أوباما من جائزة سلام إلى شلل تام في السياسة الخارجية! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

أوباما من جائزة سلام إلى شلل تام في السياسة الخارجية!

0 168

Nicholas Kristof – New York Times

قسم الترجمة * الجريدة *  13/6/2012

 لا شك أن منع نظام من قتل شعبه هو عملية غير مضمونة، لكن يبدو أن السياسات الأميركية المطبقة في سورية والسودان تفشل في وقف إراقة الدم، كما أنها تضعنا على الجانب الخاطئ من التاريخ.

عندما يُقدم نظام على افتراس شعبه، كما يحصل في سورية والسودان، يصعب إيجاد أي حلول سهلة، فربما يفسر هذا الواقع تردد الرئيس أوباما لأن العلاقات الدولية تنطوي على مشكلات أكثر من الحلول وقد تؤدي عمليات التدخل المبنية على حسن النوايا إلى نشوء أزمة أسوأ.

لكن يبدو أن الحذر الذي يُظهره الرئيس هو أقرب إلى الشلل والجمود، وأنا شخصياً من المعجبين بسياسة أوباما الخارجية، لكن تبدو سياساته تجاه سورية والسودان ضعيفة وغير فاعلة وهي تتعارض مع المصالح والقيم الأميركية. بدا أوباما مرتاحاً وهو ينشر نفوذه، كما حصل حين زاد عدد القوات الأميركية بثلاثة أضعاف في أفغانستان، لكننا أصبحنا اليوم أمام رئيس حاصل على جائزة نوبل للسلام مع أنه يساعد فعلياً على حماية اثنين من أفظع الأنظمة في العالم.

قد يكون هذا الحكم قاسياً بعض الشيء، لكن بعد أيام على رؤية الناس يتعرضون للقصف ويموتون من الجوع في جبال النوبة، لم أشعر بالإحراج من جمود حكومتي فحسب بل شعرتُ باستياء عارم منها.

بدأ نظام الرئيس عمر حسن البشير يرمي القنابل المضادة للأفراد على البلدات الزراعية، فمنذ سنة، حاصر البشير هذه المنطقة في محاولة لسحق قوات الثوار، فأعاق مرور شحنات الغذاء والمساعدات العاجلة، ما يعني أن مئات آلاف المواطنين النوبيين العاديين يقتاتون الآن من ورق الأشجار والجذور والحشرات.

ماذا عساني أقول لأمل طيا التي خسرت حديثاً ابنتها كوشي بسبب الجوع وهي تخشى الآن أن تموت من الجوع أيضاً مع أطفالها الأربعة المتبقين؟ أخبرتني بكل أسى: “نحن سنموت بكل بساطة إذا لم يصل إلينا الغذاء”.

هل كان ينبغي أن أخبرها بأن توقيت مأساة جبال النوبة غير مناسب وأن البيت الأبيض منشغل جداً باستقرار السودان ما يمنعه من رفع الصوت؟ أم أن السودان غير مهم على المستوى الجيوسياسي، وبالتالي لا أهمية لأطفاله الجائعين؟!

أكثر ما أثر بي كان رؤية الفتاة إسراء جبرائيل (6 أعوام) وهي تطعم أوراقاً من غصن شجرة بكل حنان لشقيقتها الصغرى الجائعة ندى التي تبلغ سنتين. نظرت إسراء إلى الأوراق وكانت تبدو عليها معالم الجوع وقد تناولت بعضاً منها من وقت لآخر، لكنها وضعت معظم الأوراق في فم شقيقتها الضعيفة. كانت الطفلتان حافيتي القدمين وترتديان خرقاً بالية وكان شعرهما بدأ يميل إلى اللون البني بسبب سوء التغذية.

أخبرتني والدتهما، أمل كوا، بأن عائلتها لم تتناول طعاماً عادياً منذ أن هاجم الجيش السوداني بلدتهم قبل خمسة أشهر. بحسب قولها، أقامت عائلتها منذ ذلك الحين في الكهوف وهي تقتات من ورق الشجر.

مع ذلك، أجرى مبعوث إدارة أوباما الخاص إلى السودان وجنوب السودان، برينستون ليمان (وهو عموماً دبلوماسي ذكي ومجتهد)، مقابلة صحفية في شهر ديسمبر وقال: “نحن لا نريد أن يسقط النظام أو أن يتغير”. هل يعني ذلك فعلاً؟! هذا النظام هو برئاسة زعيم اتُّهم بارتكاب إبادة جماعية، وقد عمل ذلك النظام على زعزعة استقرار المنطقة ودعم المقاتلين المتوحشين مثل جوزيف كوني، وشهد هذا العهد مقتل أكثر من 2.5 مليون شخص في جنوب السودان وفي دارفور وفي جبال النوبة. ومع ذلك لا تريد إدارة أوباما الإطاحة به؟!

على صعيد آخر، لطالما حاولت الإدارة ضبط قوة الثوار هناك، بقيادة عبدالعزيز الحلو، وهو قائد ناجح عاش في الولايات المتحدة وينادي بالاعتدال. يحاول الثوار الاستيلاء على عاصمة جنوب كردفان، كادوقلي، ولكنهم يعتبرون أن واشنطن تحبط عزيمتهم. في مقابلة أجراها عبدالعزيز من مخبئه في الجبل، ذكر أن قواته حققت انتصارات متكررة على السودان في الفترة الأخيرة.

أوضح قائلاً: “إن جيشهم ضعيف جداً ولا حافز لديهم للقتال”. بدا مصدوماً لأن المسؤولين الأميركيين يحاولون حماية نظام ارتكب إبادة جماعية وهو يظن أن جيش ذلك النظام بدأ يتفكك.

بالطريقة نفسها، لم تكتفِ الولايات المتحدة برفض تسليح المعارضة في سورية، بل إنها منعت دولاً أخرى من القيام بذلك، فثمة منطق وراء هذا السلوك طبعاً: تشمل المعارضة السورية عناصر متطرفة ويبدو أن العنف أصبح جزءاً من صراع طائفي إقليمي. لكنّ الفشل في تسليح المعارضة يسمح بإطالة مدة الصراع ويعطي الرئيس السوري بشار الأسد فرصة ذبح عدد إضافي من الناس. نتيجةً لذلك، قد تمتد أعمال العنف إلى لبنان وقد تؤدي السموم الطائفية إلى تصعيب مهمة حكم سورية.

في سورية والسودان معاً، يبدو أن إدارة أوباما وقعت في مستنقع شائك.

ما العمل لمعالجة الوضع؟ في سورية، يجب أن ندرك أن حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط سيعمدون إلى تسليح المعارضة السورية ما لم تعمل قوى الأمن على إسقاط الأسد خلال الشهر المقبل. يجب أن نتعاون مع هؤلاء الحلفاء ومع القوى النافذة الأخرى مثل روسيا والصين للتشجيع على تنفيذ انقلاب أو “إقالة” الأسد.

في السودان، يجب تعطيل المدارج العسكرية التي تنطلق منها القاذفات لاستهداف المدنيين في جبال النوبة أو يجب تدمير قاذفة “أنتونوف” مع التهديد بتدمير المعدات الأخرى إذا تابعت السودان قصف شعبها. ثم يجب أن ندعم الجهود التي تبذلها جماعات الإغاثة الخاصة لتوفير الغذاء والبذور إلى جبال النوبة من خلال الإنزال الجوي خلال الموسم الممطر حين تصبح الطرقات غير سالكة.

تساعد الولايات المتحدة وقوى أخرى في دفع تكاليف مخيم ييدا للاجئين في جنوب السودان. لكن عند توقف عمليات القصف، سيتمكن النوبيون من استئناف نشاطات الزراعة وإعالة أنفسهم ولن يحتاجوا إلى أي مخيم للاجئين.

في صحيفة “واشنطن بوست”، أكد أندرو ناتسيوس، مبعوث الأمم المتحدة السابق إلى السودان، ضرورة منح جنوب السودان إمكانات متواضعة لاعتراض الطائرات، وذلك لمنع السودان من تصعيد حربه الجوية ضد جنوب السودان.

قد تنجح هذه التدابير وقد لا تنجح. لا شك أن منع نظام من قتل شعبه هو عملية غير مضمونة، لكن يبدو أن السياسات الأميركية المطبقة في سورية والسودان تفشل في وقف إراقة الدم، كما أنها تضعنا على الجانب الخاطئ من التاريخ.

كان أوباما صارماً حين طالب الرئيس جورج بوش الإبن بدعم السودان خلال المجازر في دارفور، لذا من المؤلم أن نراه الآن وهو لا يحرك ساكناً في ملف السودان. عندما تقرر الأنظمة اللجوء إلى القتل الجماعي، فقد لا نجد أي حلول سهلة لكن يجب أن نعلن على الأقل الفريق الذي ندعمه بكل وضوح. هذا المطلب ليس صعباً بالنسبة إلى رجل حاصل على جائزة نوبل للسلام!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.