أنطـوان شلحـت يكتب - جذور الكهانيّة عميقةٌ في المجتمع الإسرائيلي - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

أنطـوان شلحـت يكتب – جذور الكهانيّة عميقةٌ في المجتمع الإسرائيلي

0 51

أنطـوان شلحـت *- 15/2/2021

ثارت في إسرائيل، أخيراً، ضجة حيال قيام حزب الليكود بتوقيع اتفاقية فائض أصوات مع قائمة الصهيونية الدينية بزعامة عضو الكنيست بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. وهذا الأخير من أتباع الحاخام مئير كهانا.

وكهانا هو مؤسس رابطة الدفاع اليهودية، وعصابة “كاخ” الفاشية، المحظورة بحسب القانون الإسرائيلي. شغل منصب عضو كنيست في الكنيست الحادي عشر، وفي العام 1988 تم شطب قائمته الانتخابية، ومنعها من خوض الانتخابات الإسرائيلية العامة، بشبهة أنها عنصرية. وبعد عامين، لقي مصرعه مقتولاً بعد انتهائه من إلقاء خطاب في نيويورك.

تمثلت حجة الذين أقاموا تلك الضجة بأن هذه الاتفاقية تساهم في “شرعنة الكهانيّة”. وفي غمرة ذلك زعم هؤلاء أن حظر عصابة كهانا المذكورة تسبّب بتكريس نظرة عامة إلى العنصريـة بصفتها أمراً استثنائياً وشاذّاً في المجتمع الإسرائيلي.

من السهولة بمكان دحض هذه المزاعم كلها، من دون تسخيف دوافع الواقفين وراء تلك الضجة. ولغرض دحضٍ كهذا، نشير بداية إلى أنه، بعد 12 عاماً من حظر تلك العصابة، وبالتزامن مع انتفاضة القدس والأقصى العام 2000 التي شارك فيها الفلسطينيون في الداخل، جرى تعليق لافتاتٍ في شوارع كبرى المدن الإسرائيلية، كُتب عليها “كهانا على حق”!

وفي حزيران 2001، بعد ساعات قليلة من إحدى العمليات الاستشهادية الفلسطينية في قلب مدينة تل أبيب (“عملية الدولفيناريوم”)، تجمهر شبان يهود كانوا يرتدون البزّات الصفراء، وعليها شارة عصابة “كاخ”، بالقرب من مسجد حسن بك في مدينة يافا، الذي أقيمت فيه مراسم الصلاة، وبدأوا بإلقاء الحجارة نحو جموع المصلين، وترداد هتافات “الموت للعرب”. وفي ذلك الحين، خلصت إحدى الدراسات الإسرائيلية التي تناولت هذه المظاهر، ونُشرت في أيار 2002، إلى استنتاج فحواه أن جذور العنصرية الكهانيّة عميقةٌ في المجتمع الإسرائيلي.

رأت الدراسة نفسها أيضاً، وهي لأحد أساتذة العلوم السياسية في جامعة حيفا (ع. بداتسور)، أن ما أسمته بـ”التطرّف اليمينيّ” ليس مسألةً شاذّة في ممارسة المجتمع والساسة في دولة الاحتلال. وعملياً قبل العام 1948، نشطت في فلسطين تياراتٌ قومويةٌ كان في مقدمها التيّـار التنقيحي (بزعامة زئيف جابوتنسكي)، وتأثرت أجزاء منها بفكر الفاشية الأوروبية. غير أنه في الأعوام بين 1948 و1967، ظلت هذه التيارات في صفوف المعارضة (وأساساً ضمن حركة حيروت)، إلى أن وقع احتلال 1967 الذي أعاد تمهيد الأرضية لـ”اشتداد عودها”، وتقدّمها إلى مركز الصدارة، وكذلك لظهور مزيدٍ منها على غرار أحزاب “هتحيا” و”تسومت” و”موليدت” المنحلّة، وأيضاً عصابة “كاخ”.

وسبق أن أشرنا مرات كثيرة إلى أن الأمر الأهم في هذه الدراسة، التي استندت من ضمن أمور أخرى إلى استطلاع للرأي العام، أنها وجدت نسب تأييد للأفكار المتوحشة التي كانت تلك العصابة تدفع قدماً بها (منها تشجيع تهجير فلسطينيي 48، وشرعنة شنّ هجوم عليهم بعد وقوع عمليات مقاومة)، في صفوف ناخبي جميع الأحزاب اليهودية، بما في ذلك التي تؤطر نفسها ضمن خانة الوسط أو خانة “اليسار”، مثل حزب ميرتس!

بموجب الدراسة نفسها، تقوم الكهانيّة على أربعة أسس: العنصرية، والتطرّف القومي الذي يتجسّد بشهوة التوسع الإقليمي، ومعاداة الديمقراطية، وتبرير استعمال العنف. أفليست هذه الأسس هي نفسها التي تقوم عليها إسرائيل، وتسعى إلى ترسيخها أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة؟

وبخصوص العنصرية، ما زالت تتردّد إلى الآن أصداء ملاحظة الباحث شلومو ساند (ضمن كتابه “كيف لم أعد يهودياً؟”، الصادر عن منشورات مدار قبل عدة أعوام) والتي لفت فيها إلى أن العنصرية موجودة تقريباً في كل مكان من العالم، غير أنها في إسرائيل غدت بنيويةً أساساً بروح القوانين التي جرى ويجري سنّها من طرف السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهي تُدرّس في جهاز التربية والتعليم، ومنتشرة في وسائل الإعلام، والمروّع أكثر من أي شيء، برأيه، أن العنصريين فيها لا يعرفون أنهم كذلك، ولا يشعرون أبداً بوجوب الاعتذار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.