Take a fresh look at your lifestyle.

إبراهيم نوار يكتب –  يهود يطالبون بإسقاط صفقة القرن وإقامة سلام على أساس حل الدولتين

0 153

 إبراهيم نوار *- 30/6/2021

ثلاثة تطورات مهمة وقعت خلال الأسابيع الأخيرة، تمثل محركات قوية على طريق بناء نموذج جديد/مواز للنضال ضد استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، وإحداث تحول جوهري في الموقف الأمريكي من مسألة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بعد صفقة القرن التي روّج لها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وأدت إلى تقديم أولوية التطبيع على ضرورة إنهاء الاحتلال. التطورات الثلاثة التي نشير إليها هنا هي الرسالة الموجهة من 73 عضوا في مجلس النواب الأمريكي في 21 يونيو الحالي إلى الرئيس بايدن، تطالبه بالعودة إلى السياسة الأمريكية الثابتة، باعتبار الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة مناطق فلسطينية محتلة، وأن المستوطنات غير شرعية وتشكل عقبة في طريق السلام، وأن السلام العادل، يمكن أن يتحقق من خلال إقامة دولة فلسطينية تعيش في سلام إلى جانب دولة إسرائيل.

التطور الثاني المهم يتضمن تبلور كتلة ديمقراطية داخل الكونغرس، تسعى إلى فرض قيود على المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وجعلها مشروطة باحترام الحقوق والقيم الإنسانية وتحقيق السلام مع الفلسطينيين، وهو التطور الذي عبر عن نفسه من خلال محاولة إصدار تشريع جديد يلزم الإدارة بفرض قيود على تلك المساعدات، وجعلها مشروطة باحترام الحقوق الأساسية الإنسانية والسياسية للفلسطينيين، والالتزام بعملية السلام. وكان ستة من النواب الديمقراطيين قد تقدموا في الشهر الماضي بمشروع قانون بهذا الخصوص، كما تقدم أيضا السيناتور بيرني ساندرز بمشروع قانون في التوقيت نفسه تقريبا للغرض نفسه، لكن لم يتم التصويت على أي من المشروعين، بعد إتمام وقف إطلاق النار في غزة.

أما التطور الثالث فيعبر عن نفسه في اتساع نطاق حركة شعبية في الشارعين الأمريكي واليهودي، تقودها منظمات مؤيدة لإسرائيل، لكنها تتبنى نهجا تقدميا معاديا لاستمرار الاحتلال، والتوسع الاستيطاني، وسلب الحقوق الأساسية الإنسانية والسياسية للفلسطينيين. وتشارك في هذه الحملة منظمات يهودية أمريكية من أهمها منظمة (جي ستريت) اليهودية، التي يقودها جيريمي بن عامي، التي انتقدت بشدة السلوك العسكري الإسرائيلي في حرب غزة، ونددت بمقتل 67 طفلا فلسطينيا بريئا، نتيجة القصف الجوي والمدفعي على المدنيين الأبرياء. كما تضم الحملة منظمة «أمريكيون للسلام الآن» التي يرأسها هادار ساسكايند الضابط السابق في الجيش الإسرائيلي. وقد كتب ساسكايند مقالا مهما في مجلة «تايم)» الأمريكية في 16 يونيو الحالي، قال فيه إنه رغم تأييده لإسرائيل، لكنه بالقدر نفسه يؤيد فرض شروط على المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، التي تبلغ قيمتها 3.8 مليار دولار سنويا، بحيث ترتبط بمدى احترام إسرائيل لحقوق الإنسان، والتزامها بقواعد القانون الدولي بوصفها سلطة احتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة. السيناتور بيرني ساندرز هو أبرز قيادات التيار اليهودي التقدمي الجديد، سواء داخل الكونغرس، أو على المستويين الإعلامي والشعبي. وقد استخدم ساندرز صوته في مجلس الشيوخ للضغط على الحكومة الأمريكية لإقرار حزمة مساعدات إضافية للفلسطينيين بقيمة 50 مليون دولار في الشهر الماضي، حيث رفض الموافقة على تعيين مرشحين في وظائف قيادية لدى وزارة الخارجية، ولم يرفع رفضه إلا بعد أن أعلنت الإدارة هذه المساعدات.

هذه التطورات تكتسب أهمية بالغة في الوقت الحاضر، وتستدعي ضرورة وجود مجهود عربي مقابل يسير في اتجاهين، الأول يتعلق بتصويب الخطاب السياسي العربي تجاه قضية السلام، وترسيخ وجود تيار رئيسي يتوافق مع هذا التحول في الولايات المتحدة. أما الاتجاه الثاني فيتعلق بضرورة تكثيف المجهود الدبلوماسي العربي، من أجل تعزيز زخم مفاوضات التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، وسط تطورات ربما تقذف بها إلى الوراء، خلف أحداث أخرى قد تبدو أكثر سخونة، مثل مفاوضات الملف النووي الايراني، أو عملية إقامة نظام دفاعي إقليمي جديد للشرق الأوسط، أو جهود حل الأزمة اليمنية، أو احتمالات التصعيد على الجبهة الشمالية ببن إسرائيل ولبنان، أو الأزمة الليبية، أو سد إثيوبيا وغيرها.

شعبية في الشارع اليهودي

تلخص المطالب الثمانية التي وردت في رسالة نواب الحزب الديمقراطي إلى الرئيس بايدن، الخطوط الجامعة للتيار التقدمي اليهودي والأمريكي، الذي يرسم الآن، عمدا أو بدون قصد، ملامح نموذج جديد للتصدي للاحتلال الإسرائيلي للضفة وقطاع غزة. وقد تضمنت الرسالة المطالب التالية:

أولا: سحب خطة السلام التي طرحها ترامب، لأنها مهدت الطريق لضم مناطق فلسطينية إلى إسرائيل من طرف واحد.

ثانيا: الإصرار، من خلال كل القنوات، على ألا تقوم حماس بشن هجمات صاروخية ضد إسرائيل.

ثالثا: الإسراع بفتح القنصلية الأمريكية في القدس لتكون مختصة بالتعامل مع الفلسطينيين.

رابعا: أن تعلن الولايات المتحدة بوضوح أنها تعتبر المستوطنات مخالفة للقانون الدولي، وإصدار توجيهات بهذا الخصوص إلى كل من وزارة الخارجية وإدارة الجمارك الأمريكية.

خامسا: أن تعارض الولايات المتحدة بشدة إجراءات الطرد الإجباري للفلسطينيين من بيوتهم في القدس الشرقية وعموم المناطق الفلسطينية.

سادسا: النص في كل الوثائق الرسمية الخاصة بالصراع، على تأكيد أن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة هي مناطق محتلة تخضع للقانون الدولي.

سابعا: أن يتم إقرار كل المساعدات المخصصة للفلسطينيين، والموافقة على إتاحتها بدون إبطاء من جانب الكونغرس.

ثامنا: إدانة كل الأعمال التي تنطوي على انتهاك لحقوق أي من طرفي الصراع، أو تحاول عرقلة جهود إحلال السلام.

هذه المطالب تكتسب شعبية متزايدة في الشارع اليهودي والأمريكي، وهو ما يضع نظرية «ولاية إسرائيل السياسية على كل يهود العالم» أمام امتحان صعب، في الوقت الذي تواجه فيه السياسة الإسرائيلية انتقادات شديدة في معظم أنحاء العالم، خصوصا بين الشباب، على الرغم من محاولة توجيه اتهامات للمنتقدين بممارسة «العداء للسامية» وترهيبهم باستخدام القوانين المختلفة المناهضة لسياسة العداء للسامية في تكميم أفواه منتقدي السياسات الإسرائيلية وحرمانهم من التعبير عن رأيهم في هذا الخصوص، حتى بين تلاميذ المدارس، كما حدث أخيرا في بريطانيا.
وتضم قائمة أعضاء مجلس النواب الموقعين على الرسالة، أسماء كبيرة داخل الكونغرس مثل جيمي راسكن رئيس فريق التحقيق في إدانة دونالد ترامب، وروزا دي لاورو رئيسة لجنة التصديق على القوانين والقرارات، وجون يارموث رئيس لجنة الميزانية، وكاثرين كلارك مساعدة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي. وبينما حملت الرسالة توقيع النائبة إلهان عمر، فإن النائبة رشيدة طليب لم توقع لأنها تفضل حل الدولة الديمقراطية ثنائية القومية على حل الدولتين.

التقارب مع أنصار السلام

إعادة بناء النموذج النضالي ضد الاحتلال، وطرد الفلسطينيين وتهجيرهم القسري، ومصادر حقوقهم الأساسية الإنسانية والسياسية، من نموذج فلسطيني معاد لإسرائيل إلى نموذج فلسطيني – إسرائيلي – أمريكي معاد لسياسات الاحتلال والتطرف الديني على الجانبين، ومن نموذج يحتكم إلى الرصاص والعنف بكل أشكاله إلى نموذج يحتكم إلى الحوار على أساس القيم الإنسانية والحقوق السياسية بدون تمييز، ومن نموذج يعتمد على منطق أن تلك الأرض «لا تتسع إلا لي وليس لك» إلى نموذج يؤمن بـ»التعايش» على أساس أن تلك «الأرض تتسع لي ولك» سواء كنا نتحدث عن حل الدولتين، او عن حل الدولة الديمقراطية المزدوجة القومية. إن خلق جسور متنوعة للتعايش والحوار، وإنهاء الاستقطاب السياسي الحاد يفتح آفاقا جديدة لتجاوز الطريق المسدود، الذي يتجه إليه الصراع بعد أكثر من قرن من الزمان منذ بدأت حركة الاستيطان اليهودي في فلسطين. ومن الضروري أن تبادر الدبلوماسية العربية، الشعبية والرسمية إلى احتضان التيار الجديد في الحركة اليهودية العالمية، والتيار التقدمي في الحزب الديمقراطي الأمريكي، وفتح وتوسيع قنوات الحوار من أجل مستقبل أفضل للمنطقة. لكن هذا التفاعل يجب أن يتم في إطار محكوم ومنضبط، لأنه سوف يستثير ردود فعل غاضبة من جانب المتطرفين وأعداء السلام على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. ويكفي أن نعرف أن عددا من قيادات الجمهوريين في الكونغرس، والمتطرفين في إسرائيل يتهمون التيار التقدمي الجديد بالنازية والعداء للسامية. وفي هذا السياق ربما تكون إقامة قنوات للحوار العربي – الفلسطيني- اليهودي – الأمريكي حول ما جاء في رسالة أعضاء الكونغرس إلى الرئيس بايدن، لإحلال السلام في المنطقة، خطوة مهمة على هذا الطريق. كذلك فإن توجيه دعوات إلى قيادات الكونغرس والمنظمات اليهودية التقدمية المعارضة لاستمرار الاحتلال، والمؤيدة لحل الدولتين، أو الدولة الديمقراطية ثنائية القومية، لزيارة الضفة الغربية وغزة، والعواصم العربية المعنية بإنهاء الاحتلال وإقامة السلام العادل، يمكن أن يساعد على تغيير نمط إدارة الصراع، والانتقال إلى أنماط تفاعلية أكثر إيجابية، تمهد لسلام دائم يقوم على إنهاء الاحتلال، ويعزز نهج الاحتكام إلى قيم العدل والديمقراطية، واحترام الحقوق السياسية الأساسية، بعيدا عن المواقف المتطرفة والمتحيزة قوميا أو دينيا.

*كاتب مصري 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.