تم تأويلها بشكل خاطئ. فما هى حقيقة هذا الإفلاس وما الجديد في التعثر الاقتصادي الذي يعاني منه لبنان؟

جاء تصريح نائب رئيس الوزراء سعادة الشامي في معرض رده على سؤال من مُحاوِره التلفزيوني بقناة “الجديد” عن مدى تقدم المفاوضات التي يجريها الوفد اللبناني المفاوض مع صندوق النقد الدولي. فوفد الصندوق يزور لبنان حالياً ولمدة أسبوعين للاجتماع مع ممثلي الحكومة، ورغم أنه من المفترض أن يكون لدى الشامي تفاصيل أكثر باعتباره عضواً في هذا الوفد، إلا أنه تهرب من الإجابة الدقيقة على أسئلة المُحاوِر من خلال هذا الرد الصادم بتأكيد إفلاس الدولة ومصرفها المركزي. كان السؤال الذي لم يتمكن الشامي من الإجابة عليه هو: ما مقدار الخسائر التي سيتحملها كل طرف من الأطراف الدائنة للبنان في حال تم رسم خطة جديدة لجدولة وسد الديون التي توقف لبنان عن سدادها منذ عامين تقريباً.

وقف سداد أقساط الديون

في حقيقة الأمر، إن إفلاس لبنان أعلن سابقاً في مارس 2020 عندما قررت الحكومة السابقة برئاسة حسان دياب التخلف لأول مرة عن سداد أقساط الدين الخارجي. ومن ثم بدأ لبنان في إجراءات جدولة الدين العام مستفيداً من مشورة صندوق النقد الدولي. ولكن هذه المشورة اصطدمت سابقاً بتعدد متخذي القرار الاقتصادي في لبنان، حيث تتخذ الحكومة ممثلة في مجلس الوزراء جزءاً من القرار الاقتصادي ومخصصات الموازنة، بينما يتخذ حاكم مصرف لبنان القرارات المالية الخاصة بالقطاع المصرفي وأيضاً الخاصة بتوفير الدولار وتحديد سعره لدفع الأموال اللازمة لاستيراد المواد الأساسية من غذاء ووقود ودواء. ونظراً لأن ذلك يعني تعددية للأصوات في التفاوض مع الصندوق، فقد سبق أن جمّد هذا الأخير مشورته إلى لبنان في يوليو 2020 لغياب القرار الاقتصادي الموحد.

ولكن مع تشكيل الحكومة الحالية برئاسة نجيب ميقاتي في سبتمبر الماضي، روعي أن يتم تشكيل وفد تفاوضي متجانس كي يتمكن من التفاوض مع صندوق النقد بشكل يضمن جدية التزام لبنان ويسيطر على فوضى القرار الاقتصادي في البلاد، وهو الوفد الذي يتولى حالياً التباحث مع صندوق النقد حول أهم القوانين التي يجب أن تعلنها الحكومة ويوافق عليها مجلس النواب خلال شهرين قبل أن تنتهي ولايته استعداداً لعقد انتخابات نيابية جديدة.

مفاوضات لبنان مع صندوق النقد اصطدمت سابقاً بتضارب المصالح الذي يعبر عنها كل طرف يمسك بالقرار الاقتصادي والمالي في لبنان. فمن المعروف أن الدين اللبناني يموله مجموعة من الدائنين الدوليين بالإضافة إلى البنوك التجارية اللبنانية ممثلة بجمعية المصارف التي أقرضت الدولة من أموال المودعين طوال عقود. وقد تسببت هذه السياسة الخاطئة التي تغاضت عن تنويع أوعية استثمار القطاع المصرفي وعمدت إلى التوسع في إقراض الدولة في الأزمة المصرفية الحالية. فعندما عجزت الدولة عن دفع أقساط الدين اهتز النظام المصرفي وعجز بدوره عن الاستجابة لطلبات المودعين بسحب أموالهم من البنوك.

ولذا، من المفترض أن يتم تقييم الخسائر ثم توزيع هذه الخسائر بين الدائنين الدوليين والبنوك التجارية والمودعين والدولة ممثلة في المصرف المركزي. ويعد توزيع الخسائر هو جوهر المفاوضات التي يجريها لبنان مع صندوق النقد الدولي، إذ يسعى الأخير إلى تمرير خطة تقوم بتوزيع عادل للخسائر، بينما تسعى الحكومة- حسب تقارير عديدة- إلى تحميل المودعين أكبر الخسائر الناجمة عن تعثر النظام المصرفي. ولذا عندما سُئل الشامي يوم الأحد الماضي عن حصص توزيع الخسائر بين الدائنين قال أن “الدولة والمصرف المركزي أفلسا وليس بمقدورهما تحمل حصة كبيرة من الخسائر”، قاصداً بذلك تبرير التوجه الحكومي بتقليص ما تتحمله الدولة من خسائر وتحميلها للمودعين بدلاً من ذلك.

مشروع قانون تقييد التحويلات والسحوبات المالية

حاولت الحكومة، في آخر شهر مارس الماضي، تمرير قانون لتقييد حركة التحويلات والسحوبات المالية، لمنع هروب رؤوس الأموال للخارج أو التلاعب بسعر الليرة مقابل الدولار في الداخل، حيث فقدت الليرة خلال العامين الماضيين أكثر من 90% من قيمتها. ويعتبر هذا القانون من شروط التفاوض مع صندوق النقد، ولكنه يأتي متأخراً كثيراً، حيث كان من المفترض تمريره منذ بداية الأزمة المالية في نوفمبر 2019 لمنع هروب الأموال للخارج. إذ تقدر رؤوس الأموال التي هُرِّبت للخارج بالفعل منذ بداية الأزمة بحوالي 19 مليار دولار على الأقل، ومن غير المرجح أن تعود هذه الأموال مرة أخرى لتعويض خسائر القطاع المصرفي.

قانون تقييد حركة التحويلات والسحوبات المالية (Capital Control) يقضي بوضع اشتراطات على السحوبات المالية والتحويلات الخارجية للنقد الأجنبي للحفاظ على ما تبقى من دولار بحوزة البنوك والمصرف المركزي وترشيد استخدامها في توفير احتياجات لبنان من المواد الأساسية. ويكتسب ذلك أهمية كبيرة في ظل تعددية سعر صرف الليرة مقابل الدولار، فالسعر يختلف بحسب الاستخدام المنتظر من الدولار. فللدولار سعر رسمي يتم تداوله داخل المصارف، وسعر آخر يتم تداوله في السوق السوداء، وكي يتم وضع حد للمضاربات، يسعى المصرف المركزي لتنظيم سحب الدولار من المصارف بالسعر الرسمي بما يضمن الاستخدام الأمثل لهذا الدولار في تمويل استيراد احتياجات لبنان الأساسية من الواردات أو الاحتياجات العلاجية. وقد قامت الحكومة بإعداد قانون عاجل لتقييد حركة رؤوس الأموال وعرضته على مجلس النواب كي يتم إقراره بالتزامن مع زيارة وفد الصندوق، ولكن الإعداد المتعجل لهذا القانون وعدم مناقشته بشكل مستفيض أدى إلى رفضه من جانب اللجان البرلمانية المختصة حتى بعد إدخال بعض التعديلات عليه.

كان القانون ينص على وضع حد شهري للسحب الفردي من حسابات الأفراد بالبنوك بقيمة 1000 دولار، وكان التعميم السابق يضع حداً يساوي 800 دولار يصرف نصفها فقط بالدولار والنصف الآخر بالليرة بسعر 12 ألف ليرة مقابل الدولار الواحد وهو سعر يقل عن السعر السوقي بمقدار النصف تقريباً. فيما تم استثناء بعض القطاعات الحيوية التي تحتاج الدولار بشكل دوري وخاصة القطاعات الاستيرادية التي تحتاج لعمل اعتمادات بالدولار للدفع للموردين بالخارج وقطاعات الصحة والعلاج وأيضاً أهالي الطلاب الذين يدرسون بالخارج ويحتاجون لعمل تحويلات بالدولار لهم، فضلاً عن استثناء الحسابات التي تستقبل “أموالاً جديدة” بالدولار من الخارج كالسفارات والمنظمات الأجنبية العاملة بلبنان.

تنازع مصرفي قضائي حول مصير أموال المودعين

كان مشروع القانون ينص أيضاً على تعيين لجنة تقوم بمراجعة هذه الاشتراطات كل فترة وتغييرها بحسب الحاجة بالنظر لتحسن رصيد الدولار أو تدهوره، وقد اختلف على تشكيل هذه اللجنة إلى أن تم الاستقرار على تكوينها من حاكم مصرف لبنان ووزير المالية وخبيرين اقتصاديين مستقلين وقاضٍ، ويخضع تشكيلها لمجلس الوزراء. ولعل إضافة قاضي إلى تشكيل اللجنة يعد مفارقة غريبة في تشكيل لجنة مالية بالأساس، ولكن المتابع لمجريات القرار المالي اللبناني مؤخراً يجد حالة تنازع كبير بين السلطات القضائية وبين سلطات المصرف المركزي. فبعد وضع قيود على سحب أموال المودعين من البنوك، لجأ الكثير من هؤلاء إلى رفع دعاوى قضائية أمام القضاء اللبناني والأجنبي لإلزام البنوك بصرف مستحقاتهم المالية طبقاً لأرصدتهم بالبنوك، وهو ما انعكس سلباً على حالة تكافؤ الفرص في السحب من الأرصدة بين المودعين ووجه ضربة إلى حد السحب الذي حدده مصرف لبنان على أن يسري على الجميع.

في مقابل ذلك، عمدت النائبة العامة الاستئنافية بجبل لبنان القاضية غادة عون – وهي على صلة قرابة وولاء سياسي للرئيس ميشال عون- إلى فتح تحقيق بتهم التربح غير المشروع وغسيل الأموال بحق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وأخيه رجا، واستدعت الأخير للتحقيق وصدر بحقه أمر بالحبس على ذمة التحقيقات، بينما يعتبر حاكم المصرف ملاحقاً من القضاء حالياً لحين مثوله للتحقيق. كما تم التواصل مع بعض السلطات الأوروبية لتجميد أصول عائدة إلى الأخوين سلامة بكل من فرنسا وألمانيا ولوكسمبورج تقدر بنحو 120 مليون يورو لحين البت في التحقيقات الجارية.

وقد دفعت هذه الإجراءات المصارف إلى الاحتجاج وتنفيذ إضراب تحذيري يومي 21 و22 مارس الماضي، لوقف ما اعتبرته تدخلات أجهزة قضائية غير مختصة في العمل المصرفي. وإذ اعتبر البعض أن هذه الاجراءات القضائية إيجابية وتستهدف مكافحة الفساد في القطاع المصرفي، يعتبر البعض الآخر أنه تدخل “شعبوي” من جانب جهات قضائية غير مختصة وغير واعية بتفاصيل الإدارة المصرفية لا ينم عن محاربة الفساد ولكن يدل على استهداف بعض خصوم الرئيس بقصد تصفية الحسابات السياسية قبل الانتخابات الوشيكة. ولذا اقترح مشروع القانون تعيين دائرة قضائية محددة تكون مختصة بالتحقيق بالمخالفات المصرفية كي لا يصبح الأمر خاضعاً للولاء السياسي للقضاة.

وكان الرئيس عون قد حاول أكثر من مرة إقالة حاكم مصرف لبنان وتحميله بالكامل فشل القطاع المصرفي، ولكن هذه الرغبة اصطدمت برفض رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي الذي يعتبر أن الثقة بالقطاع المصرفي ستهتز أكثر فأكثر إذا ما تم تغيير قيادة مصرف لبنان في هذه الظروف الدقيقة. المعركة السياسية بين معارضي ومؤيدي حاكم مصرف لبنان امتدت إلى ساحة المزايدات السياسية قبل الانتخابات، إذ يعتبر البعض أن النواب الذين أسقطوا مشروع قانون تقييد حركة الأموال كانوا يستهدفون بالأساس إرضاء ناخبيهم قبل الانتخابات، متغاضين عن أهمية إقرار هذا القانون بالسرعة اللازمة كي يتم إنجاح توقيع اتفاق أوّلى مع صندوق النقد يساعد لبنان على الخروج من أزمته الاقتصادية. فيما يرى آخرون أن أهمية الاتفاق مع صندوق النقد على حزمة القوانين الإصلاحية لا يجب أن تتقدم على موافقة نواب الشعب على هذه الإصلاحات، وأنه لابد من دراسة مشروعات القوانين بشكلٍ كافٍ في اللجان البرلمانية قبل إقرارها لما لها من إلزامية ستمس المصالح الاقتصادية للشعب اللبناني كله. والأهم من ذلك أن لا يتحمل المودعون وحدهم خسائر القطاع المصرفي الذي تسببت بها السياسات الخاطئة للنخبة الحاكمة طوال العقود الثلاثة الماضية.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى