أقلام وأراء

أنطوان شلحت: ذكرى النكبة ووهج شرارتها الذي لا يخبو

قليلة هي الأصوات الإسرائيلية التي اعترفت بأن نكبة 1948 كانت السبب الوحيد لما يُعرف بـ”قضية الأقلية العربية في إسرائيل”، وذلك في مناسبة إحياء ذكراها الـ74 التي صادفت يوم 15 أيار الحالي. وظلّت الغلبة من نصيب أصوات خلُصت إلى نتيجة مسبقة الأدلجة، فحواها أن إحياء النكبة يشكل أبلغ تعبير عن التمسك بالماضي وعدم الاستعداد لمماشاة الحاضر من خلال نسيان ما كان والتطلع من ثمّ إلى ما سوف يكون.

ومن الملفت أن بعض هذه الأصوات، بمن في ذلك تلك المحسوبة على اليمين الإسرائيلي الجديد، ذهبت إلى الاستنتاج بأن مشاركة حزب عربي (إسلامي) في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي (الواقف وراء حكومة بينيت- لبيد)، لأول مرة في تاريخ الأحزاب العربية التي لا تدور في فلك الأحزاب الصهيونية، يعتبر دليلاً واعداً على اصطفاف مأمول وسط صفوف الفلسطينيين في إسرائيل، بين فريق يؤثر التمسك بالماضي انطلاقاً مما حدث في إبان النكبة في الأقل، وبين فريق آخر حسم أمره بأن يتعامل مع الحاضر، ويدير ظهره إلى الماضي المرتسم تحت وطأة النكبة. وبرز بين هذه الأصوات المحلل السياسي لقناة التلفزة الإسرائيلية 12، عميت سيغل، وهو أحد الضاربين بسيف بنيامين نتنياهو وتيار اليمين الجديد، في سياق مقاله الأسبوعي الذي ظهر في صحيفة “يديعوت أحرونوت” يوم الجمعة الماضي.

وإذ نشير إلى هذا الجدال الدائر بين الإسرائيليين، فليس لكي نحكم على صوابه أو على عدم دقته، إنما لتوضيح جانب من جوانب التفكير الإسرائيلي في ما يتعلق بالنكبة في يوم ذكراها، وهو الجانب الذي يشي بهروب أصحابه إلى الأمام من مستحقاتها عموماً، وخصوصاً في ما يرتبط بما يعرف بعلاقات الأكثرية اليهودية والأقلية الفلسطينية داخل أراضي 1948.

يتجاهل أصحاب هذا التفكير أن الفلسطينيين أينما كانوا ليسوا في حاجة إلى أي مُسبّب في الظاهر كي يسترجعوا نكبتهم، فهي كما قيل ويقال مراراً وتكراراً مستمرة في الحاضر، سواء من خلال المواجهة التي يخوضونها مع إسرائيل، أو من خلال المواقف التي تستجد بين الفينة والأخرى، إن كان من طرف جهات عربية أو دولية. وجولة الكفاح الحالية التي يخوضها الفلسطينيون، وكذلك الجولة السابقة التي بدأت من القدس وسرعان ما شملت سائر مناطق فلسطين ولا سيما أراضي 1948، ربما جاءتا بالصدفة متزامنتين مع ذكرى النكبة الفلسطينية، ولكن لا يمكن بحال من الأحوال عدم رؤية أن السبب الواقف وراءهما يعود إلى تلك النكبة وتداعياتها المستمرة، التي ليس من المبالغة القول إنها بمنزلة الشرارة المتوهجة التي لا تخبو لأي جولة كفاح فلسطينية، بما في ذلك الراهنة والسابقة والمقبلة، كما كانت الحال حتى الآن.

عند هذا الحدّ، ربما ينبغي أن ننوه بأن الناطقين بلسان اليمين الإسرائيلي الجديد يحاولون أن يدمغوا معارضيهم، من أوساط الإسرائيليين، ولا سيما في ما يخص قضية النكبة، بشبهتين: الأولى، أنهم “يساريون”؛ الثانية، أنهم مصابون بقدر كبير من “كراهية الذات”، يصل إلى درجة عقدة نفسيّة يوصم بها كل المُعادين للسامية في أنحاء العالم. ويمكن الاستدلال على ذلك من قراءة سيل المقالات التي يكتبها صحافيو البلاط اليمينيون أو الناطقون باسم اليمين في شتى وسائل الإعلام في دولة الاحتلال، والتي تنشدُ غاية واحدة وحيدة: تحويل هؤلاء المناهضين إلى زمرة من اليساريين الكارهين لإسرائيل، الخونة، المندسين، غير الجديرين بأي شرعية في أوساط الرأي العام. وسبق لأحد هؤلاء أن كتب: إن ظاهرة كراهية الذات قائمة في إسرائيل، وتضم مجموعة محدّدة من الأكاديميين والإعلاميين والأدباء المعدودين على اليسار المتطرف والدوغمائي، وهي تشنّ حملة كراهية وتحريض منفلتة العقال ضد الدولة وحكومتها. وهي تسعى وتحلم بإحداث انقلاب لـ”تغيير الحُكم” على نمط طريقة تحرير شعبية إسرائيلية، وفرض سلطة اليسار المتطرف على الدولة. هذه المجموعة، التي ترى نفسها نخبة أرستقراطية، تحظى بغلاف داعم في وسائل الإعلام التي تمنحها منصة لإسماع انتقادات لا حصر لها حيال الناطقين والمنتخبين في المؤسسات الحكومية والأمنية الذين يشكلون موضع كراهيتهم. ويستحوذ على هذه المجموعة بشكل مَرَضيّ شامل هدف “أيديولوجيّ” واحد ووحيد هو إسقاط حكم اليمين بحجة الدفاع عن قيم سامية مثل السلام والديمقراطية. وبغية تحقيق هذا الهدف فهي مستعدة للتضحية بأي مصلحة قومية وأسرار أمنيّة، وأغلب أفرادها ينتمون إلى ما يسمى “معسكر السلام”.

وفي مقالات أخرى نقرأ أيضاً، كما ذكرنا في مناسبات سابقة، أن هذه المجموعة موبوءة بكراهية الذات، وهي ظاهرة معروفة في التاريخ اليهودي منذ أجيال عديدة، وحوّلت الكثيرين من اليهود إلى معادين للسامية. ويشير البعض إلى ثلاثة مراجع يهودية أرست “مؤشرات” تلك الظاهرة: الأول، كتاب “كراهية الذات اليهودية” لثيودور ليسينغ؛ الثاني، كتاب “التحرّر التلقائي” ليهودا ليف بينسكر؛ الثالث، الزعيم الصهيوني “اليساري” بيرل كتسنلسون الذي اعتبرها بمثابة تشويه عقلي ونفسيّ. وتفاقم التلويح بهذه الشبهة في إثر ظهور بوادر ما يُعرف بـ”خطاب السلام الإسرائيلي” وتحديداً لدى ارتباطه بتنفيذ انسحاب من أراضٍ فلسطينية وعربية محتلة. فمثلاً، في آخر انسحاب كهذا، خلال تنفيذ “خطة الانفصال” عن قطاع غزة (2005)، وصف عضو الكنيست السابق آرييه إلداد (طبيب جرّاح تجميليّ) معارضي منح عفو عام للمحتجين على الخطة المذكورة بأنهم يعانون من كراهية للذات تصل إلى حدّ المرض النفسيّ القاسي الذي لا شفاء منه بتاتاً قبل اللحد. كذلك يجب أن نشير إلى أن إحدى أبرز المنصّات السابقة لليمين الإسرائيلي، وهي مجلة “ناتيف” (مسار)، التي كانت تصدر عن “مركز أريئيل لدراسة السياسات” في مستوطنة “أريئيل” بالقرب من نابلس، قبل أن يتحوّل هذا المركز إلى أول جامعة إسرائيلية في الأراضي المحتلة منذ 1967، حرصت خلال أعوام صدور المجلة العشرين (1988-2008) على تخصيص زاوية في كثير من الأعداد عنوانها “كراهية الذات”، نُشرت فيها مقالات تؤطر اليهود الذين يمكن أن تنطبق عليهم هذه الشبهة.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى