أقلام وأراء

إبراهيم نوار: حرب أوكرانيا في أمريكا: صراع بين «النيوليبرالية» و»الواقعية السياسية»

إبراهيم نوار ٢٩-٦-٢٠٢٢م

بعيدا عن ظاهرة الضحالة الفكرية التي تسيطر على الخطاب السياسي والإعلامي الذي نتناول به شؤوننا العامة وشؤون العالم، قررت خلال الأيام القليلة الماضية أن أعكف على متابعة الجدل الحاد الذي انفجر بين مفكري مدرسة «الليبرالية الجديدة» ونظرائهم في مدرسة «الواقعية السياسية» في تقييم الصراع الحالي في أوكرانيا.

هذا الجدل أشعله هنري كيسنجر بعد أن كشف عن رؤيته لطبيعة الصراع، ودعوته إلى تشجيع الطرفين المتحاربين على التفاوض، والمقالات والدراسات التي كتبها عدد من أقطاب «الواقعية السياسية» وعلى رأسهم جون ميرشايمر أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو – وهو بالمناسبة مؤلف كتاب «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية» بالاشتراك مع ستيفن والت – الذي يقدم خطابا نقديا لاذعا للحرب، ويحذر من خطورتها على الديمقراطية الأمريكية.

أنصار الليبرالية الجديدة، خصوصا ذوي النزعة المحافظة، وعلى رأسهم فرانسيس فوكوياما أستاذ العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في جامعة ستانفورد، يعتبرون أن جوهر الصراع هو الدفاع عن النظام الليبرالي العالمي، ضد تهديدات الأنظمة التسلطية المستبدة. جوهر مقاربة فوكوياما هو الاحتفاظ بحق الاختيار للولايات المتحدة، ثم على الجميع أن يتبعها. ميرشايمر يرد بأن الليبرالية ترسم طريقا إلى الحرب وإلى تخريب الديمقراطية.

وبينما مفكرو «الواقعية السياسية» يدفعون بأن أحد أهم أسباب الصراع هو نزعة حلف الأطلنطي والاتحاد الأوروبي إلى التوسع شرقا، وأن إنهاء الصراع يتوقف على التخلص من هذه النزعة، وتوفير أرضية إيجابية لإحلال السلام من خلال المفاوضات، فإن مفكري «الليبرالية الجديدة» يعتبرون أن البشرية بلغت نضجها السياسي بانتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة، وهو ما وصفه فوكوياما بأنه «نهاية التاريخ»، ولا يمكن أن تعود بعده إلى الوراء، وأنه من الضروري حشد كل القوى لهزيمة النظام السياسي والعسكري الذي يقوده فلاديمير بوتين، لأنه يقوم على كل القيم النقيضه للنظام الليبرالي العالمي. ونظرا لأنني عرضت وجهة نظر هنري كيسنجر في ثنايا مقالات سابقة، فإنني في هذا المقال سأعرض وجهة نظر جون ميرشايمر من المدرسة الواقعية، وفي مقابلها وجهة نظر فرانسيس فوكوياما من المدرسة الليبرالية الجديدة.

الغزو غير مبرر وتداعياته كارثية على أوكرانيا وأوروبا والعالم

يتعرض كل من هنري كيسنجر وجون ميرشايمر في الوقت الحاضر لهجوم عنيف من جانب المحافظين وأنصار الليبرالية الجديدة، خصوصا بعد مداخلة كيسنجر في منتدى دافوس، ومقالات ميرشماير في نقد السياسة الأمريكية تجاه الحرب الدائرة في أوكرانيا، ومن قبلها حرب العراق والتدخل في سوريا. أهمية الخطاب النقدي الذي عبر عنه كيسنجر وميرشايمر تعود إلى خبرة الأول بالدبلوماسية العالمية ودهاليزها منذ منتصف القرن الماضي، وحالة الاشتباك الفكري والفلسفي التي يقودها ميرشايمر داخل الولايات المتحدة ضد تيار الليبرالية الجديدة، ذات الطابع المحافظ. كما أن تلك الأهمية تنسحب على حقيقة أن الاشتباك النقدي بين الطرفين، الواقعي والليبرالي تدور على أرضية أمريكية، بين مفكرين أمريكيين لهم قدرهم وثقلهم العلمي. وتعتبر أفكار ميرشماير امتدادا لفلسفة هانز مورجنتاو وجون هيرتز وهنري كيسنجر وآرثر شليزنجر (الابن)، وهي فلسفة تعتبر الحرب قوة تدميرية، تهدد الديمقراطية والسلام، وتقلل من فاعلية المساءلة السياسية للحكام، وتزيد من نزعة تركيز السلطة في أيديهم. كما أن خطورتها تمتد على المدى الطويل إلى تمزيق النسيج الاجتماعي للمجتمعات. وقد انتقد رواد هذه المدرسة حرب فيتنام في وقتها، والحروب التي دخلت فيها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن.

كما عقد مفكرو «الواقعية السياسية» مشابهة تاريخية بين النظام السياسي الأمريكي والنظام القديم الذي كان سائدا في جمهوريتي أثينا و روما، وحذروا من أن الإفراط في التمدد العسكري، يعَرِّض الولايات المتحدة للمصير نفسه الذي لقيته أثينا وروما، بعد أن تحولت كل منهما من جمهورية إلى إمبراطورية. وحذر ميرشايمر من الأضرار التي يمكن أن تتسبب فيها النزعة العسكرية والدولة الأمنية على المجتمع الأمريكي. وفي ذلك فإنه كان يسير على الطريق نفسه الذي بدأه هانز مورجنتاو، الذي خاض جدلا حادا بشأن ماهية الوجود الأمريكي في إطار منظومة الأخلاق والقيم السياسية الأمريكية. وحذر من خطورة زيادة الاعتماد على القوة العسكرية، والتحدي الذي يواجه المجتمع بسبب تنامي قوة التجمع العسكري- الصناعي. وكان مورجنتاو بذلك يتفق مع أطروحة الاقتصادي الأمريكي جون كينيث جالبريث، التي لقيت صدى واسعا بعد الحرب العالمية الثانية. ويعتبر كتاب ميرشايمر «الوهم الكبير: أحلام الليبرالية والحقائق الدولية» (2018) من أهم الكتب التي تعبر عن أفكار مدرسة الواقعية السياسية في الوقت الحاضر.

الليبرالية الجديدة والهيمنة الأمريكية

تعود أصول الليبرالية الجديدة إلى الفلسفة التي سهر على وضع أركانها ثلاثة من أهم مفكري النصف الثاني من القرن العشرين، وهم فريدريك حايك، وميلتون فريدمان، وجيمس بوكانان (الابن). وقد جاءت الليبرالية الجديدة لتضع أسسا لتشغيل الاقتصاد، تختلف عن تلك التي كان يعمل على أساسها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كان الاقتصاد العالمي يسترشد بنظرية كينز عن الطلب الكلى، وقدرة الدولة على تشغيل الاقتصاد وتجنب الأزمات، لكن هذه النظرية لم تصمد في وجه موجة «الركود التضخمي» التي أعقبت الصدمة النفطية الأولى عام 1973، التي يعيش العالم مثلها في الوقت الحاضر.

ومع فشل السياسات الكينزية بدأت تروج أفكار فريدريك حايك وميلتون فريدمان وبوكانان عن أهمية الحرية الفردية، وكفاءة القطاع الخاص، وحرية التجارة، وضرورة ابتعاد الدولة عن مجالات الإنتاج، وإهمال الدور الاجتماعي للدولة، على اعتبار ان تنمية الثروة الخاصة ستخلق أثرا إيجابيا يتمثل في تساقط رذاذها من أسفل إلى أعلى على الفقراء. تلك كانت المبادئ التي كونت «إجماع واشنطن»، وتحولت إلى سياسة رسمية لصندوق النقد والبنك الدولي والولايات المتحدة ومؤسسات التمويل الدولية الخاضعة لها. واتفق رواد هذه المدرسة على أن الليبرالية الاقتصادية الجديدة لا تعيش إلا في عالم تسوده الليبرالية السياسية، بما ينطوي عليه ذلك من وجود تشريعات ومؤسسات وقيادة على المستوى العالمي.

وقد وصف فرانسيس فوكوياما حرب أوكرانيا بأنها «حرب بوتين على النظام الليبرالي» وشن هجوما عنيفا على روسيا في مقال نشرته صحيفة «فاينتشال تايمز» في 4 مارس الماضي. عبّر فيه بوضوح عن وجهة نظر المدرسة الليبرالية الجديدة في الحرب، وما يجب أن تنتهي إليه. وقال إن بوتين يريد إرجاع التاريخ للوراء، وإن العالم الليبرالي يجب أن لا يسمح له بذلك، وأن نهاية الحرب الباردة يجب أن لا تعني بالنسبة لأوروبا غير أن تكون القارة «وحدة واحدة وحرة». وقال إن الأزمة الحالية في أوكرانيا «تعلمنا ألا نعتبر وجود «النظام الليبرالي» أمرا مسلما به أو مفروغا منه، بل إنه هدف يجب أن نناضل دفاعا عنه على الدوام، لأنه يمكن أن يختفي في اللحظة التي نتوقف فيها عن حراسته وحمايته والدفاع عنه، لأن الليبرالية تتعرض لهجوم متواصل من اليمين ومن اليسار في آن واحد.

وقال فوكوياما إن مهمة الليبرالية لن تنتهي، حتى مع هزيمة بوتين، فهناك طابور من الدول الأخرى تنتظر مثل الصين وإيران وفنزويلا وكوبا، والأنظمة الشعبوية في الدول الغربية. ويرى أصحاب النزعة الليبرالية الجديدة أن غزو أوكرانيا هو عدوان على الديمقراطية العالمية، وعلى القيم الليبرالية الغربية. ومن ثم فإن الرد عليه من وجهة نظرهم يتمثل في مضاعفة التوجه إلى توسيع الاتحاد الأوروبي، وتوسيع حلف الناتو شرقا، وإقامة نظام ليبرالي عالمي أقوى، بواسطة التدخل المباشر إذا لزم الأمر، ومن ثم فإنهم يرفضون وجهة نظر ميرشايمر، التي تقول إن الصراع في أوكرانيا قد تسببت فيه نزعة الغرب للتوسع شرقا، وعدم احترام مبدأ توازن القوى.

المدرسة الليبرالية الجديدة بموقفها من الحرب الأوكرانية تعود في حقيقة الأمر إلى استلهام مبدأ بوش الابن في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية الذي يتألف من ثلاثة أضلاع هي: «انفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم»، و»شن حروب استباقية» تؤكد الهيمنة الأمريكية، و»تغيير نظم الحكم» حول العالم، بما يتوافق «شكلا» مع منظومة القيم السياسية الأمريكية. ولا توجد حتى الآن أرضية مشتركة بين أصحاب المدرستين، بل على العكس من ذلك تتزايد حدة الاتهامات الموجهة من كل طرف للآخر. وقد نشر ديمتري سايمز رئيس مركز «ناشيونال إنترست»، وناشر المجلة المعروفة بهذا الاسم، هجوما حادا على الليبراليين، قال فيه إنهم فشلوا في تحقيق أهدافهم حتى الآن، وإن بوتين استطاع بحنكة تطوير استراتيجية مضادة للعقوبات الاقتصادية، وقفت أوروبا عاجزة أمامها، وحذّر من أن استمرار الوضع الحالي يهدد بانتشار نيران الحرب، وصعوبة محاصرتها بعد ذلك، لأن أيا من الطرفين لن يستطيع حسمها لمصلحته في وقت قريب.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى