أقلام وأراء

إبراهيم نوار: إسرائيل جمهورية موز في الشرق الأوسط

إبراهيم نوار 19-6-2024: إسرائيل جمهورية موز في الشرق الأوسط

انتقلت المقاومة الفلسطينية من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الفعل، وهذا تطور مهم في الحرب الجارية الآن في غزة والضفة الغربية وشمال إسرائيل. ولهذا تفصيل واجب في مقال مقبل بإذن الله. ومع هذه المرحلة يتقهقر العدو عسكريا ودبلوماسيا. ومن ثم فإن المقاومة يجب أن تستلهم في الدبلوماسية، كما في الحرب، المبدأ العظيم الذي صاغه الجنرال جياب في حرب التحرير الفيتنامية «إذا تقهقر العدو طاردناه». هذا المبدأ ينطبق على الدبلوماسية، كما ينطبق بالقدر نفسه على الحرب؛ فما يمكن تحقيقه بالحرب يمكن أيضا تحقيقه بالدبلوماسية، كما علمنا كلاوزفيتز، لكن يجب عدم الوقوع في خطيئة أن ما نحققه بالحرب نضيعه بالدبلوماسية! لا تراجع ولا مهادنة، ولا تنازلات. ما تحتاجه المقاومة الفلسطينية في الحرب والدبلوماسية معا، هو وضوح أهدافها: إنهاء الحرب تماما، إنهاء الاحتلال تماما، إنهاء الحصار تماما، ممارسة الفلسطينيين حق تقرير المصير بحرية كاملة، تحت مظلة استقلال وطني وسيادة لا تشوبها شائبة. من هنا تأتي أهمية التعامل مع خطة بايدن لاستعادة المحتجزين الإسرائيليين ووقف القتال بحذر شديد.

بايدن ليس نصيرا للحق الفلسطيني، وخطته لم تتضمن كلمة واحدة عن «الدولة الفلسطينية»، أو «حل الدولتين». كما أنه بكلمات واضحة في خطته يهدف إلى إخراج إسرائيل من «مصيدة غزة»، بإعادة المحتجزين ووقف إطلاق النار أولا، وقبل كل شيء. كما أن هدفه النهائي هو تحقيق أمن إسرائيل، وتوسيع وتعميق وجودها – «اندماجها»، في المنطقة. في كل أحاديثه فإن بايدن يتوعد المقاومة الفلسطينية بالقتل والإبادة، ولا يرى سلاما في وجودها. بينما هو يعلم علم اليقين أن نتنياهو هو العقبة الرئيسية في طريق السلام، وأنه يجب إسقاطه سياسيا. ومع ذلك فإن الخطة بكل ما فيها من إيجابيات يمكن البناء عليها، وسلبيات يتوجب الحذر منها، وتظل موضوعا للجدل بين كل الأطراف، بما في ذلك ما يسمى بـ»مجموعة الاتصال العربية» والمقاومة، وفي داخل البيت الفلسطيني نفسه.

تشريح خطة بايدن

هي صفقة تؤكد أن إطلاق سراح المحتجزين ووقف إطلاق النار، هما رأس أولويات الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط حاليا، وهما أولويتان مترابطتان، لا يمكن تحقيق أي منهما من دون الأخرى، فاستمرار الحرب يعني التضحية بالمحتجزين. ونعتقد أن الخطة نشأت مدفوعة بثلاثة عوامل رئيسية. العامل الأول، هو تأكيد الالتزام بأمن إسرائيل على المدى الطويل. والعامل الثاني، هو ضمان أمن القوات الأمريكية في الشرق الأوسط. أما العامل الثالث فهو سعي بايدن للوصول إلى الرأي العام الإسرائيلي بخطة بديلة لخطة نتنياهو، التي تفترض حتمية التلازم بين استمرار الحرب واستعادة المحتجزين. الخطة ذات المراحل الثلاث هي المفتاح الذي يمكننا من دخول بوابة الدبلوماسية الأمريكية الشرق أوسطية الحالية وفهمها.

ونعتقد أن هذه الدبلوماسية تتفاعل فيها، وتتحكم في تطورها، وتعيد تشكيلها ثلاث معادلات مركبة. المعادلة الأولى، هي إقامة توازن بين المصلحة في المحافظة على كراسي الحكم، والمخاطر المترتبة على تداعيات الحرب. وفيها يريد بايدن أن يبقى رئيسا للولايات المتحدة لفترة ثانية. هنا فإن مصلحة بايدن قد لا تلتقي مع مصلحة نتنياهو، بل تتضارب مصالح كل منهما، إلى الحد الذي يجعلنا نشهد ضربات تحت الحزام، ومواجهات سياسية محسوبة بدقة في واشنطن وتل أبيب. ففي واشنطن يلعب نتنياهو بورقة جماعات الضغط الصهيونية، وفي تل أبيب يلعب بايدن بورقة الانشقاق المدني والعسكري، الذي يتسع يوما بعد يوم بين قيادات سياسية ومدنية والرأي العام الإسرائيلي في جانب، وبين نتنياهو وسموتريتش وبن غفير وقوى الصهيونية الدينية المتطرفة في جانب آخر. لكن مصلحة بايدن المؤكدة في الفوز بفترة ثانية تستلزم، ضمن شروط أخرى، أن يفوز بتأييد اللوبي الصهيوني الأمريكي، وتأييد جماعات الضغط القوية الأخرى، مثل لوبي السلاح، ولوبي النفط، والمجمع الصناعي- العسكري بشكل عام. ويلعب نتنياهو هنا على أرضية جماعات الضغط لتهديد فرص فوز بايدن. وقد وصل التحدي إلى حد دعوة نتنياهو لإلقاء خطاب يروج فيه لوجهة نظره أمام الأمريكيين من تحت قبة الكونغرس. وكان نتنياهو هو الذي حدد موعد هذا الخطاب في 24 من الشهر المقبل، وهو الوقت الذي تنتقل فيه حملة الانتخابات الرئاسية إلى المرحلة الجادة.

نظام دفاعي إقليمي جديد

المعادلة الثانية هي إعادة هندسة الخريطة الدفاعية في الشرق الأوسط لفترة طويلة مقبلة، في إطار استراتيجية طويلة المدى للمحافظة على النفوذ الأمريكي في المنطقة. وتستهدف هذه المعادلة تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية. الهدف الأول هو إبعاد روسيا والصين عن الاستحواذ على نفوذ رئيسي في هذه المنطقة ما يهدد نفوذ الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي. الهدف الثاني هو إخضاع طرق الملاحة البحرية الرئيسية في الشرق الأوسط للنفوذ الأمريكي، وهو الدور الذي كانت تقوم به بريطانيا منذ أوائل القرن التاسع عشر، حتى انسحابها من شرق السويس بعد منتصف القرن الماضي. أما الهدف الثالث فهو ضمان أمن الطاقة للدول الرأسمالية الغربية، مع وجود أهم مراكز إنتاج الطاقة التقليدية وموارد الطاقة المتجددة في المنطقة. ورغم أن الولايات المتحدة استطاعت تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة، بواسطة الاستراتيجية المضادة التي طبقتها بعد أزمة أكتوبر 1973، فإنها لا تريد لأحد في العالم أن يستحوذ على ورقة الطاقة، بما يهدد نفوذها داخل حلف الأطلنطي. هذا الهدف يفسر لنا موقف واشنطن الحالي في حرب أوكرانيا، حيث إن قَطْع طريق إمدادات النفط والغاز الروسي إلى أوروبا هو أهم محركات تلك الحرب.

المعادلة الثالثة هي تمكين إسرائيل إقليميا، بما يحقق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، وليس سياسة خارجية مستقلة عن الولايات المتحدة. وفي هذا السياق تدفع نخبة من قيادات الكونغرس إلى ضرورة أن يكون تقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية والتأييد الدبلوماسي لإسرائيل، مشروطا بتحقيق الأهداف الأمريكية. وقد ذكر بايدن في خطته أكثر من مرة كيف أنه الرئيس الأمريكي الوحيد في التاريخ الذي زار إسرائيل وهي في حرب فعلية، وكيف أنه أمر باستخدام القوات الأمريكية للدفاع عن إسرائيل في مواجهة إيران في أبريل الماضي. كما عبر أيضا عن رؤيته بأن استمرار إسرائيل في المنطقة وتوفير شروط بقائها لا يتحقق إلا بأن تكون خادمة لأهداف الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. هذه الرؤية تعني أن إسرائيل ليست أكثر من جمهورية من جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية.

شروط القوة والقدرة والقبول

وتعتبر الولايات المتحدة أن دمج إسرائيل في المنطقة دمجا واسعا وعميقا، وإقامة نظام دفاعي إقليمي متكامل، تكون هي القوة الرئيسية الإقليمية داخله، هو الآلية الأكثر ملاءمة لتحقيق الأهداف الثلاثة. ولذلك فإن إحدى أولويات الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، هي أن تتوفر لإسرائيل ثلاثة شروط لا غنى عنها لعملية الدمج. الأول، هو «شرط القوة»، والثاني، هو «شرط القبول»؛ فالقوة بغير القبول تقود إلى حرب. والثالث هو «شرط القدرة» على تحقيق الاستقرار في المنطقة بالمعنى الأمريكي. ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تكون إسرائيل ضعيفة، أو غير مقبولة، أو غير قادرة على فرض الاستقرار الإقليمي. داخل هذه الاستراتيجية طويل الأمد، تتم هندسة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وتشتق مؤسسات صنع السياسة الخارجية والدفاعية مواقفها اليومية تجاه التطورات التي تجري داخل الإقليم، سواء في حرب غزة، أو في التصعيد العسكري في شمال إسرائيل مع حزب الله، أو في الموقف من إيران. هذا الإطار الاستراتيجي طويل الأمد يجعل إدارة بايدن معنية بشكل مطلق بقوة إسرائيل وأمنها وإمدادها بكل ما تحتاج إليه من أسلحة ومساعدات مالية وتأييد دبلوماسي، وهو ما يحقق «شرط القوة». كما تعمل الإدارة على مساعدة إسرائيل في تحقيق «شرط القبول»، من خلال عمل كل ما تستطيعه من أجل تطبيع العلاقات بينها وبين السعودية. ويعتبر بايدن، كما جاء في خطته، أن هذا التطبيع يمثل انتقالا تاريخيا في الشرق الأوسط، وأنه حجر الزاوية في توفير «شرط القبول» لإسرائيل في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، ودمجها رأسيا وأفقيا في المنطقة على أوسع وأعمق نطاق عسكريا واقتصاديا. ومع توفر الشرطين السابقين يتوفر الشرط الثالث وهو «شرط القدرة» على تحقيق استقرار النظام الإقليمي الجديد واستمرار المصالح الأمريكية، من دون تهديد. ولا يستطيع نظام الدولة الحالي في إسرائيل أن يستمر من دون مظلة الحماية والمساعدات الأمريكية، ما يجعلها ليس أكثر من جمهورية من جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى