إبراهيم نوار يكتب أولوية إقامة الدولة وضرورة توحيد الخطاب السياسي الفلسطيني - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

إبراهيم نوار يكتب أولوية إقامة الدولة وضرورة توحيد الخطاب السياسي الفلسطيني

0 108

إبراهيم نوار 2/6/2021

يشير تقييم الخيارات الحالية للفلسطينيين إلى أولوية تتقدم كل ما عداها، هي إقامة الدولة، وتعزيز الهوية الفلسطينية، وإعادة صياغة وتوحيد الخطاب السياسي الفلسطيني. وإذا كانت المقاومة هي الخيار الذي يجسد وجود الفرد الفلسطيني بمنطق: “أنا أقاوم، إذن أنا موجود”، فإنها تكتسب معناها الحقيقي عندما ترتبط بهدف سياسي واضح ومحدد، فليس هناك منطق للمقاومة من أجل المقاومة. وإذا كانت الدولة هي مشروع المقاومة، فإنها لن تتحقق إلا في ظل رؤية للسلام. ونظرا لأن السلام ليس قريبا، فهناك ضرورة للتحوط، بوضع مشروع آخر، أو ما يسمى “الخطة باء”، فإذا اصطدمت الخطة الأصلية بطريق مسدود، فإن المقاومة تستطيع أن تجد لها منفذا إلى مسار يحافظ على جوهر الهوية الفلسطينية. الذي نقصده بالدولة الفلسطينية هنا هو دولة مستقلة، قابلة للحياة والنمو، تعيش في أمان وبدون تهديد، إلى جانب دولة إسرائيل.

المقاومة والسياسة

ومع وجود ما يشبه الإجماع على “المقاومة” فإن السؤال التالي هو: هل هناك إجماع على غاياتها السياسية؟ إن المقاومة في أشكالها المختلفة، من السلبية عند غاندي إلى حرب العصابات عند جيفارا، وما بينهما من حروب التحرير، هي نوع من الحرب. والحرب عند خبراء الاستراتيجية من كلاوزفيتز إلى كيسنجر، هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى، ولذلك فإن انتصار المقاومة يتوقف على اتساقها مع سياسة محددة وموحدة. وبقدر ما يكون الإجماععلى معنى السياسة، يكون الإجماع على طبيعة المقاومة. أما الانفصال أو التناقض بينهما، فإنه يكرس عوامل ضعف تسكن كلا منهما. المقاومة في أعلى صورها هي تضحية بالروح والدم، ودماء البشر وأرواحهم حرام، فاللعنة على من استحلها، ومن استرخصها أو تاجر بها. ويبدأ فهم السياسة من الاعتراف بحقيقة أن موضوعها هو المستقبل المنظور، وأنها تهدف لتحقيق غايات عملية قابلة للتطبيق، وليس شعارات نظرية مثالية، خصوصا إذا كان قد ثبت فشلها، وأدى الاستمرار في التمسك بها إلى تكرار الفشل، واستنفاد القوة. لكن مدى السياسة لا يصل إلى فرض الوصاية على المستقبل، فلنتعلم من الماضي، لكن لا توقف عن فرض الوصاية على المستقبل.

حقائق السياسة

الحقيقة الأولى هي أن التاريخ لا يستطيع أحد تغييره. رفعت الأقلام وجفت الصحف.

الثانية: أن الأحداث لا تصنع نفسها بنفسها، وإنما يصنعها الناس، وعلى الأصح تصنعها السياسة، سواء كانت صائبة أو كانت حمقاء.

الثالثة: أن السياسة الصائبة تبدأ من فهم الحقائق القائمة ومحركاتها، فهذا شرط أولي للتفاعل مع الواقع ومحاولة تغييره. ولن يجدي عدم معرفة الواقع وفهمه، خصوصا للذين يريدون تحديه والعمل على تغييره، كما يقول عالم السياسة الأمريكي هانز مورجنتاو، وهو يعرض لنظريتة عن الواقعية السياسية.

الرابعة: إذا كان الماضي من صنع أجيال سابقة، فإن المستقبل ملك أجيال قادمة، ومن الضروري عدم مصادرة إرادة وخيارات هذه الأجيال، أو فرض الوصاية عليها.

أما الحقيقة الخامسة، فإنها تتعلق بمسؤولية القيادة في الزمن الحاضر. إن القادة السياسيين الذين يروجون لأهداف سياسية تتعلق بالمستقبل غير المنظور، وليس بالحاضر أو المستقبل المنظور، إنما يعفون أنفسهم من المسؤولية السياسية، ويتهربون من المحاسبة، بإطلاق شعارات سياسية حماسية، يكون غيرهم مسؤولين عن تحقيقها. ومن المثير للدهشة أن هذا النمط من القادة السياسيين في العالم العربي فشل، ويعيد إنتاج فشله بدون حُمْرة خجل على وجوه أصحابه.

الدولة والمصلحة الوطنية

في تقييمه لتجربة ليبيا السياسية بعد القذافي، قال عالم السياسة الأمريكي فرانسيس فوكوياما، إن مشكلة ليبيا الجوهرية تمثلت في عدم وجود المؤسسات الأساسية، أو غياب الدولة. وأكد على أنه من الضروري وجود مصدر واحد حصري لمشروعية احتكار القوة، وبدون ذلك لن يتحقق أمن المواطن، ولن تتوفر لحياة الأفراد ظروف تسمح بالازدهار. وقد أفاض فوكوياما في دراسته لتطور النظم السياسية، في التشديد على أهمية وجود الدولة ومؤسساتها، كشرط مسبق للخيارات السياسية الأخرى. ونضيف إلى ذلك أنه بدون وجود الدولة، تتعرض ملامح الهوية السياسية للضياع، وتتفكك العلاقات بين الأفراد وتتحلل، لتعود إلى منابعها الأولى العشائرية أو الدينية، وهو خطر يهدد أي شعب من شعوب العالم، لكنه يهدد الفلسطينيين أكثر من غيرهم لثلاثة أسباب رئيسية، الأول هو غياب الدولة، والثاني هو وجود قوة مضادة لها، والثالث هو حالة الافتراق الصارخ بين تيارين سياسيين، يعتقد كل منهما أن الدولة إما أن تكون دولته، أو لا دولة على الإطلاق. في المناطق الفلسطينية المحتلة ينقسم الناس بين منظومتين مختلفتين من المؤسسات وقوانين الحكم ومعايير الممارسة السياسية، واحدة في الضفة الغربية والثانية في غزة. وفوقهما توجد قوة ضغط غاشمة تعمل على طمس ملامح الهوية الفلسطينية بالكامل، على أساس لعبة سياسية صفرية، يقوم منطقها على أن “فلسطين هي لي وليست لك، وأن كل شبر فيها تنام فيه، سوف اخذه منك، لأن تلك الأرض لا تتسع لي ولك، وإنما لواحد منا فقط”.

هذه المعادلة الصفرية، يتم تطبيقها وحمايتها بفوهات البنادق والصواريخ والطائرات، ولهذا وجبت المقاومة. لكن المقاومة في هذا السياق، إذا لم تكن في موقع القلب من برنامج سياسي عملي قابل للتحقيق في الأجل المنظور، تصبح مجرد رد فعل، ينتج رصيدا سلبيا. وحتى نكون أكثر تحديدا، فإن الأجل المنظور يجب أن يكون قابلا للقياس، وألا يتجاوز حدود جيل واحد من البشر، ويقاس الجيل بما يتراوح بين 20 إلى 25 عاما. ومن غير المنطقي وضع أهداف سياسية في الوقت الحاضر لجيل لم يولد بعد. ومن المؤسف في تاريخنا العربي، أن فينا من يباغت الحاضر بشعارات غير قابلة للتحقق في الأجل المنظور، ويفتقر من يطرحها للقدرة على تحقيقها. وإذا كان تاريخ القضية الفلسطينية يبدأ من عام 1948، فهذا يعني أن أصحاب شعار “فلسطين التاريخية كلها أو لا دولة بدونها” قد أضاعوا على ثلاثة أجيال من الفلسطينيين حق تقرير مصيرهم، وفرضوا وصايتهم من جيل إلى جيل، فأسهموا عمليا في تمكين إسرائيل مما يقرب من أربعة أخماس فلسطين التاريخية، وقد يهون عليهم خُمسها المتبقي فيضيع.

إن المصلحة الوطنية الفلسطينية تقتضي بالضرورة تقديم أولوية الدولة على ما عداها، وتوحيد الخطاب السياسي الفلسطيني حولها، لتوظيف الزخم السياسي الناتج عن المواجهة العسكرية الأخيرة في غزة والصمود الفلسطيني في كل أنحاء الضفة الغربية والقدس، لبناء حقائق سياسية جديدة على الأرض، والحيلولة دون تكرار الفشل، والبعد عن طلب تحقيق مصلحة خاصة لجماعة، أو فريق يثبت به تفوقه الأيديولوجي، أو غايته النفعية. ويجب عدم الخلط بين الصورة الذهنية عن الواقع والواقع نفسه، كما يجب على كل الزعماء، سواء الذين في رام الله أو في غزة، أن يتوقفوا عن سياسة فرض الوصاية على المستقبل غير المنظور، لأننا جميعا سوف نموت في الأجل الطويل، على حد تعبير الفيلسوف الاقتصادي الفرنسي جان بابتست ساي. وبدون الدخول في جدل نظري حول تحديد المصلحة الوطنية، فإننا يمكن أن نختصرها في ثلاث كلمات هي: البقاء والنماء والارتقاء. وإذا أردنا أن نضع الكلمات الثلاث في سياق تاريخي تفاعلي وليس ميكانيكيا، فإننا سنحل كلمة “ثم” بدلا من حرف العطف “و” لأن اختبار البقاء هو الرد على خطر “الإبادة”، وهو سابق على “النماء”، كما أن تحقيق “الارتقاء” لا يحدث بدون البقاء والنماء. وإذا كنا نتحدث عن المصلحة الوطنية للفلسطينيين، فإن أخطر ما يهددهم بسبب الاحتلال، هو فقدان الهوية والفناء. ولا أقصد بالفناء هنا نهاية الوجود المادي، لكني أقصد به تحلل الهوية واندثارها. وإذا عدنا إلى فوكوياما ودراسته الضخمة عن تطور واضمحلال الأنظمة السياسية في العالم، من المجتمعات البدائية حتى الثورة الفرنسية، ومنها إلى الوقت الحاضر، فإننا نعتبر أن وجود الدولة هو حاضنة الهوية، وأن انزلاق الهوية يبدأ بتحلل مرجعيتها من الدولة إلى العشيرة، ومن التعاون المفتوح بين الأفراد إلى التمييز بينهم على أساس دياناتهم. فسلطة رجال الدين وقادة العشائر أو القبائل هي سلطة أدنى وأقل تحضرا من سلطة الدولة، التي تتكامل فيها مؤسسات الحكم والإدارة، وسلطة حكم القانون، ومعايير ومنظومة الممارسة السياسية.

وبعد أن تأخر استحقاق إقامة دولة فلسطينية لمدة تتجاوز المئة عام، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، فإنه من المهم أن نكف عن خلط أولويتها برؤى ضبابية عن المستقبل غير المنظور، كما يجب أن نضع خطاً فاصلا بين الدولة التي تصنع الحرب، والدولة التي يصنعها السلام. فلنتعلم من دروس الماضي كيف نضع سياسة عملية قابلة للتحقق، مع التحوط لاحتمال الفشل بوضع هدف احتياطي، ولنترك المستقبل غير المنظور لأصحابه، ولتكف قيادتنا الحالية عن فرض وصايتها على المستقبل وعلى الأجيال القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.