أهو اختبار تجريبي لحرب شرق أوسطية؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

أهو اختبار تجريبي لحرب شرق أوسطية؟

0 132


Pat Buchanan – American Conservative

الجريدة * قسم الترجمة * 21/6/2012

كشفت الحرب الأهلية الإسبانية عن عجز عصبة الأمم، ويكشف الصراع السوري اليوم عن شلل الأمم المتحدة لأن بعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن (مثل روسيا) ترفض السماح بتنفيذ تدخل كما حدث في ليبيا.

قال مارك توين: “التاريخ لا يعيد نفسه ولكن أحداثه قد تتشابه”.

عند النظر إلى مسار الانتفاضة والأعمال الوحشية في سورية وتدخل القوى المتنافسة في الصراع، فلا مفر من تذكر التجربة الكبرى التي مهدت لاندلاع الحرب العالمية الثانية: الحرب الأهلية الإسبانية.

بدأت الحرب في عام 1936 بانتفاضة القوميين الإسبان في المغرب ضد نظام مدريد الذي اعتُبر مناهضاً للكاثوليكية وماركسياً وتروتسكياً. كان فلاديمير لينين قد توقع أن تكون إسبانيا ثاني جمهورية سوفياتية في أوروبا.

دامت الحرب ثلاث سنوات وقد وفر جوزيف ستالين خلالها المساعدات للنظام، وأرسل بينيتو موسوليني القوات العسكرية للقتال إلى جانب الجنرال فرانسيسكو فرانكو بينما أرسل أدولف هتلر “فيلق كوندور” الخاص به. اعتُبر قصف غورينيكا من جانب الفيلق أعظم جريمة حرب في ذلك الصراع، وقد خُلّدت تلك الذكرى في لوحة بيكاسو الشهيرة التي تحمل اسم “غورينيكا” أيضاً.

مع ذلك، كانت أحداث غورينيكا أشبه بلعبة أطفال مقارنةً بما حصل لاحقاً في بليتز وبرلين ودريسدن وطوكيو وناغازاكي وهيروشيما. ألغت محكمة نورمبيرغ عن وجه حق قضية القصف الإرهابي للمدن، إذ كان يمكن أن يُحاكَم النازيون ويُشنقوا بسببها لو اعتُبرت جريمة حرب.

مثلما ترفض الولايات المتحدة التدخل في سورية اليوم، أعلن فرانكلين روزفلت موقفاً حيادياً في بداية الحرب الأهلية الإسبانية ومنع بيع الأسلحة إلى أي طرف من الصراع.

عام 1936، عند اندلاع الحرب الإسبانية، تحدث فرانكلين روزفلت باسم شعبه قائلاً: “نحن نرفض أي التزامات يمكن أن تغرقنا في حروب خارجية. نحن نتجنب أي ارتباط بالنشاطات السياسية في عصبة الأمم… نحن لسنا انعزاليين بأي شكل ولكننا نسعى إلى عزل أنفسنا عن الحرب”. فوافقت الولايات المتحدة على ذلك الخطاب بالكامل.

اليوم، يبدو أن مآسي حربي العراق وأفغانستان هي التي تفسر ترددنا. بسبب سقوط 116 ألف قتيل أميركي في أماكن مثل أرغون وبيلو وود (ما أنتج سلاماً قاسياً في فرساي ومهّد الطريق أمام هتلر)، كان طعم النصر مراً بالفعل.

ذهبت كتيبتان من المتطوعين الأميركيين إلى إسبانيا للمحاربة إلى جانب النظام. عام 1947، وُضع المحاربون المخضرمون التابعون لـ”كتيبة أبراهام لينكولن” على قائمة المنظمات التخريبية التي طرحها النائب العام.

في إسبانيا، كان الصراع إيديولوجياً ودينياً، فحارب القوميون والكاثوليك ضد الاشتراكيين والشيوعيين والمتشددين.

في سورية أيضاً يبدو الصراع دينياً، إذ يحارب النظام العلوي بقيادة بشار الأسد انتفاضة محورها “الإخوان المسلمون” السُّنة.

مثلما شملت أوروبا في عام 1936 أنظمة ديمقراطية ودكتاتورية تابعة للحركة اليمينية الفاشية والاستبدادية وحركة يسارية ستالينية، يشمل الشرق الأوسط اليوم أنظمة ديمقراطية وملكية ودكتاتورية.

مثلما قاتل الكتالونيون والباسيك في سبيل قضاياهم الخاصة في إسبانيا، يقاتل الأكراد والدروز وعناصر “القاعدة” اليوم في سورية لتحقيق أجنداتهم المتناقضة.

بقيت الولايات المتحدة وبريطانيا خارج الحرب الأهلية الإسبانية حينها، ويبقى البلدان اليوم بعيدين عن الصراع السوري أيضاً.

كشفت الحرب الأهلية الإسبانية عن عجز عصبة الأمم، ويكشف الصراع السوري اليوم عن شلل الأمم المتحدة لأن بعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن (مثل روسيا) ترفض السماح بتنفيذ تدخل كما حدث في ليبيا.

في السابق حظيت الجمهورية الإسبانية بدعم أخلاقي ومادي من موسكو، وها هي موسكو ترسل اليوم المروحيات الهجومية إلى دمشق، بينما توفر تركيا ملجأً للمقاومة وتقدم لها المملكة العربية السعودية وقطر الأسلحة.

تعتبر روسيا وإيران أن سورية الأسد هي آخر أمل لهما كونها دولة حليفة موثوقة، فمن المعروف أن الموانئ السورية في المتوسط مفتوحة أمام سلاح البحرية التابع لفلاديمير بوتين. كما أن ترسانة بوتين العسكرية والصناعية لطالما باعت الأسلحة إلى عائلة الأسد كي تخوض حروبها وتسحق المتمردين.

إذا انهار نظام الأسد ووصل “الإخوان المسلمون” إلى السلطة، فستخرج روسيا من الشرق الأوسط وستصبح إيران شبه معزولة. لو أننا لم نُسقط نظام صدام حسين السنّي ونوصل الأغلبية الشيعية إلى السلطة في بغداد، لكانت إيران من دون سورية ستفقد حليفة كبرى في المنطقة.

يتعلق أول خطر في الصراع السوري بواقع أنه قد يتحول إلى حرب أهلية لن تقتصر على مقتل 10 آلاف شخص بل إنها ستؤدي إلى هلاك آلاف آخرين.

يتعلق الخطر الثاني بواقع أن سورية تضم السنّة والشيعة والدروز والأكراد والعرب والمسيحيين (هذا البلد هو مرآة للشرق الأوسط)، وقد تتحول الحرب الأهلية السورية إلى حرب بالوكالة تشمل الجميع في المنطقة بدءاً من لبنان.

ثالثاً، بما أن سورية متحالفة مع إيران في صراعها ضد إسرائيل ومع روسيا على الساحة العالمية، قد تعتبر القوى العظمى أنها تملك كلمة الفصل لتحديد طريقة إنهاء هذه الحرب وقد تقرر التدخل، على طريقتها الخاصة، لضمان التوصل إلى نتيجة إيجابية.

انتهت الحرب الأهلية الإسبانية بانتصار فرانكو في عام 1939 وقد انتهى الصراع بنتيجة إيجابية أيضاً بالنسبة إلى الأنظمة الديمقراطية الغربية التي لم تتدخل.

بعد احتلال فرنسا في عام 1940، عندما تقابل هتلر مع فرانكو لطلب الإذن كي يعبر الجيش الألماني إسبانيا لمهاجمة جبل طارق، رفض فرانكو طلبه ونشر القوات في جبال البيرينيه لتفعيل قراره.

على عكس موسوليني، لم يشارك فرانكو في الحرب العالمية وأعاد الطيارين الأميركيين الذين قدموا إلى إسبانيا ووافق على عقد تحالف مع الولايات المتحدة بعد الحرب.

لقد نجح خيار عدم التدخل في الحرب الأهلية الإسبانية على أكمل وجه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.