إسرائيل اليوم – بقلم يوسي بيلين - دموع أخرى - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

إسرائيل اليوم – بقلم يوسي بيلين – دموع أخرى

0 67

إسرائيل اليوم – بقلم  يوسي بيلين – 30/10/2020

لم أرتبط كثيرا بسيرة رابين وبمواقفه السياسية التي اختلفت معها. ولكن على هذا الرجل الخاص، المقاتل في المعركة والمقاتل للسلام، والذي لم تكن بيننا ابدا محبة شخصية، وجدت نفسي ابكي مثلما لم ابكِ عندما ودعت اعز اقربائي“.

لقاؤنا الأول كان من طرف واحد. وقد جرى في الايام التي لا تنتهي من الانتظار، قبل حرب الايام الستة. كنت نفرا، مع لواء 8 بقيادة البرت ماندلر، الذي انتشر في صحراء فاران، على حدود سيناء. لم تكن لنا فكرة عما يحصل. ثلاث مرات تلقينا امرا بطي شبكات التمويه، وثلاث مرات امرونا بنشرها من جديد. سمعنا “خطاب التلعثم لليفي اشكول، في الترانزستور الذي اشتراه ابي لي، وحاولنا ان نتشجع بسماع تحليلات حاييم هرتسوغ، ولكن كانت هذه أيام طويلة من انعدام اليقين وانعدام الفعل. وعندها انتقل، من الفم الى الاذن النبأ بان رئيس الاركان اسحق رابين سيزور مقر قيادة اللواء.

لم يطلبوا منا المشاركة في طابور خاص او في أي احتفال. ربما بسبب الانضباط في استخدام الماء والذي منعنا من أن نحلق ذقوننا التي نمت. وربما لانه لم يكن يستطيب الاحتفالات. أتذكر أننا وقفنا قرب مركبة الاتصال ورأينا رابين عن مسافة غير قصيرة، يعتمر قبعته، ويدخل خيمة القيادة. أتذكر الإحساس بان هناك احد ما يعرف عنا، يعرف ما يفعل ويمكن الثقة به. ولعلنا رغبنا جدا في أن نؤمن بانه يوجد احد ما كهذا. في 1973 عاد من واشنطن، بعد أن انهى ولايته كسفير. كنت في حينه صحافيا في “دافار”، وأرسلت لمقابلته انطلاقا من التقدير بانه سيحل في مكان واقعي في القائمة للكنيست التالية. كانت لغولدا تجاهه محبة خاصة، وصلت الى بيته في تسهلا، واردت أن اقف عند فكره في مجالات الدولة والمجتمع. وقد اجرى هو المقابلة الصحفية وكأن على رأسه الشيطان. بعد سؤال او اثنين، طلب منه قائمة الأسئلة في دفتري. هذا لم يحصل لي ابدا ولم اعرف كيف أرد بالضبط ولكن في نهاية الامر أطلعته عليها. فبعد كل شيء، كان هو الرجل ذو القبعة الذي زار لواء 8.

مر رابين على الأسئلة، أعاد لي الدفتر وقال لي: “الأسئلة غير جيدة. اعتقدت أن معنى الامر هو أنه لن تكون المقابلة، ولكنه أجاب عليها جميعها. في الموضوع السياسي لم يكن لديه حسم في اتجاه الحمامة أو الصقر، ولكن في المجال الاجتماعي تحدث كزعيم جمهوري امريكي بكل معنى الكلمة. اعرب عن رأي واضح للغاية ضد المس من الاتحاد المهني بالسوق الحرة، انتقد النفقات المالية على المخصصات الاجتماعية وما شابه من أمور.

أراد السير في طريق بيغن

لم تكن محبة بيننا. فلم احب استخفافه العلني بالاشخاص وبالجماعات. الألقاب التي اغدقها عليهم وتعرضت أنا ايضا لها، وعارضت الكثير من مواقفه السياسية. معظم الخلافات بيننا كانت علنية. في 1987 وجدنا أنفسنا نتناكف في موضوع طرد العقوبات الأمنية والاقتصادية على جنوب افريقيا الابرتهايد؛ بعد سنة من ذلك اصطدمنا في موضوع إقامة الحكومة الجديدة في اعقاب الانتخابات:  فقد فضل، بالقطع، حكومة مشتركة مع الليكود برئاسة شمير بدون تناول وانا طلبت تشكيل حكومة برئاسة بيرس، بمشاركة الأصوليين. في 1994 كانت بيننا مواجهة على خلفية دعوتي لقيادة يهود أمريكا وقف التحويل لإسرائيل المبلغ الصغير، نسبيا مما يجمع من أموال الجباية وتكريس المال لما سمي بعد ذلك مشروع “تجليت”. في 1995 اصطدمنا على معارضته القاطعة لمطالبتي الغاء قانون الانتخاب المباشر لرئاسة الوزراء.

خلاف لم ينشر في حينه، كان يرتبط بمسألة هل نواصل في مسيرة أوسلو نحو اتفاق انتقالي او التوجه مباشرة الى الاتفاق الدائم. بعد ان وافق رابين على ان نواصل المفاوضات غير الرسمية التي جرت في  أوسلو مع ممثلي م.ت.ف اقام محفلا رباعيا ادار هذه المحادثات وضم، إضافة اليه، وزير الخارجية في حينه شمعون بيرس، انا والقانوني يوئيل زنجر. في مرحلة معينة طرحت على رابين، في هوامش اللقاء الأسبوعي، اقتراح ان نترك جانبا الجهد الكبير للوصول الى تسوية انتقالية وننتقل الى محاولة الوصول، منذ الان، الى تسوية دائمة، على خلفية النزعة البراغماتية التي تبينت لنا في الجانب الفلسطيني. أعربت امامه عن التخوف من أنه في السنوات الخمسة للتسوية الانتقالية ستكون مساحة يستغلها معارضو الاتفاق من على جانبي المتراس.

عارض رابين ذلك بشدة وقال انه يفضل السير في الطريق التي اتفق عليها في محادثات كامب ديفيد في 1978، انطلاقا من التقدير باننا اذا سرنا في طريق شقه مناحيم بيغن، فستكون شرعية اكبر للاتفاق الذي سنتوصل اليه. وأضاف الى ذلك حجة ثانية وبموجبها – اذا بدأنا بالمفاوضات على اتفاق دائم، ولم ننجح في الوصول الى التوافق، سيكون من الصعب جدا إعادة الطرف الفلسطيني الى طاولة المفاوضات والى التسوية الانتقالية، لانه سيخشى من أنه حتى المحادثات التي ستستأنف  ستؤدي في نهاية المطاف الى طريق مسدود، اذا فشلنا، الان في المحادثات على التسوية الانتقالية، لن يكون من الصعب جدا العودة اليها حين تتيح الظروف ذلك.

مهرجان في الميدان رغم انفه

ولكن كانت أيضا توافقات غير قليلة، واهمها كان استعداده لاجراء محادثات مع م.ت.ف بعد سنوات طويلة رفض فيها إمكانية كهذه رفضا باتا. راكمنا الكثير جدا من الساعات معا. في جلسات لمحافل مختلفة في حزب العمل. في جلسات الكابينت والحكومة، في الجلسات في الكنيست، في محادثات في ست او ثماني عيون. في لقاءات سرية وعلنية مع زعماء المنطقة، في محادثات بأربع عيون. في تموز 1995 قرر أن يضم ايهود باراك ويضمني الى حكومته.

عندما التقيته للحديث عن برامجي كوزير للاقتصاد والتخطيط قلت له بان برنامجي المركزي هو حل الوزارة لاصبح وزيرا بلا وزارة. فضحك وقال انه لم يسمع ابدا عن برنامج كهذا. قلت له ان هذه وزارة مصطنعة، أقامها مناحم بيغن، كي يجعل صديقه يعقوب مريدور وزيرا. دوائر مختلفة اخذت من وزارة المالية ومن ديوان رئيس الوزراء، وأقيمت وزارة زائدة، وحده من وقف على رأسها قادر على أن يتخلى عن وجودها.

طلبت موافقته المبدئية على الخطوة كي ابدأ بإعادة الدوائر الى الوزارات ذات الصلة والى ترتيب عمل 63 من المواظفين فيها. تلقيت منه ضوء اخضر، ولكنه قال، اعدك يا يوسي بانك بعد ثلاثة اشهر ستأتي الي بطلب علاوة ميزانية كي توسع مجالات الوزارة الحيوية التي تلقيتها. وعندما حلت الوزارة، لم يعد هو بين الاحياء.

رابين لم يستطب فكرة مهرجان السلام في ميدان ملوك إسرائيل. لم يفهم لماذا تحتاج حكومة ما لهذا الحدث. في الأنظمة ذات الحكم المطلق تجري السلطات مظاهرات في الميادين. اما في أنظمة الحكم الديمقراطية فهذه مهمة المعارضة. اما مؤيدو المهرجان فقالوا له انه في ضوء المظاهرات الكبرى التي يجريها اليمين ضد مسيرة أوسلو، يتعين على معسكر السلام ان يقول كلمته وان يسمع صوت رئيس الوزراء. خشي رابين من أن يكون الميدان شبه خال، مما سيسيء الوضع فقط.

النهاية كانت مختلفة، بالطبع. كان الميدان مليئا بالناس. وقد تأثر جدا واستصعب إخفاء ذلك. بتعابير رابينية، خرج عن طوره: وافق على أن يغني بضعة ابيات من “نشيد السلام” رغم أنه كان يعرف جيدا ان قدرته على الغناء محدودة. بل انه عانق بيرس. بعد الاغتيال وجدوا في جيب سترته الصفحة وعليها كلمات “نشيد السلام” ملطخة بدمه.

على هذا الرجل الخاص، المقاتل في المعركة والمقاتل للسلام، والذي لم تكن بيننا ابدا محبة شخصية، وجدت نفسي ابكي مثلما لم ابكِ عندما ودعت اعز اقربائي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.