ترجمات عبرية

إسرائيل اليوم: موكب الغباء الأمريكي: نسخة بايدن

إسرائيل اليوم 25/8/2022، بقلم: البروفيسور أبراهام بن تسفي

منذ ترسيمه الرئيس الـ 46 للولايات المتحدة (بل وبقوة أكبر منذ بدأت روسيا هجومها الفاشل على أوكرانيا قبل نصف سنة) لم يخفِ جو بايدن تطلعه لإعادة أمته إلى الاتفاق النووي مع إيران، والذي انسحب منه سلفه في البيت الأبيض، دونالد ترامب في 2018. وهو يواصل إذن السعي إلى إقراره من جديد دون كلل أو ملل. في نظر الرئيس، تقف القوة العظمى بقيادته أمام أربعة تحديات مركزية، أولها التهديد الاستراتيجي والاقتصادي المحدق من جهة بكين على مصالح أمريكية حيوية، بما في ذلك بالصلة بتايوان، والذي تصاعد مؤخراً عقب رد الصين الحاد على زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي، نانسي بلوسي إلى تايبيه. والتحدي الثاني هو التصدي المتواصل لوباء كورونا الذي لم يخبُ تماماً بعد، أما الثالث فينطوي على الاضطرار لمواصلة إجراءات التشريع خارقة الطريق في المستوى الاجتماعي والبيئي. في نظر بايدن، هذه الخطوات ستحسم مصيره السياسي ومستقبل حزبه بقدر كبير، في المدى القصير على الأقل. لكن تقف فوق كل هذه التحديات وعلى رأس جدول الأولويات الأمريكي الأزمة الحادة التي نشبت مع موسكو منذ اجتازت قواتها حدود أوكرانيا، فتحدت بذلك النظام الإقليمي وقواعد اللعبة التي تقررت مع نهاية الحرب الباردة.

واضح أن آثار هذه الحرب التي لا تلوح نهايتها في الأفق، على الاقتصاد الأمريكي (والعالمي) بعامة، وعلى سوق الطاقة بخاصة، كانت فورية ودراماتيكية وأضافت بعداً إضافياً لأجواء الحرب الباردة التي عادت من غياهب النسيان مباشرة إلى مركز العلاقات المشحونة التي بين الولايات المتحدة وروسيا.

على هذه الخلفية المعقدة التي أدت بالإدارة لاتخاذ سياسة عقوبات اقتصادية متصاعدة على بوتين من جهة، ومساعدة استراتيجية شاملة لزيلينسكي من جهة أخرى، انقطع الرئيس الأمريكي عن الجبهة الإيرانية. إذ إن التوقيع على الاتفاق مع نظام آية الله مهما كانت طبيعته، سيمنحه مهلة من وجع الرأس الشرق أوسطي وفي الوقت نفسه سيسمح له بأن يسوق الاتفاق في المجال الجماهيري الأمريكي الداخلي كنجاح لسياسته في استقرار هذه الساحة العاصفة عشية الانتخابات النصفية.

فضلاً عن ذلك، حتى لو لم تجد الآثار الاقتصادية للاتفاق تعبيرها في المدى الفوري، فإنها كفيلة – في نظر “كل رجال الرئيس” – بأن تسهم في إنهاء أزمة الطاقة التي كانت بين العوامل الأساسية لدوامة التضخم المالي التي يشهدها الاقتصاد الأمريكي في الأشهر الأخيرة.

لكن الحماسة الأمريكية (والأوروبية) هذه للدفع بالاتفاق، لن تشوش مواضع الضعف العميقة الكامنة فيه، وحقيقة أنه سيكون غير متماثل تماماً من ناحية ميزان التنازلات التي فيه. إذ إن “التنازل” الإيراني الأساس – أي استعداد طهران المزعوم للتسليم ببقاء الحرس الثوري في قائمة المنظمات الداعمة للإرهاب – أمر عديم المعنى عملياً. وذلك في ضوء المسارات الالتفافية التي ستسمح للشركات وللاتحادات الدولية العديدة لاستئناف علاقاتها التجارية مع الوكلاء العنيفين للنظام، وإن كانوا بتسريحة جديدة. كما أن باقي بنود النظام هي بمثابة استسلام غير مشروط من جانب الإدارة الأمريكية وشركائها في الاتفاق الأصلي من العام 2015. هكذا مثلاً لن يسمح الاتفاق لمراقبي الوكالة الدولية بمواصلة التحقيق الناجع وبعيد المدى في النشاط الإيراني المشبوه في الحقل النووي والذي اكتشفوه في ما لا يقل عن أربعة مواقع. الأمور ذاتها تنطبق أيضاً على مسألة الضمانات التي طالبت بها إيران من شركاء الولايات المتحدة في حالة أن تقرر الإدارة الحالية أو إدارات مستقبلية الانسحاب مرة أخرى من الاتفاق. وبالفعل، في هذا الإطار أيضاً استجيب الطلب، وإن ضمانات مالية من جانب كتلة الدول الأوروبية على التزام الولايات المتحدة بالاتفاق سوف تُمنح لنظام خامنئي.

إضافة إلى ذلك، فإنه حتى لو ألزم الاتفاق إيران بتجميد عمل أجهزة الطرد المركزي المتطورة لديها، يطرح السؤال: هل سيعني التجميد تفكيك الأجهزة عملياً أو تخزينها في مواقع يراقبها مندوبو الوكالة عديمو الأسنان؟ وإذا كنا نعنى بتفكيك وتحطيم هذه الأجهزة، فهل سيكون مصير هذه العملية كمصير اتفاق “نزع” مخزونات السلاح الكيماوي في سوريا، والذي ائتمنت روسيا على تنفيذه بمباركة باراك أوباما وجون كيري قبل أقل من عقد؟

أمامنا بالتالي صيغة كلها مصالحة، أوهام وتنازلات أحادية الجانب، تقودها الإدارة بعيون مفتوحة. السؤال أي استراتيجية تتخذها إسرائيل في ضوء هذه الآلية الخطيرة، هو سؤال آخر يحتاج إلى بحث منفصل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى