ترجمات عبرية

إنها معركة السيادة الفعلية على الحرم

أودي ديكل

أودي ديكل 11-05-2022

“جبل الهيكل في أيدينا”، قال موتي غور في جهاز الاتصال بعد انتهاء المعركة على البلدة القديمة في القدس في حرب الأيام الستة. بعد ذلك تبين كم كان هذا الإعلان مشحوناً وقابلاً للانفجار ومعقداً وحساساً من الناحية الدينية والقومية والسياسية والثقافية. أدركت الحكومة الإسرائيلية في حينه هذا التعقيد، واتخذت قراراً بأنه رغم إعلان سيادة إسرائيل على كل القدس فإن الأردن هو الذي سيكون مسؤولاً عن الإدارة الداخلية لجبل الهيكل الذي يوجد فيه المسجد الأقصى، وأنه سيسمح لليهود بزيارة المكان ولكن عدم الصلاة فيه، بل في حائط المبكى.
أحداث شهر رمضان 2022 جسدت الإمكانية الكامنة المتفجرة حول الحرم، وأوضحت مرة أخرى بأن القدس، لا سيما المسجد الأقصى وباحات الحرم، تحولت الى بؤرة أساسية في النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين. في الشهر ازدادت المواجهات بين قوات الأمن الإسرائيلية والفلسطينيين وعرب إسرائيل في هذا المكان وأشعلت حماسة متطرفين، معظمهم ليس لهم انتماء تنظيمي، على تنفيذ عمليات إرهابية ضد يهود. عرضت حملات التحريض منفلتة العقال في الشبكات الاجتماعية وفي وسائل الإعلام الفلسطينية، التي قادتها حماس، كما يبدو خطة إسرائيلية لتقسيم الحرم زمانيا ومكانيا بما يشبه التقسيم في الحرم الإبراهيمي في الخليل، الذي هو حسب رأيهم خرق “للوضع الراهن” في المكان.
عملت شرطة إسرائيل بتصميم وحكمة ضد الأحداث العنيفة، حتى عندما طلب إدخال رجال الشرطة الى باحات المسجد الأقصى عندما تحصن هناك شباب فلسطينيون، انتظموا لرشق الحجارة وإشعال المفرقعات على حائط المبكى. ورغم قوة الأحداث إلا أن إسرائيل لم تغلق المكان أمام المصلين المسلمين وواصلت السماح بأداء الصلاة في المكان ولم يسجل أي قتلى في هذه الأحداث، شهداء، الذين قتلهم كان يمكن أن يزيد الحماس والعنف. قامت قوات الشرطة بضبط النفس إزاء استفزازات رفع أعلام حماس في المكان. ومكن ضبط الشرطة نفسها من إحياء ليلة القدر التي شارك فيها اكثر من 250 ألف مسلم.
القتال من أجل الأقصى والمعلومات الكاذبة عن نية إسرائيل تغيير ترتيب الصلاة في المكان هو قوة محركة لأفراد وجماعات، معظمهم ليس لهم انتماء تنظيمي، لتنفيذ عمليات قتل ضد مواطنين إسرائيليين. رسمت عملية البلطات التي تم تنفيذها في منتهى عيد الاستقلال في إلعاد استمرار النضال من اجل الحرم دون صلة بشهر رمضان، حيث الانتظام من اجل حمايته دفع الشباب الفلسطينيين لتلبية دعوة رئيس حماس في القطاع، يحيى السنوار، لتنفيذ عمليات بكل ما هو في متناول اليد، سواء بندقية أو سكين أو بلطة. وقد أضاف وأوضح المتحدث بلسان حماس، فوزي برهوم، “العملية في إلعاد هي عمل بطولي وشجاع ورد طبيعي على انتهاكات الاحتلال في المسجد الأقصى”.
هناك عدد من اللاعبين الذين يحددون روحية الأحداث وقوتها في الحرم:
1- تعمل حماس على ترسيخ مكانتها كـ “حامية للمسجد الأقصى” من خلال الإدراك بأن التحريض حول الحرم سيزيد روح “المقاومة” في أوساط الفلسطينيين. جهات إسلامية انضمت لحماس واستجابت لدعواتها وساهمت في ترسيخ صورة أن هذه المنظمة هي التي تسيطر على الأحداث في الحرم. 2- الحركة الإسلامية – الجناح الشمالي نشيطة جدا في تنظيم أعمال الشغب في الحرم. فقد قامت بتنظيم رحلات الى الحرم، 100 حافلة في اليوم في شهر رمضان. 3– حزب التحرير الإسلامي، الذي يعمل ايضا ضد الأوقاف الإسلامية والسلطة الفلسطينية بتنسيق مع منظمة الشباب والطلاب التابعة لحماس، التي تنشط في الجامعات في الضفة الغربية. هذا الحزب ادخل في شهر رمضان مئات النشطاء الى الحرم من خلال استغلال بعض الثغرات في الترتيبات من اجل عزل الحرم. 4- لجان التنسيق للأحياء العربية في شرقي القدس ومجموعات لشباب شرقي القدس، الذين وضعوا أمام أعينهم هدفا يتمثل بحماية المسجد الأقصى من المستوطنين ومن صلاة اليهود فيه. 5- المرابطون برئاسة الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى. 6- مجموعات من الإسرائيليين الذين يريدون إثبات حضور واسع في الحرم والصلاة فيه، وجهات تستغل الأزمة السياسية في إسرائيل وتحاول دفع “راعم” الى الانسحاب من الائتلاف بسبب الأحداث حول الحرم.
حماس، بواسطة الحرب النفسية التي ترتكز على استغلال التصورات التي تبنتها مثل رفع علم المنظمة في الحرم وإذكاء الدعوات العامة للمصلين المسلمين على شرف محمد ضيف، رئيس الذراع العسكري لحماس، عرضت الأحداث كـ “انتصار” على إسرائيل. على رأس قائمة الإنجازات التي تعرضها حماس مثل تعزيز صورتها كـ “حامية للقدس”؛ منع تقديم قرابين من قبل اليهود في الحرم؛ منع مسيرة الأعلام من الدخول الى البلدة القديمة من منطقة باب العامود؛ ضعضعة استقرار الحكومة الإسرائيلية وتبني أساليب “الإزعاج” في الحرم، مثلما يحدث على حدود القطاع؛ وفوق كل ذلك، أثبتت الأحداث حسب المتحدثين بلسان حماس، بأن نهج “المقاومة” هو الذي يقود المعسكر الفلسطيني، وأن حماس يمكنها خلق ربط بين ساحات المواجهة المختلفة ضد إسرائيل.
خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس في الخارج، دعا الى إنشاء “جيش الأقصى”، جيش مشترك للفلسطينيين والأمة الإسلامية. وحسب رأيه، مطلوب بلورة استراتيجية نضال مستمر تؤدي الى إنهاء سيادة إسرائيل في الحرم وفي القدس وبعد ذلك في كل فلسطين. ايضا رئيس حماس في القطاع، يحيى السنوار، قال في خطاب ألقاه في 30 نيسان بأن المعركة لن تنتهي عند انتهاء شهر رمضان. ومدح عرب إسرائيل الذين هبوا للدفاع عن المسجد الأقصى. السنوار قال ايضا بأن حماس مستعدة للنضال الطويل من اجل منع رجال الشرطة الإسرائيلية والمستوطنين من الدخول الى الحرم، وعدم السماح بتقسيم الحرم بين اليهود والمسلمين، ليس بمعنى تقسيم زماني ومكاني. وقد دعا الشعب الفلسطيني للاستعداد للمعركة الكبرى، اذا لم يوقف “الاحتلال” مهاجمة المسجد الأقصى والقدس، عندها ستندلع “حرب دينية إقليمية، التي ستظهر مثل كرة اللهب في الشرق الأوسط، بما في ذلك تدنيس آلاف الكنس في العالم”.
في الأردن يتابعون بقلق ما يحدث في الحرم في أعقاب الخوف من تدهور أعمال الشغب الى حدود المملكة. العائلة المالكة هي القيم الرسمي من قبل العالم الإسلامي على هذا المكان المقدس. منذ إقامة المملكة في الأردن تم وضع المكان تحت مسؤوليتها. واتفاق السلام مع إسرائيل اكد على المكانة الخاصة للأردن في هذا المكان. تتمسك الحكومة الاردنية بالتفاهمات التي تسمى الوضع الراهن في الحرم، الذي هو الحرم الشريف (المكان المقدس بالنسبة للإسلام والثالث من حيث أهميته في العالم الإسلامي)، رغم أنها غير مكتوبة وليس لها أي أهمية قانونية. ايضا الأوقاف الأردنية، مثل جميع التيارات الإسلامية، لا تعترف بسيادة إسرائيل في الحرم. منذ العام 1967 ترسخت تفاهمات ووجدت تسوية مؤقتة، في إطارها منحت إسرائيل الأوقاف الأردنية صلاحية إدارة الصلاة والخطب والمناسبات والحفريات والصيانة والدراسة وقواعد السلوك في المكان. ونص ايضا على أنه غير مسموح لليهود بالصلاة في الحرم ومسموح زيارتهم فقط وزيارة السياح في الأوقات التي تم تحديدها مسبقا مع الأوقاف الأردنية. تم تقسيم مهمة الحماية بين الأوقاف، المسؤولة في منطقة الحرم، وبين الشرطة الإسرائيلية، المسؤولة عن حماية المكان بشكل شامل، وتمت بلورة تفاهمات بأن دخول قوات الشرطة الى المكان يتم فقط في حالة الإخلال بالنظام والمس بحرية العبادة.
على مدار السنوات حدثت تطورات تشكل انعطافة عن الوضع الراهن. الأول، الكثير من الإسرائيليين يقومون بزيارة الحرم ويريدون حتى الصلاة في المكان. هكذا، جماعات وافراد من اليهود يقومون بالصلاة رغم المنع. الثاني، الأوقاف الأردنية، مثل السلطة الفلسطينية، ضعفت جدا وفقدت السيطرة على المكان، وكثير من اللاعبين المتطرفين اقتحموا الفراغ الذي نشأ، وعلى رأسهم الحركة الإسلامية – الجناح الشمالي والشباب في شرقي القدس. ردا على الأحداث الأخيرة حولت إسرائيل لجهات في الإدارة الأميركية وثيقة طلبت فيها إعادة الوضع الراهن حسب الصيغة الأردنية، التي تعني إدارة إسلامية كاملة للحرم بواسطة الأوقاف الأردنية، التي من صلاحياتها اتخاذ قرار من يدخل ومتى يدخل وكم عدد الذين يدخلون الى المكان. إضافة الى منع صلاة اليهود هناك.

الخلاصة والتوصيات
التحريض المتزايد وأعمال الشغب في باحات الحرم في شهر رمضان 2022 حركت عمليات نفذها أفراد وأزواج،  قتل فيها 19 إسرائيليا. الى جانب ذلك نجحت إسرائيل في منع تدهور وتصعيد واسع في القدس وفي الضفة الغربية وفي قطاع غزة ايضا. في السياق الإقليمي، رغم ارتفاع حجم الانتقادات العلنية لإسرائيل، لم يتم شرخ التعاون الاستراتيجي والأمني مع الدول العربية والاهتمام العالمي لم يتم حرفه من الحرب في أوكرانيا الى القدس.
يمكن إحصاء عدد من الإخفاقات في السياسة الإسرائيلية. فعلى المستوى الاستراتيجي أدارت إسرائيل معارك صد واستيعاب تكتيكية دون معرفة أن الأمر يتعلق بمعركة جديدة على السيادة في الحرم ومواجهة مع مخربين ليس لهم انتماء تنظيمي. إضافة الى ذلك، إسرائيل لم تجب ثمنا من حماس التي شجعت أحداث التصعيد. وعلى المستوى التكتيكي هناك ثلاثة إخفاقات – صادقنا على دخول جمهور من الشباب الفلسطينيين وعرب من مواطني إسرائيل رغم وجود دلائل تشير الى نواياهم إحداث أعمال شغب؛ لم تعرض حكومة إسرائيل التسويات التي بلورتها مع الأردن والأوقاف عشية شهر رمضان، التي تم خرقها من قبل المسلمين وبهذا سمحت باتهام إسرائيل بخرق الوضع الراهن ونشأ توتر بين الدول؛ تجنبت الحكومة الإسرائيلية المواجهة مع جهات سياسية وغيرها في إسرائيل، التي تريد تعزيز سيادة إسرائيل في الحرم بواسطة الحج والصلاة الجماعية لليهود في الحرم.
إسرائيل مطلوب منها أن تعيد تنظيم نفسها قبل معركة مستمرة على السيطرة في الحرم، على أساس الإدراك بأن الإمكانية الكامنة للانفجار في هذا المكان الحساس ستزداد في أعقاب كل حادثة، سواء عيد أو ذكرى. في الوقت نفسه، يجب عليها الاستعداد للتداعيات المرتقبة لفرض السيادة والنظام في هذا المكان، تشجيع العمليات الإرهابية وتحدي مكانتها الإقليمية والدولية. مطلوب تقليص نشاطات الجهات التي تقوض الاستقرار، والفصل بينها وتحييدها. في الطرف الإسلامي المشكلة الأساسية هي عدم وجود عنوان مسؤول يمثل معظم الجهات. الأوقاف الأردنية والسلطة الفلسطينية ايضا، التي أبعدتها إسرائيل عن القدس وعن الحرم، ليس لها تأثير وغير قادرة على فرض النظام والهدوء ومواجهة الجهات التي لا تخضع لها مثلما لا تقبل سيادة إسرائيل وهي مستعدة لمواجهة قوات الشرطة بلا خوف.
يجب على إسرائيل العمل بحزم وأن تقيد دخول الجهات التي تضعضع الاستقرار الى الحرم، سواء المسلمون أو اليهود. في الوقت نفسه من المهم المحاولة مرة أخرى تحديث الاتفاقات مع الأردن حول حرية العبادة للمسلمين في الحرم، الى جانب ضمان النظام والاستقرار فيه، استنادا الى الاتفاقات بين الدول ومن اجل الحصول على شرعية للخطوات في المستقبل أيضا. كذلك، يجب عليها أن تفحص مع الاردن دمج السلطة الفلسطينية مع الأوقاف الأردنية، وبذلك ستمنع حماس من تحقيق إنجاز. يجب أن ترتكز التسويات على إحلال الاستقرار والهدوء وحماية المصلين المسلمين في المسجد الأقصى واليهود في حائط المبكى، الى جانب السماح بزيارة اليهود في الحرم في أوقات محددة، مع الالتزام بمنع صلاة اليهود. واذا لم يتم التوصل الى تفاهمات فعالة مع الأردن فيجب على إسرائيل أن تفحص منع مطلق لفترة قصيرة من الوصول الى المكان، سواء للمسلمين أو اليهود.
إزاء حماس، مرة أخرى تبددت التقديرات المتفائلة في إسرائيل بخصوص اعتدالها والقدرة على التوصل الى تفاهمات هادئة معها. حماس تحسن استغلال الفصل بين قطاع غزة، حيث يتم هناك الحفاظ على الهدوء وروتين الحياة، وبين المناطق الأخرى التي تعتبر بالنسبة لها ساحة نضال وتشجع فيها على تصعيد الإرهاب، القدس وداخل إسرائيل والضفة الغربية وجنوب لبنان. يجب على “حماس” دفع ثمن التحريض، وقد حان الوقت لأن تستغل إسرائيل تفوقها التكنولوجي من اجل التشويش على قنوات تأثير وتحريض حماس.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى