أقلام وأراء

إبراهيم نوار: مفاوضات غزة: بين تكتيكات نتنياهو وصمود المقاومة

إبراهيم نوار 10-7-2024: مفاوضات غزة: بين تكتيكات نتنياهو وصمود المقاومة

على الرغم من هذه الضجة التي ترافق محاولة جديدة لبدء مفاوضات من أجل وقف مؤقت لإطلاق النار في غزة، يثمر استعادة المحتجزين الإسرائيليين لدى حماس، فما زال يقيني هو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليس جادا في مسألة المفاوضات، ولا مصلحة له فيها. لكن نتنياهو يعلم أن وجود فراغ دبلوماسي حول الحرب الدائرة في غزة ليس في مصلحته، لأن هذا من شأنه أن يؤجج الهجوم السياسي عليه داخليا وخارجيا. ومن ثم فهو حريص أشد الحرص على أن يظل العالم مشغولا دبلوماسيا بمفاوضات بشأن وقف الحرب، وكذلك الداخل الإسرائيلي المعني أولا وأخيرا باستعادة المحتجزين، على أمل حدوث تقدم في مباحثات استعادتهم أحياء. وربما تؤدي المفاوضات، أو كثرة الحديث عنها إلى امتصاص جزء من غضب أسر المحتجزين. وربما تؤدي أيضا إلى تخفيف الهجوم على نتنياهو في الخارج، والتخفيف من عزلة إسرائيل، وتوجيه اللوم إلى المقاومة الفلسطينية من خلال التلاعب بالتصريحات، وترويج اتهام ظالم إلى حماس بأنها هي المسؤول عن إفشال صفقة يمكن أن توقف الحرب، وهو ما اهتم الرئيس الأمريكي ونتنياهو بترويجه.

وهنا يتعين على الخطاب السياسي العربي، وعلى مسؤولي حماس والمقاومة والسلطة الوطنية الفلسطينية، بذل كل الجهود الممكنة لعدم جعل موضوع استرجاع المحتجزين هو العمود الفقري، وصلب الاهتمام بالمفاوضات. ومن الضروري أن يعرف العالم أن استعادة إسرائيل لحوالي 120 محتجزا ما زالوا على قيد الحياة، وجثامين من ماتوا من الباقين، ليست أهم من أرواح ما يقرب من 40 ألف فلسطيني أبرياء، قتلتهم إسرائيل عمدا بأسلحة أمريكية. ويجب أن يعلم العالم أن وقف الحرب نهائيا هو الشرط الجوهري الذي يضمن ألا تقتل إسرائيل آلاف الفلسطينيين الأبرياء، سواء في قطاع غزة أو في الضفة. وإذا كانت الدبلوماسية الإسرائيلية لملء الفراغ السياسي المحيط بالحرب تشغل العالم بضرورة استعادة المحتجزين، فإن الدبلوماسية الفلسطينية و(العربية، إن جاز القول بأن هناك دبلوماسية عربية مستقلة)، يجب أن تضع خطابها السياسي على أسس تقوم على الحق الفلسطيني في الحياة والأمن، ووقف القتال وإنهاء الحصار وإطلاق حرية دخول المساعدات الإنسانية، وحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية. لكن هذه الدبلوماسية يجب أن لا تكتفي بترديد شعارات حول هذه الحقوق، وإنما عليها أن تضع برامج وخططا عملية لتحقيقها، وإقناع العالم بها. ويجب أن يتضمن الانتقال من مرحلة ترديد الشعارات إلى وضع الخطط العملية، ورسم مستقبل بديل لغزة في الفترة الانتقالية اللاحقة لوقف الحرب، والسابقة لممارسة حق تقرير المصير وإقامة الدولة.

دبلوماسية خلق الحقائق

وفي هذا السياق فإننا نعيد القول بأن الدبلوماسية الإسرائيلية في مجملها تقوم أساسا على خلق حقائق جديدة، صغيرة كانت، أم كبيرة، ثم تدوير الخطاب الدبلوماسي على أساس تلك الحقائق. على سبيل المثال فإن القوات الإسرائيلية تعمل حاليا بالليل والنهار من أجل الانتهاء من إعادة بناء وتطوير «محور نتساريم» ليكون خطا فاصلا بين شمال غزة وجنوبها وتقسيم غزة. كما تقوم بتطوير خطة لإعادة تأهيل شمال قطاع غزة لاستيعاب آلاف من الفلسطينيين، الذين يخضعون لاختبارات وتدقيق شديدين من جانب أجهزة الأمن الداخلي، وإدارة تنسيق الحكم في المناطق المحتلة، لضمان ألا يتسرب إلى شمال قطاع غزة من هم معروفون بارتباطهم بالمقاومة. كذلك تقوم إسرائيل بتطوير وجودها العسكري في محور فيلادلفيا على الحدود بين قطاع غزة ومصر، بدعوى ضمان عدم تهريب الأسلحة من مصر إلى قطاع غزة. وهي تحاول إقامة مبررات مقبولة من الولايات المتحدة وحلفائها في كل من القضيتين: محور نتساريم، لتقسيم قطاع غزة، ومحور فيلادلفيا لعزل غزة تماما عن مصر.

وفي هذا السياق فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي، على التوازي مع إرسال رئيس المخابرات إلى الدوحة لإجراء مفاوضات غير مباشرة مع قيادة حماس في قطر، وإرسال رئيس جهاز الأمن الداخلي «شن بيت» للقاهرة، وفي تفاهم غير معلن مع الولايات المتحدة، وتنسيق غير مباشر مع حلفائه في الائتلاف الحاكم، سموتريتش وبن غفير، أصدر بيانا بواسطة مكتبه مساء الأحد الماضي، يرفض فيه فرضية التلازم بين تبادل الأسرى والمحتجزين، ووقف الحرب. وجاء في البيان أن «الخطوط العريضة التي اقترحتها إدارة بايدن ستسمح لإسرائيل بإعادة الرهائن دون الإضرار بأهداف الحرب». وأكد «معارضته الشديدة لأي محاولات لوقف عمليات الجيش الإسرائيلي في رفح، التي يزعم أنها جلبت حماس إلى طاولة المفاوضات. وجاء في البيان أن «إسرائيل ستبقى ثابتة على شروطها لمواصلة الحرب، بما في ذلك التوصل إلى اتفاق يسمح لإسرائيل بمواصلة القتال حتى تحقيق جميع الأهداف، ومنع تهريب الأسلحة إلى حماس من الحدود المصرية، ومنع عودة الآلاف من (الإرهابيين) المسلحين إلى شمال قطاع غزة».

وعلى الرغم من الخلافات بين نتنياهو ووزير دفاعه بشأن تقييم الوضع العسكري في غزة، فإن يوآف غالانت، الذي لا يريد توريط الجيش الإسرائيلي في إدارة غزة، أو القيام بعمليات أمنية طويلة الأجل هناك، قال لجنوده يوم الأحد أيضا «نحن في أيام حرجة لممارسة قوتنا ضد عدو لا يفهم إلا بهذه الطريقة. حتى لو توصلنا إلى اتفاق في الجنوب، فإننا سنواصل القتال حتى نجلب حزب الله إلى تسوية، ونعيد الأمن لسكان الشمال». ويجب ألا ننسى أن هناك حربا ثالثة تجري بالفعل في الضفة الغربية، خصوصا في شمال الضفة، الذي تريد إسرائيل التعجيل باقتطاعه، عن طريق محاصرة المدن والمخيمات بالمستوطنات الجديدة، وتنفيذ خطة عمرانية تقيم الحواجز بين المدن والقرى الفلسطينية وتغرقها عمدا وسط بحر من المستوطنات والطرق ومحاور المواصلات الجديدة التي تلتهم الأراضي الفلسطينية.

الدبلوماسية المقاتلة

لا تستطيع المقاومة أن تحارب بالبندقية من دون غطاء سياسي ودبلوماسي، يصنعه حلفاؤها. هذا الغطاء نجحت في تطويره القوى المناصرة للحق الفلسطيني في الشارع السياسي العالمي، وفي أوساط الرأي العام، وهو ما وجد صداه أيضا في موجة جديدة من الاعتراف بالدولة الفلسطينية في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ومع ذلك فإن الحكومات العربية، ومؤسسات العمل الجماعي العربي، وعلى رأسها جامعة الدول العربية، لم تقم بالاستثمار الكافي لهذا الزخم العالمي، الذي تشارك فيه أيضا قيادات من اليهود الليبراليين المعادين للصهيونية الدينية. وربما يكون أحد أسباب الفشل في استثمار هذا الزخم العالمي الذي صنعه صمود الشعب الفلسطيني والمقاومة هو أن رموز الحركة المناصرة للحق الفلسطيني في العالم ينتمون إلى تيارات سياسية لا يحبها الحكام العرب، إن لم يكونوا على عداء معها، ومنها التيارات الليبرالية واليسارية على وجه الخصوص. أبسط الفعاليات الممكنة لتوظيف هذا الزخم المناصر للشعب الفلسطيني هو تنظيم مؤتمر عالمي تتحدث فيه قيادات الجماعات المناصرة للمقاومة، المؤيدة للحق الفلسطيني، المطالبة بوقف الحرب وإنهاء القتال على أساس اتفاق عادل، يضمن العيش في سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. هناك عشرات من القيادات السياسية والفكرية والفنية والرياضية في العالم، الذين أعلنوا صراحة التضامن مع الحق الفلسطيني. لكن هؤلاء لم يجدوا الفرصة لكي يجلسوا معا في منتدى واحد لاكتشاف طريق يحول مواقفهم إلى واحد من محركات التغيير للوضع في غزة. ما تزال الدبلوماسية العربية كسيحة عاجزة أو قعيدة الفراش، لا تقدر على المبادرة، ولا تقدر على صنع حقائق جديدة على الأرض، بل هي في حقيقة الأمر عاجزة عن إدراك مدى أهمية ذلك، وتفضل أن تلعب في ملعب الخصم، على أن يكون لها ملعبها المستقل.

إن المقاومة الفلسطينية في حاجة إلى مساندة «دبلوماسية مقاتلة» حتى لا تخصم من قوتها «دبلوماسية كسيحة» عجزت حتى الآن عن استثمار قرارات دولية في مجلس الأمن، وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي محكمة العدل الدولية، وفي المحكمة الجنائية الدولية، وفي اعتراف عدد كبير من الدول أخيرا بالدولة الفلسطينية. المقاومة الفلسطينية التي انتقلت منذ بداية شهر مايو الماضي إلى «مرحلة الفعل» وتركت وراءها «مرحلة رد الفعل» ، وتستحق أن تقف معها المملكة العربية السعودية ببيان واضح لا لبس فيه، ينفي تماما أي احتمال لتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل البدء عمليا في إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. وإذا كانت الولايات المتحدة قد وعدت نتنياهو بجائزة التطبيع مع السعودية، فإن البلد العربي القائد يجب أن يعلن بوضوح أنه سيحرم نتنياهو من هذه الجائزة ما لم يتوقف القتال في غزة، وما لم ينته الحصار، وما لم تنسحب القوات الإسرائيلية تماما، وما لم توقف إسرائيل عدوانها على الضفة الغربية وجنوب لبنان. وأن يتبع ذلك الإعلان حملة دبلوماسية عامة قوية لتقزيم نتنياهو، مع إبقاء الباب مواربا لعلاقات أفضل مع قوى الوسط واليسار في إسرائيل.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى