إسرائيل اليوم– بقلم أرئيل كهانا - هكذا أفلتت السيادة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

إسرائيل اليوم– بقلم أرئيل كهانا – هكذا أفلتت السيادة

0 85

إسرائيل اليوم– بقلم  أرئيل كهانا – 12/2/2021

مسيرة سقوط خطة الضم او بسط السيادة في المناطق ضمن خطة القرن لترامب عن جدول الاعمال وحلول اتفاقات ابراهيم محلها“.

ستشكل لجنة مع اسرائيل تحول الخريطة الفكرية الى خريطة عملية، تفصيلية واكثر دقة، بحيث أن الاعتراف يتحقق بشكل فوري”، بهذه الكلمات، في احتفال اطلاق “خطة القرن” في البيت الابيض في 28 كانون الثاني 2020، منحت الولايات المتحدة موافقتها على خطوة تاريخية: بسط السيادة الاسرائيلية على غور الاردن وعلى الاستيطان الاسرائيلي في ثلث مناطق يهودا والسامرة.

ولكن السيادة او “الضم” لم تخرج الى حيز التنفيذ. رغم اعلان ترامب الصريح، التعهدات المتملصة لجارد كوشنير، عشرات وعود نتنياهو والاقوال الصريحة للسفير الامريكي ديفيد فريدمان، بقيت الخطوة السياسية الجريئة التي استهدفت تحويل اتجاه التاريخ مثابة فكرة على الرف. بعد سنة عدنا لنفحص كيف ولماذا فشلت السيادة؟

***

بدأ بنيامين نتنياهو ينقط تصريحات عن نيته بسط السيادة في جزء من مناطق يهودا والسامرة منذ بداية 2018. في جلسة كتلة الليكود قال انه “في موضوع بسط السيادة، فمنذ وقت وأنا اجري حوارا في الموضوع مع الامريكيين”، وشدد على أن احد المباديء هو “التنسيق قدر الامكان مع الامريكيين، الذين العلاقة معهم هي ذخر استراتيجي لدولة اسرائيل وللاستيطان ايضا”.

في البيت الابيض سارعوا في حينه لنفي اقواله. “التقارير وكأن الولايات المتحدة تبحث مع اسرائيل في خطة ضم كاذبة”، جاء في بيان رسمي، شاذ جدا في عهد ترامب.

رغم النفي، فان نتنياهو ومستشاريه، وعلى رأسهم السفير في واشنطن رون ديرمر، كان بالفعل في اتصالات  وثيقة مع رجال ترامب – كوشنير، جيسون غرينبلاط وفريدمان حول طبيعة خطة القرن. كانت حاجة الى سنة اخرى من المحادثات لاستكمال تفاصيلها، بما في ذلك فكرة السيادة.

في نهاية 2018 استكملت الخطة، ولكن افيغدور ليبرمان استقال، مما ادى الى تسريع تقديم موعد الانتخابات. وكي لا يظهر الامريكيون كمن يتدخلون في الانتخابات في اسرائيل، وهو أمر اشغل بال كوشنير على مدى كل الطريق، قرروا تأجيل نشر الخطة الى ما بعد تشكيل حكومة في اسرائيل. احد لم يخمن في حينه بان اسرائيل ستتدهور الى سنتين فأكثر من الدوامة السياسية.

ولعلم نتنياهو الجيد في تفاصيل خطة السلام، تحدث من جهته المرة تلو الاخرى على مدى 2019 عن “الفرصة التاريخية لبسط السيادة”. ولكن فيما كانت الانتخابات الاولى والثانية في الخلفية، اعتبرت اقواله كوعد انتخابي واستقبلت بعدم ثقة.

مرت سنة اخرى. وصلنا الى نهاية 2019. وكانت اسرائيل في حينه في الطريق الى انتخابات ثالثة واستعد ترامب لمنافسة متجددة على الرئاسة. رغم الوضع السياسي في اسرائيل، قرر فريق السلام تحرير الحصن من الاسطبل. وهكذا تقرر ان تعرض خطة القرن على الجمهور أخيرا في كانون الثاني 2020. وإذ تعلم نتنياهو من تجربته في 1999، عندما خسر الانتخابات بسبب معارضة اليمين السياسي لاتفاقات واي، تخوف نتنياهو من أن يقوض اليمين الخطة، وتعزز الخطة قوة نفتالي بينيت وتؤدي الى اسقاطه من الحكم. ولهذا طلب من السفير الامريكي فريدمان، الذي تمتع بثقة كبيرة في اوساط زعماء اليمين ان يعرض عليهم مبادئها وان يجند تأييدهم لها. استجاب فريدمان وذلك ايضا لان هذه الجماعة تهمه، ولان الخطة تعد قمة تاريخية عملت الادارة على الوصول اليها.  

في الاسابيع التي سبقت الاحتفال في البيت الابيض، تحدث فريدمان مع شخصيات بارزة في الساحة السياسية والاعلامية في الجناح اليميني في اسرائيل. احد الوعود المركزية التي عرضها كان “ضوء اخضر” من الادارة لبسط السيادة الاسرائيلية “بشكل فوري”، على غور الاردن وعلى كل المستوطنات الاسرائيلية في المناطق. والى ان قيلت الكلمات على لسانه، كانت فكرة السيادة تعد غير واقعية في الخطاب السياسي مثلها مثل تجفيف المحيط الاطلسي. ولكن فريدما تعهد، ووقف زعماء اليمين الى جانب الخطوة.

“هذا حدث نادر وهام، الفرصة السياسية الاكبر التي وقعت لنا منذ 50 سنة”، قال وزير الدفاع في حينه نفتالي بينيت. بعض من قادة مجلس “يشع” للمستوطنين، وذلك ايضا بسبب ضغوط من جانب مكتب نتنياهو، وقفوا الى جانب رئيس الوزراء في مطار بن غوريون عندما انطلق على الدرب. كما أن صحافيين يتماثلون مع  المعسكر الوطني ايدوا الخطة.

يوم الاثنين فجرا، 27 كانون الثاني 2020، وصل نتنياهو الى واشنطن. على طائرته اضافة الى الاعلان، كان ايضا السفير فريدمان، رئيس الكنيست يريف لفين ومستشاري رئيس الوزراء.

يروي لفين فيقول ان “فكرة السيادة كانت اختراقا بكل مقياس، رؤيا الآخرة التي لم يتحدث عنها احد ابدا حتى ذلك الوقت. وقد قلبت من الاساس كل مفهوم العمل السياسي، وكان من الصعب جدا في البداية اقناع الامريكيين بمنطقها، وبالحاجة الى تنفيذها بشكل فوري. ولكن في نهاية المطاف كان اتفاق واضح بان يعترفوا بحقنا في ان نحصل على السيادة على الارض التي يخصصونها لنا”. ما فهمه وعرفه لفين، عرفه وفهمه ايضا نتنياهو، السفيران ديرمر وفريدمان وعمليا كل من كان مشاركا في الاعداد.

مع الوصول الى واشنطن بدأ نتنياهو بالاعداد للغداة. بالمقابل كان رأس ترامب ورجاله في اماكن اخرى. اجراء العزل الاول بلغ ذروته في تلك الفترة. عندما جلس نتنياهو مع مستشاريه في بلير هاوس كانت امريكا منشغلة بمسألة هل مستشار الامن القومي السابق جون بولتون سيصل الى مجلس الشيوخ ليشهد ضد الرئيس. وبالتوازي، في ذاك اليوم تماما، تلقى ترامب تقريرا أول عن وباء الكورونا، وغرد على التويتر  – ومن كان يصدق – بان الولايات المتحدة تعرض مساعدتها على  الصين.

بسبب الجدول الزمني المليء، الغي لقاء تنسيق أخير لكل مستشاري الرئيس المرتبطين بخطة القرن، والذي كان مخططا له لذاك المساء. وهنا، مثلما في مركبة فضاء لم يشد فيها برغي تماما، زرع الخلل الاول.

مفاجأة الحياني

في الغداة، عقد الاحتفال في البيت الابيض. كان نتنياهو منفعلا ومتحمسا ولكن الرئيس ترامب، ربما سبب العزل وربما لسبب آخر، كان قصير النفس. فور الحدث توجه نتنياهو الى المضافة الرسمية امام البيت الابيض، بلير هاوس، لاحاطة للصحافيين.

السعادة والرضى على وجوه نتنياهو ومستشاريه ما كان يمكن اخفاؤهما. ثلاث سنوات من العمل المضني والسري انتهت بما يبدو في تلك الدقائق كاختراق تاريخي لا مثل لها منذ حرب الايام الستة. واوشكت اسرائيل على أن تتخذ خطوة عظيمة لتعزيز مصالحها في المناطق.

كانت الاحاطة طويلة. ودخل نتنياهو الى تفاصيل تفاصيل الخطة. واعلن بان “حكم ايتمار كحكم تل أبيب” واعلن بانه “في جلسة الحكومة القادمة، الاسبوع القادم ستتخذ القرار ببسط سيادة اسرائيل في المناطق المخصصة وفقا لخطة ترامب”. واضاف بانه ستكون لاحقا نبضة اخرى.

وبالتوازي مع اقواله في واشنطن غرد مستشاره يونتان اوريخ، الذي كان في تلك اللحظة في اسرائيل “السيادة على كل الاستيطان يوم الاحد”.

ولكن بينما كنا نحن الصحافيين نجلس حول الطاولة في بلير هاوس ونتنياهو يتحدث، عقد مستشار ترامب الاكثر تأثيرا، جارد كوشنير مقابلة مع الاعلام الامريكي. وبخلاف نتنياهو أوضح بان “الضم ليس مسألة للايام القريبة القادمة”. وبالتوازي نقل البيت الابيض رسالة مباشرة لرجال نتنياهو، وفيها معارضة لتنفيذ فوري للسيادة. البرغي المرخي في المركبة الفضائية بدأ يفلت.

في البلاد، سارع اوريخ لشطب التغريدة. في واشنطن واصلت الامور في التدهور. وصل الى المدينة رئيس مجلس “يشع” دافيد الحياني وشريكاه، عوديد رفيفي من افرات وشلومو نئمان من غوش عصيون. كما وصل ايضا رئيس مجلس السامرة يوسي دغان. إذ ان للمستوطنين سياسة خاصة  هم.

دغان، خصم قديم لمجلس “يشيع”، اراد ان يلتقي نتنياهو على انفراد. ولكن الحياني تلقى وعدا الا يلتقي نتنياهو به. ومع ذلك، في الواحدة ليلا تقريبا، عندما خرج الحياني من عند نتنياهو في بلير هاوس، رأى أن دغان ينتظر دوره للدخول. فاشتعل غيظه، وفي ذات اللحظة صاغ تصريح معارضة حاد باسم مجلس “يشع”، لخطة السلام. وسرعان ما وصلت اقواله الى البيت الابيض.  اصيب السفير فريدمان بالدهشة.

“كان احباط كبير جدا لدى السفير”، اكد مصدر امريكي كان هناك في تلك الليلة. “المستوطنون وزعماؤهم هم مثاليون، ولكن هذا هذا سلوك صبيانا من جهتهم، شهد على عدم فهم تام للساحة السياسية. عارض رفيفي بشدة البيان  والشرخ الذي نشأ في تلك الليلة في مجلس “يشع” لم  يرأب حتى اليوم”.

جارد فهم كل شيء

ولا يزال، المشكلة الاكثر اشتعالا في تلك اللحظة كانت تكمن في الفجوة بين موقف نتنياهو وفريدمان وبين موقف كوشنير. نتنياهو وفريدمان تحدثا عن “السيادة يوم الاحد” اما كوشنير فاعلن عن “السيادة لاحقا، بعد الانتخابات”.

ويعترف يريف لفين فيقول: “حتى الان لا افهم ما الذي حصل هناك. في طرفنا كان واضحا للجميع بان الخطوة كان يفترض بها أن تتم بشكل فوري. كما أن الامريكيين لم ينفوا ابدا فهمنا لما اتفق عليه. وعندما طلبوا في ذاك المساء تأخير الخطوة كان المبرر فنيا، لترتيب الخرائط، ولكن في تلك المرحلة وما تلاها ايضا لم يقدموا معارضة مبدئية”.

كل الجهات الامريكية التي تحدثنا معها لغرض كتابة هذا التقرير تؤكد رواية لفين. فهاكم مثلا ما قاله مسؤول سابق في ا لبيت الابيض، كان في قلب العملية: “لا شك ان السفير فريدمان والمبعوث غرينبلات كانا متحمسين للفكرة ولهذا فقد ادخلاها الى الخطة”. اما بالنسبة لكوشنير فيشرح المسؤول: “كان هو المسؤول. اطلعناه مرات عديدة على الخطة، بما في ذلك فكرة السيادة. وحتى لو كان أقل تحمسا من الاخرين، فانه لم يعارض فكرة السيادة والا لما كانت ظهرت في الخطة. جارد رجل ذكي، مع تفكير استراتيجي، والادعاء بانه لم يفهم او  أن كل موضوع  السيادة كان خدعة سياسية من نتنياهو – هراء تام”. ويضيف مصدر اسرائيلي مطلع بانه “لو لم يكن نتنياهو واثقا مئة في المئة بان هذا هو موقف الولايات المتحدة، لما أهان نفسه بالمجيء حتى واشنطن واطلاق تصريح السيادة”.

وكان حتى كوشنير شرح منطق خطوة السيادة في طريقه الى الامارات في 31آب 2020 إذ قال: “هذه اراض لا ارى اسرائيل تخليها في المستقبل”. وشرح السفير فريدمان لاحقا الفوارق في المواقف في ذاك اليوم بينه وبين كوشنير كـ “سوء فهم”.

وكان يتعلق سوء الفهم بموضوع “الاعتراف بشكل فوري”. فقد اعتقد فريدمان ونتنياهو بان “الفوري” معناه جلسة الحكومة القريبة. اما كوشنير فاعتقد بان الخطوة يجب أن تتم بعد الانتخابات حين يكون اجماع سياسي حولها في البلاد.

ابعاد سموتريتش وبينيت

حاول الامريكيون والاسرائيليون في تلك الليلة انقاذ الوضع. في صباح الاربعاء قال “ستكون لجنة خرائط وستتوصل الى النتيجة الصحيحة. ولكن هذه العملية تحتاج الى جهد ما وتنسيق.

مرت الاسابيع، سيطر الكورونا على العالم، وصاروخ السيادة انحرف عن مساره ولكن في مراكز الرقابة في القدس وفي واشنطن كانوا لا يزالون يحاولون السيطرة عليه. في مدينة ارئيل انعقدت في نهاية شباط لجنة الخرائط الامريكية الاسرائيلية. وفي الاسابيع التالي لذلك قبل وبعد الانتخابات في  اسرائيل، عقدت اللجنة عدة جلسات  ووصلت الى نتائج هامة.  

ولكن العراقيل تعاظمت بما في ذلك من جانب من كان يفترض أن يكونوا القيادة الاكبر للخطوة. دافيد الحياني، يوسي دغان وآخرون في المستوطنات وفي اليمين تنافسوا الواحد مع الاخر في التنديد للخطة. وكذا سموتريتش، آييلت شكيد ونفتالي بينيت حرصوا على بعض البعد. من اليسار، بدأت حملة صاخبة ضد “الضم”. واشار صحافيون اسرائيليون لدبلوماسيين عرب في البلاد ان يهددوا اسرائيل بقطع العلاقات. في الاسرة الدولية ولا سيما في اوروبا وفي غرب الاردن ارتفع مستوى التحذيرات. وضاع الزخم.

ومع حلول الموعد التالي الذي حدده نتنياهو للضم، الاول من تموز، كانت لجنة الخرائط قد أعدت أربع خرائط للسيادة المحتملة. في نهاية حزيران، وكانت نشأت في اسرائيل حكومة وحدة وترامب فقد مكانته الداخلية والدولية بسبب الوباء، تخوف كوشنير اكثر من اتخاذ خطوات غير مقبولة في  الساحة الدولية. والى جانب ذلك تلقى غانتس من الامريكيين حق الفيتو على المسيرة السياسية. ومع ان غانتس اعرب عن تأييد متحمس للسيادة على مسمع من المستوطنين وشجعهم على أن “يأخذوا ما يتوفر لهم” الا انه قال النقيض التام للامريكيين. وهكذا ايضا وزير الخارجية اشكنازي. لا شك ان للرجلين دورا في شطب بسط السيادة على جدول الاعمال ويمكنهما ان يضيفا ذلك على “سيرتيهما الذاتية”.

وكان قبل ذلك، في منتصف حزيران طرح سفير الامارات في واشنطن يوسف العتيبة اقتراحا لتجميد السيادة مقابل تسوية العلاقات مع اسرائيل. وقبل نشر المقال في 12 حزيران في “يديعوت احرونوت” نقل المقال الى عناية آفي باركوفيتش في البيت الابيض الذي  اعطاه الضوء الاخضر.

في نهاية حزيران جاء باركوفيتش الى البلاد والتقى على انفراد مع اشكنازي، غانتس ونتنياهو. من الاولين سمع معارضة للسيادة، ومن الاخير تلقى ضوء اخضر لاستبدالها باتفاق سلام مع الامارات – عملية كانت على  اي حال على  شفا الانضاج بعد سنوات من التقارب من تحت الطاولة.  

في هذه النقطة فقدت المركبة الفضائية للسيادة الاتصال، حتى  اشعار آخر، او حتى  تعيدها ادارة جمهورية جديدة الى المسار. وبدلا منها حصلت اسرائيل على اتفاقات ابراهيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.