أوري أفنيري: الوضع الإسرائيلي- الفلسطيني أسوأ من الأبارتهايد - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

أوري أفنيري: الوضع الإسرائيلي- الفلسطيني أسوأ من الأبارتهايد

0 159

مركز الناطور للدراسات والابحاث

* خرجت من حرب العام 1948 وفي جعبتي عدة رؤى وأفكار. لعل الأمر الأول هو أنه يوجد شعب فلسطيني، ولقد شاهدته عن كثب، فالحرب قبل دخول الجيوش العربية دارت ضد الفلسطينيين.

* شاهدت النكبة بأم عيني، ودخلت خلال الحرب إلى عشرات القرى العربية التي هرب سكانها أو طُردوا منها. كنا نطلق على كل قرية آلاف الأعيرة النارية وفي صبيحة اليوم التالي تصبح تلك القرية خالية من سكانها. ماذا كنت سأفعل أنا إذا كان لدي زوجة وأطفال في قرية تتعرض للهجوم؟ بالمناسبة، في البداية كانوا يهربون من قرية إلى أخرى. وبعد فترة وجد فلسطينيون كثيرون أنفسهم وراء الحدود. هم لم يقصدوا النزوح عن البلد على الإطلاق، وإنما قصدوا مغادرة قراهم التي تعرضت لإطلاق نار كثيف.

* الادعاءات بأن القيادة العربية دعت السكان العرب إلى الهرب من البلاد هي ادعاءات سخيفة للغاية. فإذا كنت أحارب ويوجد في المكان سكان يؤيدونني فإنني لا أطالبهم بالرحيل وإنما بالبقاء في أماكنهم. وعموما معظم الأساطير التي يرويها اليهود عن النكبة سخيفة.

 * في العام 1965 دعوت إلى تشكيل “هيئة أركان عامة بيضاء”. فمثلما توجد هيئة أركان عامة في الجيش غايتها التخطيط للحروب، طالبت بتشكيل هيئة أركان عامة بيضاء، تضم في عضويتها خبراء من شتى المجالات تكون غايتها العمل من أجل السلام

 * لا أحد في إسرائيل كان مقتنعا بأن المناطق الفلسطينية المحتلة بعد 1967 ستبقى في أيدينا، لأنه في حرب العام 1956 أرغم كل من آيزنهاور وبولغانين إسرائيل على إعادة كل شبر احتلته في سيناء.

 * الحركة الصهيونية تتطلع، وأعتقد أن ذلك راسخ في جيناتها، إلى إقامة دولة يهودية تمتد شرقًا حتى نهر الأردن على الأقل إن لم يكن أكثر من ذلك، وشمالاً حتى نهر الليطاني على الأقل إن لم يكن أكثر من ذلك، وجنوبًا حتى العريش على الأقل.

 * إذا كنا راغبين في أن تكون إسرائيل دولة يهودية فهذا يعني أننا مبعوثون أوروبيون نمثل الحضارة الأوروبية، وأننا ضد الحضارة العربية وضد الشعوب العربية، وأننا لسنا موجودين في هذه البلاد بصفتنا جزءًا منها وإنما مثل الأوروبيين، وأن نظرتنا إلى العرب فوقية استعلائية.

 * الوضع هنا أسوأ من الأبارتهايد لأنه قد يؤدي إلى تطهير عرقي

 * الفارق الأكبر بين العرب واليهود الإسرائيليين يتعلق بمصطلح الزمن. وهو مصطلح بالغ الأهمية. للعرب ثمة تاريخ في المنطقة منذ 1300 سنة على الأقل، وقد عبروا الفرنجة والعثمانيين، ولديهم صبر. ولا شك في أنهم يتساءلون: أين سنكون بعد مائة عام؟. والعرب يقولون لأنفسهم: “حسنا، الفرنجة كانوا هنا ورحلوا، وكذلك الأتراك كانوا هنا وولوا الأدبار”. في المقابل توجد لدى اليهود نفسية معكوسة تمامًا.

* ثمة جانب في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني يصعب على من هو خارجه أن يستوعبه. وإنني أعتقد أن في منبت رؤوسنا شعورًا كبيرًا بالذنب، لكن يتم كبحه. لقد رأينا ما حدث في العام 1948 ولا يمكن نفيه بأي شكل من الأشكال. ونحن نواجه صعوبات بشأن ذلك، لأن الصهيونية في بدايتها كانت حركة مثالية جدا. بعبارة أخرى: النكبة تؤنب ضمير اليهود

*****

تعريف: ضم العدد 45 من مجلة “قضايا إسرائيلية” الفصلية المتخصصة (عدد ربيع 2012)، الذي صدر أخيرًا عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، مقابلة مطولة خاصة أجراها أنطوان شلحت وبلال ضاهر مع أوري أفنيري، الصحافي وناشط السلام وعضو الكنيست الأسبق، طرح فيها روايته التاريخية فيما يتعلق بعدة قضايا بينها: الذاكرة؛ التطورات التي أدت إلى إقامة دولة إسرائيل وخصوصًا التحول في موقف الاتحاد السوفياتي السابق؛ الدور الذي لعبته المحرقة النازية في إسرائيل؛ حرب حزيران 1967؛ التغيرات التي طرأت على فكر الحركة الصهيونية وغيرها.

 وفي الوقت نفسه أكد أن الإجماع القومي في أوساط الرأي العام الإسرائيلي بشأن مستقبل “عملية السلام” والذي أصبح الجميع في إسرائيل مقتنعين بموجبه بأن السلام لن يسود هنا أبدا لأن الفلسطينيين لا يرغبون فيه، يعني أن الواقع القائم فيما يتعلق بالصراع بين الجانبين غير مرشح لأن يتغير في المستقبل المنظور.

 وفيما يلي نص هذه المقابلة:

 غيتو مع قنابل نووية!

(*) في العام المقبل (2013) يبلغ أوري أفنيري، الناشط السياسي اليساري الراديكالي، والصحافي والكاتب، وعضو الكنيست الأسبق، التسعين من عمره.

 وفي خريف العام الفائت (2011) بالتزامن مع “يوم الغفران” ومع رحيل زوجته راحيل، أشرك قراءه في هواجس انتابته وهو يفكر في مستقبل دولة إسرائيل، لاعتقاده بأن لديه أسهمًا أساسية في مشروع إقامتها، وذلك في مقال ضم عصارة أفكـاره.

 وقد تساءل بينه وبين نفسه: هل سيكتب لهذه الدولة البقاء؟ وهل ستكون هنا بعد مرور 100 عام؟ أم إنها ستكون حدثا عابرا، مجرّد “ومضة” من التاريخ؟.

 في سياق ذلك استغرق أفنيري أيضًا في تحليل الأخطاء التي ارتكبت، ليخلص إلى استنتاج فحواه أن المحرقة النازية أعادت العقلية اليهودية القديمة كلها إلى ما كانت عليه. وبموجب هذه العقلية، لم يكن الألمان فقط هم المجرمون، وإنما جميع الشعوب التي وقفت جانبا ولم تحرك ساكنًا لإنقاذ الضحايا. كما أنه اتضح في نهاية الأمر أن اليهود كانوا على حق، فالعالم كله ضدهم، ويجب أن يدافع اليهود عن أنفسهم بكل ثمن. كما يجب أن يعودوا ويحتضنوا كل ما سخروا منه قبل ذلك: الدين اليهودي، التقاليد اليهودية، البلدة اليهودية [الغيتو].

واستذكر أفنيري مقولة للبروفسور يشعياهو ليبوفيتش، وهو مفكر يهودي يحافظ على الوصايا، فحواها أن الدين اليهودي مات قبل 200 عام، وأن الشيء الوحيد الذي يوحّد يهود العالم هو المحرقة. وبالفعل، فمنذ تأسيسها أصبحت إسرائيل دولة المحرقة. لكنها الآن ليست غيتو ضعيفا، ولديها جيش عظيم، ويمكنها أخيرا أن تفعل للآخرين ما فعلوه لليهود.

وهكذا سيطرت علامات الغيتو على الدولة الجديدة: مخاوف البقاء القديمة، عدم الثقة بالغير، الآراء المسبقة، مشاعر الضحايا، أحلام الانتقام. وبالتالي انبثقت خلطة قابلة للانفجار من القوة والضحوية، العدوانية والماسوشية، العسكرية والإيمان بأن العالم كله ضدنا- خلطة داخل غيتو مع قنابل نووية.

وتساءل أفنيري: هل تستطيع دولة كهذه الصمود والازدهار في العالم المعاصر؟ لقد خاضت الشعوب الأوروبية الكثير من الحروب. ولكنها عرفت دائما أنه بعد الحرب يأتي السلام، وأن أعداء اليوم يمكن لهم بالتأكيد أن يصبحوا أصدقاء الغد. ولا تزال الدول القومية قائمة، لكنها آخذة في التعلق ببعضها البعض أكثر فأكثر. إنها تنضم إلى بُنيات إقليمية، من خلال التنازل عن شرائح كبيرة من سيادتها.

بيد أن إسرائيل غير قادرة على فعل ذلك. وتشير استطلاعات الرأي العام إلى أن الأغلبية الساحقة في إسرائيل تؤمن أنه لن يكون هناك سلام إلى الأبد. ليس غدا، ولا خلال مئة عام. إنهم على قناعة بأن العرب يريدون الإلقاء بنا في البحر. إنهم يرون إسرائيل ذات القوة الهائلة كضحية محاطة بالأعداء، بحيث أن أصدقاءنا أيضا يمكن أن يطعنونا من الخلف. إنهم يرون الاحتلال الأبدي للأراضي الفلسطينية وإقامة مستوطنات محاربة في جميع البلاد بمثابة نتيجة للعنف العربي، وليس سببا له. والأغلبية العظمى من يهود العالم تدعمهم بتضامن أعمى.

ومعظم الأحزاب الإسرائيلية، ومن ضمنها المعارضة الرئيسة، مصرة على أنه يجب الاعتراف بإسرائيل كـ “دولة قومية للشعب اليهودي”. وهذا معناه أن إسرائيل لا تخص الإسرائيليين (ترفض الحكومة رسميا وجود “شعب إسرائيلي”) وإنما الطائفة اليهودية العرقية- الدينية العالمية. إن هذا بالطبع هو العكس التام لدولة الشعب الحقيقية، القادرة على العيش بسلام مع جاراتها والانضمام إلى اتحادات إقليمية.

وختم أفنيري قائلاً: لم أشك للحظة في حجم المهمة التي كلفنا أنفسنا بها زملائي وأنا قبل عشرات الأعوام. ولم نسمح لأنفسنا بتغيير هذا الجانب أو ذاك من دولة إسرائيل، وإنما مبادئ الدولة نفسها. ويتجاوز ذلك كثيرا المجال السياسي، أو تبديل حزب معيّن بآخر. إنه يتجاوز حتى الحاجة إلى صنع السلام مع الشعب الفلسطيني، وإنهاء الاحتلال، وإخلاء المستوطنات. المقصد هو التغيير الجذري للوعي الوطني، وعي كل إسرائيلي وإسرائيلية. ولقد قيل إنه “يمكن إخراج اليهود من الغيتو، لكن لا يمكن إخراج الغيتو من اليهود”. لكن هذا بالضبط ما يجب علينا فعله. فهل هذا ممكن؟ أعتقد أن الإجابة نعم. وآمل أن يكون ذلك ممكنًا.

في الواقع عبر أفنيري الكثير من المحطات إلى أن توصل إلى هذه الاستنتاجات.

وكان الهدف الرئيس من هذه المقابلة معه هو أن نتوقف عند أبرز تلك المحطات التي ليس بوسع مقابلة واحدة أن تحيط بها، وعند كيفية تأثيرها على تفكيره إزاء ما حدث ويحدث، وكذلك إزاء المستقبل.

 (*) سؤال: بماذا تنشغل الآن؟

أفنيري: أنا أعمل على تأليف كتاب سيصدر قريبا عن دار النشر “يديعوت أحرونوت”. ولقد انتهيت من كتابة نصف مذكراتي وجاءت في 700 صفحة. وستصدر هذه المذكرات بمجلدين على الأقل.

بوادر التبشير بـ “أمة جديدة”

 وبلد واحد للعرب واليهود!

 (*) سؤال: نرغب في أن تطلعنا على أبرز المحطات المهمة في حياتك. ولنبدأ من الميلاد والطفولة.

 أفنيري: ولدت في ألمانيا في أيلول 1923. وقرر والداي الهجرة إلى البلاد بعد وصول أدولف هتلر إلى الحكم مباشرة. جئنا إلى البلاد في العام 1933. سكنت لفترة قصيرة في حيفا، ثم سكنت نصف عام في نهلال [كيبوتس في مرج بن عامر] وبعد ذلك جئنا للسكن في تل أبيب. وقد كنا أغنياء جدا في ألمانيا [والده كان مصرفيًا]، لكن بعد أن جئنا إلى البلاد خسر والدي ماله في غضون شهور وأصبحنا فقراء جدا. وتركت المدرسة في سن 14 عاما قبل أن أنهي المرحلة الدراسية الابتدائية. لقد تعلمت سبعة صفوف فقط. بعد ذلك ذهبت إلى العمل لدى محام. وبعد عدة شهور، قبل بلوغي سن الخامسة عشرة، انضممت إلى التنظيم العسكري القومي (ايتسل). وبقيت في هذا التنظيم ثلاث أو أربع سنوات. وبعد ذلك انشققت عن التنظيم، وهذا لم يكن أمرا مألوفا. وغادرت صفوف التنظيم لأني لم أوافق على عدد من مبادئه، مثل العمليات العسكرية ضد العرب وطبيعته المعادية للاشتراكية، كما أني شككت في نجاعة الأسلوب الإرهابي الذي اتبعه التنظيم، وما إذا كان يخدم الهدف أم لا. وفي العام 1946 أسست حركة أطلقت عليها بالعبرية اسم “أرض إسرائيل الفتاة” وبالعربية “فلسطين الفتاة”. وأصدرنا مجلة دعت إلى الأفكار التي كانت حينذاك، تمامًا كما هي الحال اليوم، غير مقبولة على الإطلاق. الفكرة الأولى هي أننا نشكل في البلاد أمة جديدة. فنحن لسنا مجرد استمرار للشعب اليهودي التاريخي، وإنما أمة جديدة. وهي أمة عبرانية، كي نفرق بينها وبين أمة يهودية. ولأن هذه الأمة وُلدت في البلاد فإنها تعتبر حليفة طبيعية للحركة الوطنية الفلسطينية والحركة الوطنية العربية عموما. ويجب أن يكون التطلع هو نحو الارتباط الشامل بين الحركة الوطنية العبرانية والحركة الوطنية العربية في جميع أنحاء هذه المنطقة، التي رفضت، وما زلت أرفض تسميتها بـ “الشرق الأوسط”، لأن هذا شرق بالنسبة إلى من؟ إنه الشرق بالنسبة لأوروبا، انكلترا، ألمانيا، أميركا. لكن بالنسبة لنا هذا ليس شرقا وإنما هو المركز. وقد بحثت عن عبارة توحد العبرانيين والعرب، لا على غرار عبارات عبراني – عربي أو يهودي – عربي أو إسرائيلي- فلسطيني، وإنما عبارة ما مشتركة. والعبارة الوحيدة التي وجدتها وتعطي المعنى نفسه بالعبرية والعربية هي “سامي”، أي أبناء سام. وعندها اخترعت المصطلح، الذي تحول إلى ماركة مسجلة باسمي حتى اليوم، وهو “المنطقة السامية”، بدلا من الشرق الأوسط. وفي أيلول العام 1947 نشرت كراسة بعنوان “الحرب أو السلام في المنطقة السامية” وحذرت بواسطتها من مغبة اندلاع حرب بين الشعبين، ودعوت إلى وحدة الشعبين ضد الحكمين البريطاني والفرنسي وضد الحكم الإمبريالي عموما في الشرق الأوسط. وقد كان هذا في أيلول العام 1947، أي قبل شهرين من قرار الجمعية العامة في الأمم المتحدة [بشأن تقسيم فلسطين]. وقمت بتلخيص وترجمة الكراسة إلى اللغة الانكليزية. وأذكر أني ذهبت إلى يافا العربية ووزعت التلخيص على هيئات تحرير الصحف هناك، مثل “الدفاع” و”فلسطين” وغيرهما. كذلك نشرت وكالة الصحافة العربية، التي كانت تعمل في مصر، خبرا قصيرا حول الكراسة. لكن بالطبع، كل شيء كان قد أصبح متأخرا من أجل وقف الحرب التي نشبت بعد ذلك بشهرين. أريد أن أضيف إلى ما ذكرته سابقا، أنه عندما كنت أعمل لدى المحامي، في فترة الانتداب، ولمدة خمس سنوات، كنت أتردد كثيرا على يافا، لأن قسما من المحاكم ومكتب الطابو [التسجيل العقاري] ومكاتب الحاكم البريطاني كانت موجودة في يافا. ونتيجة لذلك كنت واحدًا من بين القلائل جدا في تل أبيب الذين كانوا يترددون على يافا بشكل دائم. فقد كان يسود انفصال مطلق بين تل أبيب ويافا. واليهود لم يذهبوا إلى يافا. ربما ذهبوا مرة واحدة في السنة، خلال عيد الفصح اليهودي، من أجل شراء الخبز، لأن الخبز لم يكن متوفرا في تل أبيب خلال فترة العيد. ونتيجة لذلك لم يكن العرب بالنسبة إلي شيئا لا أعرفه أو شيئا مخيفا. وكانت لدي علاقات متشعبة مع موظفين عرب ومحامين في يافا.

 (*) سؤال: هل كان لديك أصدقاء أو شركاء سياسيون بين العرب في يافا؟

 أفنيري: كلا. كان هناك معارف فقط. ولقد تعرفنا على بعضنا كبشر متساوين. فهم لم يكونوا وحوشا ولم تكن لديهم قرون في رؤوسهم ولم يرغبوا في قتلي. كانوا بشرا وتعارفنا. كنت أتناول هناك البوظة وأشرب التمر الهندي والسحلب. وأنا عارضت التقسيم. ومن حيث رؤيتي اعتقدت أن التقسيم هو أمر سيء وأن بالإمكان أن نعيش مع العرب في بلد واحد. وفي اليوم الذي أعلنت فيه الأمم المتحدة عن التقسيم نظمت قصيدة، بالعبرية طبعا، ضده. بعد ذلك نشبت الحرب وغيرت كل شيء دفعة واحدة، وانضممت إلى الجيش، وخدمت فيه حتى نهاية الحرب تقريبا. وقد أصبت في الأيام الأخيرة للحرب في المنطقة المسماة “جيب الفالوجة”. وانتميت خلال الحرب إلى سرية مغاوير [كوماندوس]، كانت تتنقل بسيارات جيب، ففي حينه لم يكن لدينا دبابات ولا طائرات. ونتيجة لتنقلي بسيارة جيب، حاربت في المرحلة الأولى من الحرب من أجل فتح الطريق إلى القدس، أي طريق يافا – القدس. وعندما تم الإعلان عن قيام الدولة، وعلى أثر ذلك دخلت مصر ودول عربية أخرى إلى الحرب، انتقلت إلى القتال في الجبهة الجنوبية ضد القوات المصرية. ولذلك فقد كنت في عشرات المعارك الكبيرة في الجبهة الجنوبية لأننا كنا نتنقل بسيارات الجيب بين مكان وآخر وهذا الأمر مكنني من مشاهدة الغالبية العظمى من المعارك في كافة المناطق في الجبهة الجنوبية خلافا لمعظم الجنود. لقد خرجت من هذه الحرب وفي جعبتي عدة رؤى وأفكار. الأمر الأول هو أنه يوجد شعب فلسطيني. لقد شاهدته. فالحرب كانت ضد الفلسطينيين، قبل دخول الجيوش العربية. وشاهدت كيف أن قواتنا تتزايد عددا وتنظيمها يتحسن، وفي المقابل فإن القوات العربية [الفلسطينية] لم تنظم نفسها ولم يتزايد عددها ولم تكن لديها قيادة موحدة. وكان هذا السبب الرئيس لانتصارنا على الشعب الفلسطيني.

 (*) سؤال: وهل كانت لديكم كميات كبيرة من الأسلحة والأسلحة المتطورة؟.

 أفنيري: ليس في البداية. وبالنسبة إلى القوات الفلسطينية فإنها كانت مسلحة بأسلحة عادية كتلك التي كانت في حيازة الفلاحين، أي البنادق العادية. وكانوا يحاربون على طريقة الفلاحين- أي الفَزْعَة. لكن التوازن بين الجانبين أخذ يتغير من أسبوع لآخر. وما بدا على أنه سرايا متناثرة للهاغاناه في الشهور الأولى من الحرب، تطور ليصبح جيشا مع قيادة وهيئة أركان ودفاع. ولم يحدث مثل هذا الأمر في الجانب العربي. كان هناك [فوزي] القاوقجي الذي حارب في عدة أماكن. وقد رأيناه واشتبكنا مع قواته. لكن عدم قدرة الفلسطينيين على تنظيم أنفسهم، وعلى تشكيل قيادة موحدة وجيش واحد، تسبب بهزيمتهم. ونحن نعيش نتائج هذه الهزيمة حتى اليوم. والشعب الفلسطيني فقد عالمه في نصف السنة الأولى للحرب. وعندما دخلت الجيوش العربية تغير وجه الحرب. فالجيش المصري كان جيشا كبيرا ومنظما ومدربا على يد البريطانيين، وكانت لديه كميات أسلحة كبيرة وبضمنها مدافع. وحينذاك لم تكن لدينا أسلحة كهذه. وكان وضعنا سيئا للغاية حتى الهدنة الأولى. وبدأت هذه الهدنة بعد أيام من دخول الجيش المصري والجيش الأردني، أي في نهاية أيار العام 1948. وامتدت الهدنة الأولى من بداية حزيران إلى منتصف تموز. واستغلت قيادتنا الهدنة الأولى من أجل الحصول على السلاح من الاتحاد السوفياتي. كل سلاحنا جاءنا من ستالين. وكل السلاح الذي أمسكناه خلال الحرب كان سوفياتيا، أو كان سلاحا ألمانيا جاءنا عن طريق الاتحاد السوفياتي، ذلك بأنه في أثناء الحرب العالمية الثانية صنعت تشيكوسلوفاكيا كميات كبيرة من الأسلحة لصالح الجيش الألماني [النازي]. وبعد أن أصبحت تشيكوسلوفاكيا تابعة للاتحاد السوفياتي، استولى ستالين على الأسلحة وأرسلها إلينا. لقد حصلنا على بنادق ألمانية وطائرات ألمانية. وحصلنا على هذا كله بموجب قرار من ستالين.

دور ستالين في تسليح إسرائيل

(*) سؤال: هل هذه هي صفقة السلاح التشيكوسلوفاكية، التي أحضرها قادة الحزب الشيوعي اليهود، مثل موشيه سنيه وشموئيل ميكونيس، إلى إسرائيل وأدت إلى تغيير وجه الحرب؟

أفنيري: في واقع الأمر لم يكن سنيه أو ميكونيس بل ستالين هو الذي أرسل السلاح إلينا. وكان الشيوعيون اليهود والعرب منقسمين فيما بينهم في ذلك الوقت. وبن غوريون أوفد الشيوعيين اليهود إلى تشيكوسلوفاكيا وإلى أماكن أخرى وساعدوا في جلب السلاح وتدريب طيارين هناك. قبل ذلك لم يكن لدينا طيارون، لكن بعد أن حصلنا على طائرات كان يجب تدريب طيارين. والجيش التشيكوسلوفاكي درّب طيارينا. لكن لنعد  قليلا إلى الوراء، فكل هذا الفصل ما كان سيحدث لولا حدوث أمر مذهل وهو تصريح [الدبلوماسي السوفياتي أندريه] غروميكو. ففي منتصف العام 1947 كان الشيوعيون والصهاينة أعداء ألداء. وكانت هناك خصومات كبيرة بين أفراد العائلة اليهودية الواحدة في روسيا. قبل الثورة البلشفية، كانت هناك خصومات بين أبناء العائلة اليهودية الذين يؤيدون الحزب البلشفي وأشقائهم الذين يؤيدون الحركة الصهيونية. وكانت هناك حرب ضروس بين الصهاينة والشيوعيين في العالم كله. وحتى أن التنظيم العسكري القومي، بعدما نشبت الحرب العالمية الثانية، ساعد البريطانيين في التجسس على الشيوعيين اليهود من أجل تسليمهم إلى الشرطة البريطانية. لكن، على حين غرة، وفي منتصف العام 1947 أطلق غروميكو تصريحه، ولم يكن تأييدا للتقسيم بقدر ما كان تأييدًا للمشروع الصهيوني. وأعتقد أنه لم يكن بإمكان أي يهودي صهيوني أن يلقي خطابا أكثر صهيونية من خطاب غروميكو. فهو تحدث عن أن من عانى من المحرقة يستحق أن يكون لديه موطن. وكان على الحزب الشيوعي هنا، الذي عارض التقسيم بشدة قبل ذلك، أن يحول موقفه بشكل سريع بغية ملاءمته مع موقف موسكو. أعتقد أنه من دون تأييد السوفيات للتقسيم لما قامت إسرائيل. كانوا سيستخدمون الفيتو. والكتلة الشيوعية كلها دعمتنا خلال حرب العام 1948. وكان التناقض خلال الحرب مضحكا. فعندما كنا نرى طائرة مقاتلة بريطانية من طراز “سبيد فاير” تحلق فوق رؤوسنا، كنا نعرف أنها للمصريين. بينما عندما نرى طائرة مقاتلة ألمانية [نازية] فإنها كانت لنا. على أية حال كانت المعارك مع المصريين شديدة للغاية. فالجيش المصري كان جيدا. وأنا أقول دائما إنني وجمال عبد الناصر التقينا مرات عديدة في الحرب لكن أحدا لم يجر تعارفا فيما بيننا. لأنه هو وأنا كنا نشارك في المعارك نفسها، في الفالوجة. ووقعت معركة شديدة جدا قرب قرية إبنيس العربية وحصلنا في إثرها على كنية “شوعالي شمشون” [أي ثعالب شمشموم]. وكان هذا بمثابة وسام جماعي لسريتنا. وفي هذه المعركة أصيب عبد الناصر. وبعد عدة شهور وخلال المعركة في جيب الفالوجة كان عبد الناصر في الجانب الآخر.

 (*) سؤال: لنعد إلى أهم العبر التي استخلصتها من تلك الحرب.

 أفنيري: أولا، اقتنعت بشكل كامل أن ثمة شعبا فلسطينيا. وهو شعب له مميزاته. وقد خضت نقاشات كثيرة هنا على مدار سنين طويلة بشأن قناعتي هذه. الأمر الثاني هو أنني شاهدت النكبة. لقد دخلت خلال الحرب إلى عشرات القرى العربية التي هرب سكانها أو طردوا منها. وأنا لم أجد أبدا أي فارق بين الحالتين- هربوا أو طُردوا. كنا نأتي إلى القرية ونطلق النار عليها، وكان هذا يحدث خلال الليل عادة. كنا نطلق على القرية عدة آلاف من الأعيرة النارية وفي صبيحة اليوم التالي تصبح القرية خالية من سكانها. ماذا كنتما ستفعلان، وماذا كنت سأفعل أنا إذا كان لدي زوجة وأطفال في قرية تتعرض للهجوم؟ وبالمناسبة، في البداية لم تحدث موجة هروب من البلاد، لأنهم كانوا يهربون من قرية إلى قرية أخرى. وبعد فترة وجد فلسطينيون كثيرون أنفسهم وراء الحدود. هم لم يقصدوا النزوح عن البلاد، وإنما قصدوا مغادرة قريتهم التي تتعرض لإطلاق نار كثيف.

(*) سؤال: لماذا كنتم تطلقون النار؟ هل من أجل حمل السكان على الهرب؟

أفنيري: كان هذا أحد الأسباب. وحدث هذا خلال الحرب.

 (*) سؤال: هل أنت ممن يعتقدون أنه كان لدى الحركة الصهيونية مخطط لطرد العرب من البلاد؟

أفنيري: هذا سؤال يصعب الإجابة عليه، لأنه كانت هناك حالة حرب. كنا نحن من جهة والجيش المصري من الجهة الأخرى وبيننا القرى. وكانت إستراتيجيتنا تقضي بإخلاء القرى. والادعاءات بأن القيادة العربية دعت العرب إلى الهرب من البلاد هي ادعاءات سخيفة للغاية. فإذا كنت أحارب ويوجد في المكان سكان يؤيدونني فإنني لا أطالبهم بالرحيل وإنما بالبقاء في أماكنهم. وعموما فإن معظم الأساطير التي يرويها اليهود حول النكبة سخيفة.

والأمر الثالث، بخصوص العبر التي استخلصتها من تلك الحرب، هو أني توصلت إلى الاستنتاج بأنه لا توجد أي إمكانية لأن يعيش الشعبان، اليهود والعرب، في دولة واحدة. قبل الحرب كنت أفكر أن بالإمكان العيش في دولة واحدة، لكن بعد الحرب بت مقتنعا بشكل مطلق بأنه يجب أن تقام دولتان، وأنه يجب إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. وبعد تسريحي من الجيش أخذت أفكر بما ينبغي عمله من أجل دفع هذه الأفكار إلى الأمام، أي إقامة دولة عبرية ودولة عربية مع وجود علاقة معينة بينهما، وأن تكون القدس عاصمة مشتركة لهما. وكنت في حينه في الخامسة والعشرين من عمري وتعين عليّ أن أقرر إما أن أؤسس حزبا وإما أن أؤسس صحيفة. واعتقدت أن تأسيس حزب هو أمر مستحيل في الأجواء التي كانت سائدة في ذلك الوقت، لكن بالإمكان تأسيس صحيفة. وكنت حينها قد عملت في صحيفة هآرتس لمدة عام تقريبا، وكتبت خلالها مقالات، لكني توصلت إلى الاستنتاج بأنني لا أستطيع أن أحارب من أجل أفكاري من خلالها. وعندها اشتريت مجلة هعولام هزيه [هذا العالم] في العام 1950. وحاربت هعولام هزيه من أجل هذه الأفكار التي حملتها. كما حاربت المجلة من أجل المساواة في الحقوق للعرب في دولة إسرائيل. وفي البداية عبرت من خلال مقالات في المجلة عن المعارضة لطرد سكان قرى عربية بعد الحرب، مثل القرى القريبة من طبريا، قرية حوسان على سبيل المثال، وإقرث وكفر برعم أيضا. وقد تطرقت هعولام هزيه إلى هذه القضية بشكل واسع. وفي تلك الفترة جرت عمليات مصادرة للأراضي [العربية] بشكل كبير للغاية. وقد حاربنا هذا أيضا. وواصلنا العمل من أجل الدولة الفلسطينية، والدعوة إلى التحالف بين الحركة الوطنية العبرانية والحركة الوطنية الفلسطينية. كان هذا خط هعولام هزيه السياسي، طوال السنين. وفي مرحلة معينة في سنوات الستين الأولى شكلنا هيئة تحرير عربية وأصدرنا مجلة بالعربية باسم هذا العالم وعمل فيها عدة أشخاص منهم سميح القاسم.

 لماذا رحبنا بثورة 23 تموز المصرية؟

(*) سؤال: نذكر أنه عندما توفي الرئيس المصري جمال عبد الناصر، في أيلول 1970، أصدرت “هذا العالم” عددا تذكاريًا خاصا وتضمن صورا ومواد كثيرة.

أفنيري: عندما قاد عبد الناصر الثورة في مصر في 23 تموز 1952، كنا الجهة الوحيدة في البلاد التي رحبت بالثورة. وأنا كنت أحب عبد الناصر كثيرا بصورة شخصية. ولدي سبب ذاتي لذلك وهو أنه بعد أسابيع من الثورة، وبينما كان الجميع يتحدث عن محمد نجيب، ولم يكن عبد الناصر معروفا، جاء إلي صديقي من الجيش، وهو جندي من أصل يمني، يدعى يروحام كوهين، وكان المرافق الشخصي ليغئال ألون، الذي كان قائد الجبهة الجنوبية. وخلال المعارك التي ذكرتها سابقا في جيب الفالوجة، تم التوصل إلى وقف إطلاق نار لفترة قصيرة لأنه سقط الكثير من القتلى والجرحى. وامتد وقف إطلاق النار لعدة ساعات من أجل أن يخلي كل جانب قتلاه وجرحاه. وقد أرسل ألون يروحام، الذي كان يتحدث العربية بشكل جيد، للتفاوض مع الجانب المصري والقائد المصري أرسل جمال عبد الناصر. والتقى الاثنان عدة مرات وأصبحا صديقين. وحدثني يروحام عن أنه في أحد الأيام جاء عبد الناصر وكان كئيبا جدا وقال إن “جميعنا سنموت هنا” بينما حاول يروحام تهدئته. وبعد حرب العام 1948 تم تشكيل لجنة هدنة إسرائيلية – مصرية، وأرسلوا يروحام إلى مباحثات هذه اللجنة. وفي أحد اللقاءات سأله ضابط مصري ما إذا كان يعرف جمال عبد الناصر وأبلغه بأن الأخير ولدت له ابنة. وبعدها ذهب يروحام إلى تل أبيب واشترى بذلة للمولودة وسلمها لضابط مصري، وبعد ذلك تلقى يروحام من عبد الناصر حلويات غروبي، وهو مقهى مشهور جدا في القاهرة. وفي وقت لاحق تلقى يروحام دعوة سرية من جمال عبد الناصر لزيارة القاهرة. وبدلا من أن يقوم بما كنت أنا سأفعله، أي أن أستقل أول طائرة متوجهة إلى هناك، فقد ذهب إلى وزارة الخارجية من أجل الحصول على موافقة. ورفضت وزارة الخارجية طلبه وأبلغته بأنه إذا كان عبد الناصر يريد تمرير رسالة ما، فإن عليه الاتصال بوزارة الخارجية. وبعد حرب العام 1956، التي عارضتها بشدة، جاء إليّ عدد من الأصدقاء الذين عارضوا الحرب وبينهم نتان يلين  – مور، وبحثنا في تأسيس حركة “هبعولاه هشيميت”، وبالعربية “العمل السامي”. وبعد بضعة شهور أصدرنا كراسة طرحنا فيها إجراء تغيير شامل في دولة إسرائيل، وتضمنت الأفكار التي ذكرتها سابقا، بشأن قيام دولة فلسطينية وإقامة علاقة بين فلسطين وإسرائيل وألا تكون إسرائيل دولة يهودية وإنما دولة جميع مواطنيها. وأعتقد أنه منذ ذلك الحين وحتى اليوم لم يتم طرح خطة سياسية واسعة وشاملة مثل هذه الخطة. واستمر نشاط هذه الحركة حتى العام 1965. وخاضت هعولام هزيه، طوال هذه الفترة، حربا لا هوادة فيها ضد الحكومة، وخصوصا ضد بن غوريون. وهو كان يكرهنا كثيرا إلى درجة أنه كان يمتنع عن ذكر اسم المجلة، وحتى أنه اخترع اسما للمجلة وهو “الأسبوعية المعينة” كي لا يقول هعولام هزيه. وتم وضع قنابل في مقر المجلة. كما تم الاعتداء عليّ مرة. وأرادوا إغلاق هعولام هزيه لكنهم لم ينجحوا في هذا. وعلى أثر ذلك سنوا قانونا جديدا وهو “قانون القذف والتشهير” بهدف إغلاق المجلة. وفي أعقاب ذلك شكلنا قائمة لتخوض الانتخابات للكنيست باسم “هعولام هزيه – كواح حداش” [أي “هذا العالم – قوة جديدة”]. وكان أحد شعارات القائمة الجديدة “الوصول إلى الكنيست أو السجن”، فإذا ما أصبحت عضو كنيست سأحصل على حصانة برلمانية، وهذا ما أردته، وإذا لم يحدث هذا سيتم زجي في السجن عاجلا أم آجلا، لأني سأواصل الترويج لأفكاري. ولم يصدق أحد أنه سينتج عن ذلك شيء. لكننا تمكنا من تجاوز نسبة الحسم وحصلنا على نائبين تقريبا، لكن لأننا لم نوقع اتفاقية فائض أصوات مع حزب آخر فقد بقينا مع نائب واحد. وأصبحت عضو كنيست.

 (*) سؤال: كيف تلخص تجربتك في الكنيست؟

أفنيري: خلال عضويتي في الكنيست ألقيت ألف خطاب، نظرًا إلى كوني قائمة مؤلفة من نائب واحد، وهذا منحني امتياز إلقاء خطابات بشأن شتى الموضوعات المدرجة في جدول الأعمال. وبين العام 1965 والعام 1967 تحدثت عن جميع القضايا، الداخلية والسياسية العامة. وطبعا تحدثت عن السلام أيضا. وكانت هناك فكرة تحدثت عنها في هعولام هزيه وكررت الحديث عنها في الكنيست وهي فكرة معروفة باسم “هيئة أركان عامة بيضاء”، وتقضي بإقامة وزارة، على غرار وزارة الخارجية، تكون مهمتها الانشغال في السلام فقط، سلام إسرائيلي – عربي وسلام إسرائيلي – فلسطيني. ومثلما توجد هيئة أركان عامة في الجيش غايتها التخطيط للحروب، طالبت بتشكيل هيئة أركان عامة بيضاء، يكون في عضويتها خبراء من شتى المجالات تكون غايتها العمل من أجل السلام. ويوجد تعبير آخر أوجدناه وهو “جهاز الظلام” والمقصود جهاز الأمن العام- شاباك. وقد استحدثت هذا التعبير لأن الرقابة العسكرية في سنوات الخمسين والستين كانت تمنع أن نذكر أنه يوجد جهاز كهذا في إسرائيل. كان مجرد الحديث عن وجود شاباك، أو الشين بيت في حينه، هو أمر سري يحظر النشر عنه. وعندما شنوا الحرب في العام 1967 واحتل الجيش الإسرائيلي كل المناطق الفلسطينية، رأيت في ذلك فرصة تاريخية. فقد كانت البلاد كلها بأيدينا. وقبل انتهاء الحرب، في اليوم الخامس، نشرت في جريدتي، وكنت قد أصدرت جريدة يومية لمدة شهرين في تلك الفترة، رسالة مفتوحة موجهة إلى رئيس الحكومة، ليفي أشكول، وطالبت بإجراء استفتاء شعبي على الفور بين الفلسطينيين في المناطق المحتلة، وأن يختاروا من خلاله إما الانضمام إلى إسرائيل، وإما إعادة المناطق المحتلة إلى الأردن، وإما إقامة دولة مستقلة. وبعد يومين أو ثلاثة دعاني رئيس الحكومة، وكان ليفي أشكول شخصا لطيفا، كي أوضح له الفكرة الكامنة من وراء الاستفتاء. وأذكر ما قاله لي في حينه: “أوري، أي نوع من  التجار أنت؟ أتريدنا أن نعطي كل شيء قبل إجراء مفاوضات؟”. خلال الحرب انشغلت أيضًا بأمرين: أولاً، بقرى منطقة اللطرون [عمواس ويالو وبيت نوبا]. فقد تواجد الكاتب والصحافي عاموس كينان في هذه المنطقة وأرسل إلي تقريرا. وبدوري أرسلته إلى جميع الوزراء وحاولت إحداث ضجة حوله لكني لم أنجح في ذلك. ثانيًا، في الوقت ذاته حاولوا إخلاء قلقيلية، فقد هدموا حيا فيها وكانوا يريدون هدم المدينة كلها. وقد تمكنت من منع هذا الأمر. عملت بسرعة وجمعت إفادات وذهبت إلى الكنيست وسلمت التقرير إلى ليفي أشكول ووزراء حزب مبام ورئيس هيئة أركان الجيش، إسحق رابين. وبطريقة ما تم منع هدم المدينة كلها والحي الذي هدموه تم بناؤه من جديد. لكن لم ننجح في اللطرون. عليّ أن أعترف هنا أنه في ذلك الوقت لم يكن ثمة من يعتقد بأن المناطق المحتلة ستبقى بأيدينا. ومثلما يفكر كل جنرال بالحرب الأخيرة فإن هذا هو ما حدث عندنا. والحرب الأخيرة قبل 1967 كانت في العام 1956، عندما أرغم كل من [الرئيس الأميركي دوايت] أيزنهاور و[المارشال السوفياتي نيكولاي ألكساندروفيتش] بولغانين إسرائيل على إعادة كل شبر احتلته في شبه جزيرة سيناء. وفي الحرب التالية، في العام 1967، لم يصدق أحد بأن المناطق ستبقى بأيدينا. ولذلك فإنه بسبب القناعة بأنهم سيعيدون كل شيء إلى الأردن، قاموا باقتطاع منطقة اللطرون من أجل أن تبقى بأيدينا، أي من أجل أن تبقى طريق القدس – تل أبيب بأيدينا. ولقد استغرق الأمر عدة شهور حتى اعتادوا على فكرة أنه لا يوجد بولغانين ولا أيزنهاور، وأنه لا أحد يقترح إعادة المناطق. وأنا من جانبي اقترحت إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد تحدثت عن ذلك في الكنيست. وأنا أذكر هذه الأمور جيدا الآن لأنني أكتب مذكراتي، وقد وصلت حتى الآن إلى هذه الفترة. وكنت ألقيت خطابين أو ثلاثة على الأقل حول هذا الموضوع في الكنيست. والمثير في الأمر أن الحزب الشيوعي لم يؤيد إقامة دولة فلسطينية مستقلة وإنما أيد إعادة الضفة إلى الأردن، وذلك إلى أن تبنى [الزعيم السوفياتي ليونيد] بريجنيف فكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل في العام 1969، وبعدها غيّر الشيوعيون هنا رأيهم.

 (*) سؤال: ألم يطالب الشيوعيون، في حينه، بقيام دولتين؟

 أفنيري: كلا. فقد طالبوا بإعادة الضفة الغربية إلى الأردن والقطاع إلى مصر وإعادة الوضع القائم إلى ما كان عليه قبل الحرب. وأنا قمت بجولة في الضفة الغربية في ذلك الوقت، وتقريبًا تحدثت مع جميع الزعماء المحليين الذين كانوا في ذلك الحين، في غزة والخليل ورام الله ونابلس والقدس. وسألتهم جميعا عما يفضلونه إذا ما كان الخيار بأيديهم، العودة إلى الحكم الأردني أم دولة فلسطينية. وبعد محادثات عديدة قالوا جميعا بدون استثناء إنه إذا أمكن قيام دولة فلسطينية فإن هذا هو الخيار الذي يريدونه. بعد ذلك ألقيت خطابا في الكنيست حول المحادثات التي أجريتها مع الزعماء الفلسطينيين المحليين وقلت إن جميعهم يفضلون إقامة دولة فلسطينية. ورد عليّ [وزير الدفاع في حينه] موشيه دايان وقال إن ما أقوله ليس صحيحا. وبعد أسبوع جرى نقاش بيني وبين ليفي أشكول، الذي دافع عن دايان وقال لي إن ما أقوله ليس صحيحا.

 (*) سؤال: وماذا كان الأمر الصحيح بالنسبة إلى كل من دايان وأشكول؟

أفنيري: أن الفلسطينيين يريدون إعادة الضفة الغربية إلى الأردن. إنه الخيار الأردني المشهور. وفي اليوم التالي تلقيت اتصالا هاتفيا من شخص اسمه موشيه ساسون، كان يشغل منصب مستشار رئيس الحكومة لشؤون الضفة الغربية، وقال لي: “عضو الكنيست أفنيري، رئيس الحكومة طلب أن ألتقي معك”. والتقينا فعلا، وقال لي إنني قلت في الكنيست شيئا ورئيس الحكومة يريد أن يعرف منك على ماذا اعتمدت في أقوالك. فأبلغته بلقاءاتي مع الزعماء الفلسطينيين المحليين. بعد ذلك كتب ساسون تقريرا حول  لقائه معي وسلمه لرئيس الحكومة. وما زلت أحتفظ  بنسخة منه هنا في بيتي. وكتب ساسون في  تقريره أنه “لا يوجد بيني وبين السيد أفنيري أية خلافات بشأن مصير سكان الضفة الغربية. والسيد أفنيري يتفق معي على أن قيام دول فلسطينية مستحيل من دون القدس. ولأن حكومة إسرائيل قررت ضم القدس إلى إسرائيل فإن كل هذه الفكرة غير قابلة للتنفيذ”. وهذه وثيقة تاريخية أعتز بها كثيرا لأنها توثق موقفي.

(*) سؤال: تقصد موشيه ساسون الذي كان سفيرا لإسرائيل في مصر؟

أفنيري: نعم. وفي العام 1956 نشرت في هعولام هزيه خريطة للدولة الفلسطينية. وكانت فكرة قيام دولة فلسطينية بعد حرب العام 1967 تلقى تأييدا يعتبر ملفتًا نسبيًا لدى أوساط معينة في إسرائيل. وأنا تحدثت مع ثلاثة ضباط يحملون رتبة لواء في الجيش الإسرائيلي. وسألتهم ما إذا كانوا يفضلون دولة أردنية تمتد من طولكرم حتى أقصى شرق الأردن، مع إمكانية مرابطة أربعة جيوش عربية على حدودنا، أو قيام دولة فلسطينية تقيم علاقات مع إسرائيل. اللواء يسرائيل طال أيد ذلك من دون أي تحفظ. وبدأت بإقناع [قائد سلاح الجو] عيزر وايزمان. وحتى غاندي [داعية الترانسفير، رحبعام زئيفي]، الذي أصبح لاحقا فاشيا كبيرا، فكّر في هذا الاتجاه. وأريئيل شارون أيد هذه الفكرة. وعلى مدار عدة شهور كانت هناك استطلاعات رأي تبين من أحدها أن 7 بالمئة من الإسرائيليين يؤيدون هذه الفكرة. وهي نسبة مهمة في ضوء ظروف تلك الأيام. وبعد ذلك اعتادوا على حالة أن المناطق باقية تحت سيطرتنا، وأنه لا أحد يطالبنا بالانسحاب منها. وفي إثر هذا سقطت كل تلك الافكار.

 بداية العلاقة مع الحركة الوطنية الفلسطينية

(*) سؤال: كيف بدأت العلاقات بينك وبين الحركة الوطنية الفلسطينية؟

 أفنيري: قبل حرب الأيام الستة (1967) بفترة قصيرة، بدأت حركة فتح بالعمل. ووقعت عدة عمليات صغيرة عند الجبهة مع سورية. وعندها بدأت أهتم بفتح. وفي ذلك الوقت أقام عبد الناصر منظمة التحرير الفلسطينية ونصب أحمد الشقيري رئيسا لها. وقد التقيت مع الشقيري في الأمم المتحدة.

 وبعد ذلك اندلعت حرب يوم الغفران، حرب رمضان، وإذا كنتما تذكران، فإنه بعدها جرى عقد مؤتمر سلام في جنيف. واستمر ليوم واحد فقط، إذ تم تفجيره فورا. وكنا هنا في إسرائيل عشية انتخابات. وأنا سافرت إلى جنيف، وشاركت في المؤتمر. والتقيت هناك مع صحافيين من أنحاء العالم. وتعرفت على صحافي بريطاني، قال لي إن شيئا مثيرا حدث في انكلترا وهو أن مندوب منظمة التحرير الفلسطينية في بريطانيا، سعيد حمامي، نشر مقالا في صحيفة التايمز، وتضمن أفكارا جديدة، بينها أنه لا يمكن الاعتماد فقط على الكفاح المسلح، وبالإمكان دفع القضية الفلسطينية بطرق سياسية. وكان واضحا لي أن لا أحد يكتب مقالا كهذا من دون موافقة ياسر عرفات. وكان هذا بعد أيام معدودة من الحرب في العام 1973. وطلبت من الصحافي البريطاني أن يرتب لقاء بيني وبين حمامي. وبعد مرور عدة أيام اتصل بي في تل أبيب وطلب أن أحضر إلى لندن فورا. وفعلا سافرت إلى لندن والتقيت مع سعيد حمامي. إنه شخص لطيف جدا، وأراد أن يفتتح اللقاء بأن يقول رأيه. وشرح لي فكرته خلال ربع ساعة. وقلت له إنه ليس لدي ما أضيفه إلى أقواله وإني أوافق على كل كلمة قالها. فقد كانت أفكاره مطابقة لأفكاري فيما يتعلق بحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. وأرسلت بواسطته رسائل إلى عرفات. وأبلغني حمامي أن ثلاثة قياديين في المنظمة يعتنون بدفع الأفكار التي تحدث عنها، ومنهم أبو عمار وأبو إياد [صلاح خلف]. بعد ذلك قال لي حمامي أنه يمكن رفع مستوى الاتصالات بيننا، من اتصالات على أساس  شخصي بيني وبينه، إلى حوار بين مؤسسة في إسرائيل وبين المنظمة. وعندها حاولت تشكيل مجلس السلام الإسرائيلي – الفلسطيني. ولم ينجح هذا. وبعد ذلك انضم إلي كل من اللواء ماتي بيلد ولوفا إلياف. وقمنا بإعداد بيان وقع عليه مئة من الشخصيات الهامة في إسرائيل. وكانت هذه أعجوبة حقا. وقمنا بتليين صيغة البيان قليلا، مثل “مفاوضات مع الفلسطينيين وبالإمكان إجراؤها مع منظمة التحرير الفلسطينية أيضا”.الأمر المهم هو أننا أقمنا هيئة. وعرفات أدخل شخصا جديدا في الموضوع وهو عصام السرطاوي، الذي كان من حيث تدريج المناصب في المنظمة أرفع مكانة من حمامي، وبدأنا اتصالات مع السرطاوي والتقينا مرة كل بضعة شهور. وقمنا بإعداد برامج متنوعة، لم تخرج إلى حيز التنفيذ، مثل فكرة أن نسافر إلى قبرص ومن ثم إلى بيروت، لنلتقي مع قيادة المنظمة في العاصمة اللبنانية. وفكرة أن نسافر إلى بيروت عن طريق رأس الناقورة وأن نمر بمخيمات اللاجئين [في جنوب لبنان]. ولم نحصل على مصادقة إسرائيلية لهذه الخطوة. والتأم المجلس الوطني الفلسطيني في دمشق، وكنت آمل أن يوجه المجلس دعوة إلينا. وعندها نشبت حرب لبنان الأولى في العام 1982. وقد كنت في الجبهة عدة مرات في إطار عملي الصحافي. وفي إحدى المرات عبرت الحدود إلى لبنان لوحدي، وكانت هذه تجربة مثيرة، فقد كان عبوري للحدود مخالفا للقانون. ووصلت إلى صيدا. والجيش الإسرائيلي كان قد وصل إلى بيروت. بعد ذلك دعا الجيش الإسرائيلي جميع محرري الصحف إلى القدوم إلى بيروت للإطلاع على كيفية انتشار الجيش الإسرائيلي في بيروت الشرقية. وقد حضرت إلى هناك والتقيت مع صحافي ألماني. وقلت له إنني أعتزم التقاء زعماء لبنانيين مثل بيار جميل. وسألني الصحافي الألماني “ألا تريد أن تلتقي مع عرفات؟” فأجبته بأني أريد لقاءه بالطبع. وفي أوج الحرب اتصلت بمقر منظمة التحرير في بيروت الغربية وقلت لمن أجاب على اتصالي بأنني أوري أفنيري من إسرائيل وأريد أن ألتقي مع الرئيس [عرفات]. وبعد عدة ساعات، في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، تلقيت اتصالا هاتفيا وتم إبلاغي بأن الرئيس سيستقبلني في صباح اليوم التالي. وقد مر وقت حتى استوعبت ما الذي يحدث هنا. واتصلت بالسرطاوي الذي تواجد في باريس. كذلك اتصلت بالصحافي الألماني وطلبت منه مرافقتي. وفي ذلك اليوم تم السماح للبنانيين المسيحيين من بيروت الشرقية بالدخول إلى بيروت الغربية، حيث كانت لديهم مصالح تجارية، وذلك لساعات معدودة فقط. وذهبت إلى بيروت الغربية بسيارة الطاقم الصحافي الألماني وعبرنا الخط الذي يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي في بيروت، والجنود لم يتعرفوا عليّ، وهم لم يلتفتوا إلي لأني أبدو ألمانيا. وبعد ذلك عبرنا حاجز الجيش اللبناني وثم حاجز الكتائب اللبنانية. وفجأة وجدت نفسي أمام قوات منظمة التحرير الفلسطينية. وهذه القوات ذكرتني  بجيشنا في بداياته في  العام 1947. كان بانتظاري الحارس الشخصي لعرفات وسافرنا في بيروت الغربية وكانت مدينة تعج بالسكان. وأحضرني إلى شقة كان عرفات موجودًا فيها. وتحادثنا لمدة ساعة أو أكثر. وبعد خمس دقائق من بداية لقائنا بدا وكأننا نعرف بعضنا منذ طفولتنا. وبالمناسبة قال لي عرفات إنه قرأ مقالاتي كلها مترجمة إلى العربية. وهكذا فإنه كان يعرف افكاري وآرائي. بعد ذلك صنع معروفا معي وسمح لي  بلقاء الطيار الإسرائيلي الذي كان أسيرا هناك. وعدنا بعد عدة ساعات. والطاقم الصحافي الألماني الذي صور جزءا من اللقاء بيني وبين عرفات أعد لي نسخة أخذتها معي. وفي طريقي عودتي، عند صيدا تقريبا، كنت أستمع إلى إذاعة صوت إسرائيل، وإذا بهم يذيعون خبرا مفاده أن مكتب ياسر عرفات أعلن أنه التقى معي. وأنا لم أكن مستعدا أبدا لهذا الأمر. وأخذت أفكر في ما سيحدث لي، وربما سيتم اعتقالي لدى وصولي على الحدود. وعند الحدود كان في انتظاري عدد كبير من الصحافيين ولم يعتقلوني. وأعطيت شريط التسجيل لمراسل التلفزيون الإسرائيلي وفي المساء تم بثه.

 منذ ذلك الحين أصبحت ألتقي مع عرفات مرة كل بضعة شهور. وبعد خروج المنظمة من بيروت تمت دعوتي إلى تونس في كانون الثاني من العام 1983.

وكنت عندما افترقنا قد سألت عرفات: إذا خرجت من هنا، ولم يكن أحد يصدق أن هذا سيحدث، إلى أين ستتجه؟. وبعد أن فتح عينيه بشكل واسع، كعادته، أجاب: “إلى فلسطين”. ولم أقل شيئا عندها.

وبعد أوسلو جاء عرفات إلى غزة، ووجهت فتح دعوة لي لأكون في عداد مستقبليه عند الحدود في رفح. وبعد دخوله إلى قطاع غزة سافرت بسيارة خلفه إلى فندق فلسطين في غزة. وكان قد احتشد هناك جمهور غفير. وتمكنت من الاقتراب من ضابط فلسطيني وناولته بطاقة التعريف خاصتي وطلبت منه أن يوصلها إلى الرئيس. وبعد دقائق عاد الضابط إلي وقال إن الرئيس يطلب منك الدخول. ودخلت القاعة ووقفت بهدوء، وفجأة دخل عرفات إلى القاعة وتوجه إلي مباشرة وعانقني وهمس في أذني “هل تذكر ماذا سألتني في بيروت قبل أن نفترق؟ ها أنذا هنا”. ثم سحبني معه إلى المنصة.

أنا أعرف عرفات جيدا وهو لا يفعل شيئا بشكل عفوي. وعلى ما يبدو أراد من خلال إجلاسي إلى جانبه أن يقول للعالم العربي إن الموضوع جدي، وإنه يجلس مع الإسرائيليين كي يفاوضهم، والدليل الأول على ذلك كنت أنا. وقد رأى العالم كله في ذلك اليوم أني أجلس إلى جانبه.

 ياسر عرفات أنجز ثورتين: الحركة الوطنية وثورة السلام

 (*) سؤال: كيف تجمل شخصية ياسر عرفات، كإنسان وقائد لديه رؤيا؟

 أفنيري: لقد كان عرفات، برأيي، رجلا لديه نواحٍ عديدة مركبة. ومثل أي زعيم كانت لديه صفات رائعة، وصفات ليست جيدة. وكانت القوة الكبيرة لدى عرفات هي ما ذكرته قبل قليل وهو أنه يملك قدرة استثنائية على اتخاذ قرارات حاسمة. وبعد ذلك كان يقوم سياسيون بين الفلسطينيين يهاجمون عرفات ويتهمونه بأنه لا يمارس الديمقراطية في السلطة الفلسطينية. والحقيقة هي أنه على مدار السنين الماضية كان يتعين اتخاذ قرارات وكان الجميع يلقي هذه المهمة على كاهل عرفات. وجميع المحيطين به جعلوه يقرر لوحده طوال هذه السنين. وقد كانت لديه القدرة على اتخاذ القرار. وكانت لديه موهبة في العلاقات الشخصية. وأنا أخذت أشخاصا كثيرين إلى عرفات، وكلهم أجمعوا على أنهم غيروا رأيهم تجاهه بعد دقائق قليلة من الجلوس معه. ومعروف أنه تمتع بموهبة التواصل مع الأشخاص. وكان متواضعا جدا. وعندما التقيت معه في تونس كان يجلس في الغرفة محمود درويش وشفيق الحوت ولبيب الترزي. وهو لم يكن يتعامل معهم على أنه زعيم مبجل. بل كانوا يقاطعون أقواله ويجادلونه وبدا هذا كأمر عادي. وأعتقد أن عرفات كان يستوعب الأمور بسرعة كبيرة. كان يستوعب الحقائق، ويعرف التفاصيل. وذات مرة في التقينا تونس، بعد معركة انتخابات عامة في إسرائيل، وتحدثنا عن تركيبة الكنيست. وقد أخطأت بشأن كتلة يهدوت هتوراة وهو صحح أقوالي. وواضح أنه كان وطني كبير. وقليلون هم الزعماء الذين كان بإمكانهم القيام بثورة واحدة في حياتهم، بينما هو نجح بالقيام بثورتين؛ فهو من أسس الحركة الوطنية الفلسطينية، وقام بالثورة الثانية بعد حرب يوم الغفران عندما بدأ يفكر بصنع سلام مع إسرائيل. وهذه بالنسبة للفلسطينيين ثورة هائلة. ففي تلك الفترة لم يكن بالإمكان أن يحلم المرء بذلك- أن تصنع سلاما مع الدولة الصهيونية؟ وقد توصل إلى هذا الاستنتاج بعد الحرب، التي حقق فيها الجانب العربي نجاحا رائعا في اليوم الأول للحرب وتمكن من مفاجأة إسرائيل بشكل مطلق، وعبرت جيوشه قناة السويس وكادت أن تصل إلى طبريا. ورغم ذلك فقد خسر الحرب. وعرفات رجل يحكّم المنطق بشكل كبير في تفكيره، وبالمناسبة كانت هذه صفة مشتركة بينه وبين رابين، ويبدو أنه قال في قرارة نفسه: إنه إذا لم ينجح العرب في الانتصار على إسرائيل في ظروف مثالية كظروف 1973، فهذا يعني أنه لا يوجد خيار عسكري ضد إسرائيل، ودعونا نفكر بطرق أخرى. ولقد سبق أن حدثتكما عن مقال حمامي. لكن بعد أن بلور هذه الفكرة، كانت لديه مشكلة كبيرة في إقناع حركته. وقد استغرق هذا الأمر وقتا طويلا. فمنذ العام 1974 وحتى العام 1988 كان يسعى لإقناع حركته، فتح، وبعد ذلك تعين عليه إقناع منظمة التحرير الفلسطينية. والإنجاز الكبير الذي حققه عرفات، وأعتقد أن بإمكاننا اليوم أن نقوّم ذلك، هو أنه رأى أن مهمته لا تقتضي الذهاب في طريق واحدة فقط، بل رأى مهمته أن يأخذ الحركة الوطنية والشعب الفلسطيني كله معه. وكان حلمه الحقيقي أن يحمل هذه الرزمة كلها، وبطريقة ثورية. وقد استغرق هذا الأمر سنوات طويلة جدا وكان يسير إلى الأمام ويضطر أحيانا إلى التراجع. وقد اصطحب معه في الطريق التي بلورها الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وغيرهما. وبرأيي نحن في إسرائيل أهدرنا فرصة تاريخية مع عرفات، وهي ليست كامنة في التوقيع على اتفاق سلام فقط، وإنما في إقناع الشعب الفلسطيني بالتوصل إلى اتفاق.

رابين كان استثنـاء، وكذلك “هعولام هزيـه”

 (*) سؤال: هل اقتنع الجانب الإسرائيلي، وبضمن ذلك رابين وشمعون بيريس، في أي وقت مضى بضرورة صنع سلام مع الشعب الفلسطيني؟

أفنيري: أعتقد أن أي رئيس حكومة إسرائيلية لم يقتنع بذلك، باستثناء رابين، الذي كانت لديه قناعة جزئية، أو نصف قناعة. وأنا مقتنع بأنه لو بقي رابين على قيد الحياة لكان توصل إلى الإقرار بأنه ينبغي صنع سلام مع الفلسطينيين. أنا لا أعرف شخصين مختلفين إلى حد كبير مثل رابين وعرفات. إنهما الشيء ونقيضه. لكن حصل بينهما تماس. وقبل مقتل رابين اقترب عرفات منه أكثر فأكثر. وأعتقد أنه عندما استضاف رابين عرفات في بيته، فإنه كان قد بدأ يفهم الموضوع الفلسطيني وعرفات، وأنه كان سيتوصل في نهاية المطاف إلى ضرورة إبرام اتفاق سلام. ولهذا قتلوه. لكن باستثناء رابين لم يرغب أي رئيس حكومة في صنع سلام مع الفلسطينيين.

 (*) سؤال: ولا حتى إيهود أولمرت، الذي طرح انسحاب إسرائيل من معظم الضفة، وتبادل أراض، وإقامة نظام خاص بشأن القدس. هل كان هذا الاقتراح جدي؟

أفنيري: أولمرت طرح اقتراحه عندما كان منتهيا من الناحية السياسية… وهو طرح ليس جديا. وبيريس لم يطرح شيئا جديا أبدا. والأشخاص الجديون قبلهما، مثل بن غوريون وليفي أشكول ومناحيم بيغن، لم يريدوا دولة فلسطينية بأي شكل من الأشكال. فبيغن صنع سلاما مع مصر من أجل عدم الوصول إلى دولة فلسطينية. وبن غوريون أقام حلفا مع الملك عبد الله من أجل منع قيام دولة فلسطينية. وتطلع الحركة الصهيونية، الذي أعتقد أنه راسخ لديها في الجينات، هو نحو إقامة دولة يهودية تمتد شرقًا حتى نهر الأردن على الأقل إن لم يكن أكثر من ذلك، وشمالاً حتى نهر الليطاني على الأقل إن لم يكن أكثر من ذلك، وجنوبًا حتى العريش على الأقل. وهذا ما طرحه زعماؤها خلال مؤتمر في العام 1918. وإجراء تغيير في هذه الأفكار، والموافقة على إقامة دولتين للشعبين، هما بمثابة تغيير هائل، وذلك إذا ما أرادوا السلام. والتوجه اليوم هو مثلما كان حينذاك. هذا الفكر لم يتغير منذ مئة عام.

(*) سؤال: في نظرة إلى المستقبل، هل تتوقع أن يظهر زعيم في إسرائيل يكون بمقدوره إقناع الشعب الإسرائيلي بالسلام؟

أفنيري: آمل ذلك. وفي القضايا السياسية تحدث أمور كثير غير متوقعة. وسأعطيكما مثالا صغيرا من حركة الاحتجاجات الشعبية التي جرت في إسرائيل في العام الماضي. فمن أين جاءت؟ من لا شيء. وفجأة أصبح بينهم قادة. كان ذلك حدثا جزئيا، ولم ينتج عن الاحتجاجات قادة كبار، لكن هذا يدل على أنه من الممكن أن تحدث تغيرات. وأنا رأيت في حياتي أمورا كثيرا غير متوقعة. وعندما ألقي محاضرات في ألمانيا، بين حين وآخر، أطرح دائما السؤال التالي: من منكم، أنتم الذين تجلسون في القاعة، فكر بأن سور برلين سيسقط قبل أسبوع من سقوطه؟ والجميع يجيبون أنهم لم يتوقعوا ذلك. يجب عدم الاستسلام. من كان يتوقع انهيار الاتحاد السوفياتي الهائل، وألا يبقي أثرا خلفه؟ تحدث تغيرات في العالم. لكن لا يمكنني أن أكون متأكدا من أن تغييرا كبيرا سيحصل في إسرائيل. حاليًا تسير الأمور في إسرائيل في الاتجاه المعاكس.

 (*) سؤال: لم تكن “هعولام هزيه” مجلة أسبوعية لديها توجه سياسي فقط، وإنما كانت علامة فارقة لصحافة حرة. أين مكانة صحافة كهذه في خريطة الإعلام الإسرائيلي الآني؟

أفنيري: “هعولام هزيه” قامت بثورة في الإعلام ومن جميع النواحي. وقد استحدثنا لغة إعلامية جديدة. وكان الأساس أنه عندما بدأت العمل في المجلة، في العام 1950، كانت الصحافة الإسرائيلية كلها موالية بشكل مطلق لخط الحكومة، لخط أي حكومة تم تشكيلها. وكان هذا بمنزلة أمر طبيعي، لأنه حتى العام 1948 كانت الصحافة جزءا من النضال الوطني – الصهيوني. وجميع الصحف رأت أن واجبها يتجسد في خدمة الهدف الوطني. وهذا يعني أن كل ما هو ليس لائقا لا يتم نشره، مثلما كانت حال الصحافة الروسية في العهد السوفياتي مثلا. ونحن جئنا مع تراث صحافي مختلف كليا، ولم نوافق على إسكات أي شيء. لقد نشرنا كل شيء وعن كل شيء. وأنا لست واثقا مما إذا كنا قد انتصرنا بهذه الطريقة. والصحافة اليوم حرة للغاية فيما يتعلق بمجالات عديدة باستثناء مجال واحد مهم وهو المجال القومي. وهي في هذا المجال مجندة بالكامل، بنسبة مئة بالمئة. وانظروا إلى ما حدث في الأيام الأخيرة في غزة [جولة التصعيد في أعقاب اغتيال أمين عام لجان المقاومة الشعبية، زهير القيسي]. تكاد لا تجد أحدا في وسائل الإعلام الإسرائيلية يسأل لماذا تم قتل هذا الرجل [القيسي]، وهل كان قتله، في الوقت الذي سيحل مكانه شخص آخر لا يختلف كثيرًا عنه، يستحق احتجاز مليون ونصف مليون شخص في الملاجئ وصرف مئات آلاف الدولارات على صواريخ “القبة الحديدية”؟ يجب إجراء حساب حول تكلفة التصعيد. هل فكر أحد ما بذلك؟ لا أحد يسأل. ويبدو أن كل شيء واضح. ولو أن هعولام هزيه ما زالت تصدر حتى اليوم لطرحت مثل هذه الأسئلة، مثل: هل كان هذا كله مجديا؟.

(*) سؤال: قرأنا مقالك الذي كتبته في  أعقاب وفاة زوجتك، راحيل، بعنوان “هرتسل الثاني”. وقلت فيه إنك تأمل بمجيء هرتسل ثان. هل ما زلت تعتبر نفسك جزءًا من المشروع الصهيوني؟

أفنيري: لا أعرف ماذا يعني أن تكون صهيونيا. لا أحد يعرف ماذا يعني ذلك. الصهيونية الحقيقية تعني أن يأتي جميع اليهود في العالم إلى “الدولة اليهودية” وألا يكون هناك يهود خارج هذه الدولة، حسبما رأى هرتسل. وقد نسي الجميع هذا الأمر. وإذا كنتما تسألان ما إذا كنت أريد أن تبقى دولة إسرائيل موجودة، فالجواب هو نعم، من هذه الناحية أنا صهيوني.

 (*) سؤال: تحدثت في المقال، أيضا، أن المسألة لم تعد محصورة في أن تصنع إسرائيل سلاما، وإنما المسألة الأهم هي إحداث تغيير في الوعي.

أفنيري: نعم، يجب أن نقرر ما إذا كانت هذه دولة يهودية أم دولة إسرائيلية. هذه هي جذور المسألة كلها. إذا كنا راغبين في أن تكون إسرائيل دولة يهودية فهذا يعني أننا مبعوثون أوروبيون نمثل الحضارة الأوروبية، وأننا ضد الحضارة العربية وضد الشعوب العربية، وأننا لسنا موجودين في هذه البلاد بصفتنا جزءًا منها وإنما مثل الأوروبيين، وأن نظرتنا إلى العرب فوقية استعلائية.

السؤال هو: أين ترى نفسك وأية دولة هذه؟. هل هي دولة عبرانية، أم دولة إسرائيلية، أم دولة يهودية؟ ومن نحن؟ هل نحن إسرائيليون أم عبرانيون أم يهود؟ هل نحن إسرائيليون- يهود أم يهود- إسرائيليون؟ كنت عضو كنيست لمدة عشر سنوات ولا أذكر أنه تم الحديث في هذا الموضوع. وهناك موضوع فصل الدين عن الدولة، وهو أهم مشكلة نواجهها بعد القضية الفلسطينية.

وإذا لم يتم التوصل إلى حل للصراع فإن الوضع الحالي سيبقى كما هو. ويعني الوضع الحالي وجود دولة واحدة بين النهر والبحر ذات حكم إسرائيلي. وإذا بقي الوضع كما هو اليوم، وليس مهما ما إذا كانت التسمية احتلال أو ضم، فإن اليهود في هذه البلاد سيصبحون أقلية وسيشكل الفلسطينيون الأغلبية، وماذا سيحدث بعد ذلك. ووفقا للوضع الحالي فإن هذه ستكون دولة أبارتهايد. وأعتقد أن هذا المصطلح ليس صحيحا لأن الوضع هنا أسوأ كثيرًا من الأبارتهايد، لأن هذا الوضع قد يؤدي إلى تطهير عرقي. بينما الوضع في جنوب إفريقيا كان مختلفا، والبيض كانوا بحاجة إلى السود كي يعملوا. وكل المجريات اليومية ستسير في ظل هذا الوضع، اليهود هنا والعرب هناك. هناك من يحلمون بأنه ستكون هناك ضغوط يمارسها العالم وضغوط داخلية، وسيكون العرب الفلسطينيون مواطنين متساوي الحقوق. لكن برأيي هذا وضع يستحيل أن يحدث. وإذا ما تحقق حلم هؤلاء الأشخاص فإن هذه لن تكون، في المستقبل، دولة ثنائية القومية وإنما دولة عربية وسيقرر الكنيست في أول مناسبة تغيير اسم الدولة. وهذا هو النقيض المطلق للفكرة الصهيونية، التي تقول، بجملة واحدة، إن الصهيونية هي أن يتمكن اليهود من السيطرة على مصيرهم. لذلك فإنك أحيانا تتساءل بشأن الغباء المطلق المتمثل في أن الصهاينة يعملون من أجل القضاء على الدولة الصهيونية. ولا أحد يسأل نفسه إلى أين نحن سائرون. ولا أحد، تقريبا، يسأل أين سنكون بعد عشر سنين أو خمسين سنة. والفرق الأكبر بين العرب وبين اليهود الإسرائيليين هو في ما يتعلق بمصطلح الزمن. وهذا مصطلح بالغ الأهمية. للعرب تاريخ منذ 1300 سنة على الاقل، وعبروا الصليبيين والعثمانيين، ولديهم صبر. وهم يتساءلون بدون شك أين سنكون بعد مئة عام؟. والعرب يقولون لأنفسهم “حسنا، الفرنجة كانوا هنا ورحلوا، وكذلك الأتراك كانوا هنا وولوا الأدبار”. في المقابل توجد لدى اليهود نفسية معكوسة تمامًا. فاليهود لا يفكرون بعيدا. لا يفكرون بمدى أبعد من سنتين أو ثلاث في الحد الأقصى. ونحن عبرنا مآسي كثيرة، مثل المحرقة وحرب العام 1948. ويبدو أن الإسرائيليين اليهود لديهم إيمان أعمى بأنه عندما تحدث مأساة فإننا سنعالجها في وقتها.

(*) سؤال: تعني أن هناك كبحًا ذاتيًا بشأن معالجة القضايا الحارقة؟.

أفنيري: نعم. وهناك جانب في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني يصعب على من هو خارجه أن يستوعبه. فأنا أعتقد أنه تحت كل هذه الأمور يوجد في منبت رؤوسنا شعور كبير بالذنب جراء ما اقترفناه. وهذا الشعور يتم كبحه. نحن رأينا ما حدث في العام 1948 ولا يمكن نفيه بأي شكل من الأشكال. ونحن نواجه صعوبات حيال ذلك، لأن الصهيونية في بدايتها كانت حركة مثالية جدا. فالأشخاص البسطاء لا يقيمون الكيبوتس، أي أنهم لا يتنازلون عن كل شيء من أجل العيش في فقر. وحدثتكم أني كنت في نهلال في العام 1933. والأفراد في هذا الكيبوتس جاؤوا من عائلات برجوازية وتنازلوا عن كل  شيء من أجل العيش في فقر، وجاؤوا من ألمانيا من أجل العمل في الزراعة هنا وهو عمل لم يعرفوه من قبل. لذلك أقول إن الصهيونية كانت حركة تصبو للمثل العليا، ولأنهم كانوا كذلك فإنهم يواجهون صعوبة في التعامل مع النكبة. الأميركيون ارتكبوا مجازر ضد الهنود الحمر واستعبدوا السود، لكن هذا لا يؤنبهم. غير أن النكبة تؤنب ضمير اليهود. وما أقوله لكما الآن هو تكهن حيال حالة نفسانية. وأنا أعتقد أن تعاملنا مع الفلسطينيين في الضفة والقطاع هو حالة من إرجاء الحسم بصورة خطرة للغاية. وفي إطار هذا قالوا ذات مرة إنه لا يوجد شعب فلسطيني. وكنت أمضيت وقتا طويلا من حياتي في جدالات بشأن ذلك وفي محاولة إقناع أعضاء كنيست، ورئيسة الحكومة غولدا مئير، بأنه يوجد شعب فلسطيني. وقلت مرة لمئير إنها ربما تكون على حق، وأنه فعلا لا يوجد شعب فلسطيني، لكن هناك ثمانية ملايين إنسان يعتقدون، خطأ، أنهم شعب، ومجرد هذا يكفي لأن يجعلهم شعبا. وحتى الآن هناك في إسرائيل من يقول إنه لا يوجد شعب فلسطيني، وإن الفلسطينيين جاؤوا من شتى أنحاء الشرق الأوسط. هذه سخافات. والجانب الآخر من المعادلة النفسانية هو أن الشعور السائد لدى اليهود الإسرائيليين هو أن الفلسطينيين لن يوافقوا على أن نبقى هنا بعد كل ما فعلناه بهم. وهذا الشعور عميق للغاية لدى الإسرائيليين اليهود. ومنذ أن عاد إيهود باراك من كامب ديفيد وأعلن أنه لا يوجد شريك فلسطيني للسلام، ودمر على أثر ذلك حركة السلام في البلاد، فإن الجميع هنا أصبحوا مقتنعين بأن السلام لن يسود هنا أبدا. ولذا فإنك ترى حتى الرجل العادي في الشارع في إسرائيل يقول “إننا نريد السلام ونتوق إليه، غير أن العرب لا يريدون السلام”. وبرأيي هذا التفكير جاء من كبح المشاعر الذي أتحدث عنه.

ليتنا نتحدث عن العام 1948 وما حدث خلاله، ليتنا نعترف بأنه نشبت حرب وفعلنا كل ما في وسعنا من أجل طرد العرب، ليتنا نتذكر أن العرب فعلوا كل ما في وسعهم من أجل طردنا، وأن التطهير العرقي في العام 1948 لم يكن من جانب واحد، ففي المناطق التي احتلها العرب لم يبق يهودي واحد، لا في غوش عتصيون ولا في البلدة القديمة في القدس. لو أننا نضع كل هذا على الطاولة ونتحدث عنه قائلين: “حسنا هذا هو التاريخ، ونحن لن نغيره، وعلينا أن نعترف بما حدث، ومن ثم أن نرنو إلى المستقبل”، لكان الوضع سيختلف. وعلى ما يبدو لن يحدث هذا في المستقبل المنظور، وهنا تكمن المشكلة.

عرب 48 29/05/2012

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.