أنس إبراهيم يكتب بين الإنكار والتدخّل الوقائيّ : واقع المرض النفسيّ في الجيش الإسرائيليّ! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

أنس إبراهيم يكتب بين الإنكار والتدخّل الوقائيّ : واقع المرض النفسيّ في الجيش الإسرائيليّ!

0 54

أنس إبراهيم *- 19/4/2021

في الثّاني عشر من نيسان الجاري أضرم جنديّ احتياط إسرائيليّ (26 عاماً) النّار في نفسه أمام قسم التأهيل التابع لوزارة الدفاع في بيتح تكفا؛ وبحسب القناة الإسرائيليّة، فالجنديُّ يُدعى إسحق صعيديان، وكان قد وصل إلى قسم التأهيل يحملُ زجاجتين تحتويان على مادّة قابلة للاشتعال ثمّ سكبها على نفسه. وكان الجنديّ قد تعرّض لصدمة نفسيّة قويّة خلال مشاركته في الحرب الإسرائيليّة على قطاع غزّة العام 2014، بعد عمليّة للمقاومة الفلسطينيّة في حيّ الشجاعيّة. وذكر أصدقاء الجنديّ وكذلك رئيس اتّحاد ذوي الإعاقة الإسرائيليّ أنّ الجنديّ لم يكن يتلقّى حتّى اللحظة العلاج النفسيّ الذي يتناسب ووضعه الصحّيّ من قبل قسم التأهيل، إذ لم يتلقّ غير 25% من فوائد الإعاقة النّاتجة عن المشاركة في عملٍ عسكريّ.

وقد تبعت الحادثة تصريحاتٍ من وزير الدفاع بيني غانتس، وكذلك رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، إضافة إلى الرئيس الإسرائيلي؛ وكلّها تُطالِبُ وتَعِدُ بالتحقيق في الحيثيّات والظّروف التي دفعت بجنديّ الاحتياط السّابق إلى إحراق نفسه أمام وزارة الدفاع والذي كان قد تمّ تشخيصه باضطراب الكرب التالي للرضح.

بحسَب جمعيّة العلاج الأميركيّة النفسيّة، يُعرّفُ اضطّراب الكرب التّالي للرضح (PTSD: Post-Traumatic Stress Disorder)، على أنّه متلازمة نفسيّة تحدُثُ للأشخاص الذين يعيشون أو يشهَدون أحداثاً صادمة مثل الكوارث الطبيعيّة، أو الحوادث الخطرة، أو الأعمال الإرهابيّة، أو الانخراط في عملٍ عسكريّ، أو التعرّضُ للاغتصاب أو التهديد بالموت. وتظهرُ المتلازمة على شكلِ استرجاعٍ قهريّ لذكرياتٍ صادمة للأحداث التي شُوهِدَت أو الأحداث التي ارتُكِبَت، أو على شكل كوابيس، أو نوبات قلق وذعر مُفاجئة (1).

بينما يُفسّر المركز الوطنيّ الإسرائيليّ للصدمة وضحايا الحرب والإرهاب (Natal)، اضطّراب الكرب التّالي للرضح، على أنّه “عند التعرّض لحدثٍ صادم، يمتلئ النّظام النفسيّ/ العاطفيّ بمحفّزاتٍ أكثرَ ممّا يستطيعُ التّعامل معه، وتظلّ تلك المحفّزات في النّظام بشكلها الخام، غيرُ مُعالجة وأحياناً تعودُ وتشقُّ طريقها غصباً إلى الواقع في شكلها الأصليّ. نتيجة لعودتها يعيشُ الشّخصُ الأحداث الصّادمة في شكليها العاطفيّ والجسمانيّ مرّة أخرى كما لو أنّها تحدُثُ هنا والآن. كلّ الصّور، الرّوائح، الصّخب والذّكريات التي شكّلت جزءاً من التّجربة الصّادمة تعودُ لتطغى على وجود الشّخص الذي يشعرُ كما لو أنّه يتعرّضُ لاعتداءٍ مفاجئ. وبما أنّ هذه التّجربة القهريّة غير المُسيطر عليها هي في حدّ ذاتها تُشكِّل تجربة صادمة، يلجأ الضّحايا إلى بذل كلّ جهدهم لتجنّب أيّ شيء يمكنهُ تذكيرهم بالأحداث الصّادمة، خالِقين بذلك دائرة مُغلقة من التجنّب والمُراوغة؛ وتلك الدّائرة هي صُلبِ ما يُدعى باضطّراب الكرب التّالي للرضح (PTSD)” (2).

تُظهِر الأرقام الصّادرة عن قسم الصحّة النفسيّة في الجيش الإسرائيليّ أنّ نسبة الجنود الذين يطوّرون متلازمة اضطراب الكرب التّالي للرضح في الجيش الإسرائيليّ هي من بين أكثر النّسب انخفاضاً عالميّاً؛ فعلى الأقلّ هناك جنديّ واحد من بين 12 يُظهرُ أعراض المُتلازمة. فمثلاً، تمّ تشخيص 1.5% فقط من الجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في الحرب الإسرائيلية على لُبنان العام 2006. وقام 3% من الجنود الذين شاركوا في الحرب بطلب مساعدة نفسيّة لكنْ لم يتمّ تشخيصهم بالمتلازمة (3).

لكنّ حادثة إحراق الجنديّ إسحق لنفسه، إضافة إلى تقارير صحافيّة سابقة، تُظهِرُ إشكاليّات بُنيويّة خلفَ هذه الأرقام الرّسميّة التي يُصدرها الجيش الإسرائيليّ والتي تظهرُ على أنّها أقربُ لأن تكون جزءاً من بروباغندا “الجيش الذي لا يٌقهر”، نفسيّاً مثلما عسكريّاً. فقد صرّح عدد من أصدقاء الجنديّ إسحق لقناة “كان” أنّ هناك العديد من حالات الانتحار والاكتئاب الشّديد بين الجنود الإسرائيليين الذين انتهوا من أداء خدمتهم العسكريّة؛ بعضهُم لم يتمّ الاعتراف بهم أصلاً كمرضى نتيجة لخدمتهم العسكريّة، وبعضهُم الآخر تمّ تشخصيهم بأنّهم كانوا يعانون من هذه المتلازمة قبل بدء خدمتهم العسكريّة مثل الجنديّ الذي أحرق نفسه.

ففي تقرير أعدّته صحيفة “الغارديان” البريطانيّة، يتّهمُ عدد من الجنود السّابقين في الجيش الإسرائيليّ الحكومة الإسرائيليّة بـ”التخلّي عنهم” بعد “أدائهم واجبهم الوطنيّ”، تجاه دولة إسرائيل.

“أطلقتُ النّار على شخصٍ لأوّل مرة في حياتي قبل بلوغي 19 عاماً، وهناك من ماتوا بين ذراعيّ”، يقولُ أور إيلون (24 عاماً)، الجنديّ السابق في الجيش الإسرائيليّ، والذي تمّ تشخصيه بمتلازمة (PTSD)، بعد ثلاث سنواتٍ على تسريحه من خدمته العسكريّة قبل انتهائها ببضعة شهورٍ بسبب تدهور حالته النفسيّة أثناء أدائه خدمته العسكريّة. “بدأت أصبحُ مجنوناً، كنت أحرق الأشياء، أضرب أمّي، أصحو وأنا أتبوّل في فراشي، أرى صوراً، أشمّ أشياء، أتذوّق أشياء، كان الأمر مرعباً”. لكنّ إيلون لم يتمكّن من الحصول على اعترافٍ رسميّ من قبل وزارة الدفاع الإسرائيليّة بحالته الصحّية إلّا بعد ثلاث سنواتٍ. وتلك خطوة ضروريّة لتمكينه من الحصول على الرّعاية الصحّية المجّانية والملائمة لوضعه النفسيّ: “إنّهم يريدونك أن تستسلم، يجعلونك تخوض الكثير من الأشياء في سبيل الحصول على ذلك الاعتراف”. إضافة إلى إيلون، هناك بين غور (39 عاماً)، والذي تطوّرت لديه متلازمة الـ (PTSD) بعدما قتلَ رجلاً فلسطينياً وكان عليه الضّغطُ على الحكومة الإسرائيليّة وقسم الصحّة في وزارة الدفاع لسنواتٍ قبل حصوله على اعترافٍ رسميّ بوضعه النفسيّ. “لقد شخّصني المعالج النفسيّ بالـPTSD وأنا في الجيش، ولكنّ الأمر تطلّب ثماني سنوات لإثبات تلك الحالة الصحّية، وقد حاولوا الإفلات من مسؤوليّتهم، وكانوا يقولون لك: ماذا يعني أنّك قتلت شخصاً؟ هذا ما درّبناك لتفعله” (4).

“هذا ما درّبناك لتفعله”!

يظهرُ بوضوحٍ من حادثة إحراق الجنديّ لنفسه وكذلك شهادات الجنود الإسرائيليين السّابقين، أنّ الأرقام الصّادرة عن الجيش الإسرائيليّ بخصوص مدى انتشار متلازمة الـ (PTSD)، هي أرقام إحصائيّة لا تعكِسُ واقع المرض النفسيّ في الجيش الإسرائيليّ. إنّها، أي الأرقام، جزء من مُقاومة آليّة متأصّلة داخل المؤسسة العسكريّة الإسرائيليّة الرّسميّة لنفيّ أيّ حقيقة أخرى غير الحقيقة الرّسميّة التي تقولُ إنّ الجيش الإسرائيليّ هو الجيشُ الذي لا يٌقهر، وإنّه في الوقت نفسه، هو جيش الشّعب الذي يُقاتل من أجل قضيّة واضحة وعادلة في الآن ذاته؛ حِماية الشّعب الإسرائيليّ. وتلك الرّواية تتعارضُ مع سؤال المُعالج النفسيّ الإسرائيليّ داني بروم، مؤسّس منظّمة (Metiv)، وهي المركز الإسرائيليّ لعلاج الصّدمات النفسيّة؛ والذي يقول: “النّاس تخرجُ من الجيش وتقول إنّ الحكومة دفعت بِنا إلى الهاوية، ما الذي نُقاتل من أجله؟” (5). وبحسب كُتّاب تقرير صحيفة “الغارديان”؛ فإنّ أحد التفسيرات المعقولة لمنطق مقاومة الاعتراف من قبل المؤسسة العسكريّة الإسرائيليّة بحالات اضطّراب الكرب التالي للرضح، يعود إلى أنّ اعترافاً كهذا سيكونُ اعترافاً من قبل الجيش بخطأ بنيويّ في عقيدته الأمنيّة والعسكريّة. فالمُتلازمة، مُضافاً إليها أشكالٌ أخرى من الأمراض النفسيّة داخل الجيش الإسرائيليّ، ستكونُ الثّمن المُنفصل، الذي يُدفعُ نتيجة شنّ حروبٍ ثلاث خلال عقدٍ واحد فقط على قطاع غزّة، ونتيجة لاستمرار سياسة الاحتلال العسكريّ للمناطق الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة، إضافةً إلى الاتّهامات التي وجّهت للجنود الإسرائيليين بإطلاق النّار بشكلٍ متعمّد على المدنيين المحتجّين على حدود قطاع غزّة أثناء مسيرات العودة. كلّ ذلك يُفسّر رفض المؤسسة العسكريّة للاعتراف بأنّ الوضع العسكريّ على الأرض التي خلقتهُ المؤسّسة نفسها، هو نفسهُ الوضع الذي يدفعُ فعلاً بالجنود الإسرائيليين إلى “الهاوية”، ويُفاقم من تدهور حالتهم الصحّيّة النفسيّة وصولاً إلى طرح السّؤال عمّا يفعلونه “هُنا”.

لكنّ الرّواية المُفضّلة للمؤسسة العسكريّة الإسرائيليّة هي الرّواية التي تتبنّاها الكاتبة الإسرائيليّة فورست مارسيا، في مقالها الذي يتبنّى الأرقام الرّسميّة الصادرة عن المؤسسة العسكريّة، ويحاول الإجابة عن سؤال: ما الذي يجعلُ نسبة المصابين بمتلازمة الـ (PTSD) في الجيش الإسرائيليّ من بين الأكثر انخفاضاً عالمياً؟ الاندماجُ والتّجربة هُما الجزءُ الأوّل من السّرديّة اليمينّية الإسرائيليّة، والتي تستندُ إلى مقولة أنّ الجيش الإسرائيليّ هو جيشُ الشّعب، وذلك يعني أنّه ليس هناك أيّ شخص في إسرائيل ليس على علاقة بشخصٍ يخدمُ في الجيش، أو خدَمَ هو نفسه في الجيش الإسرائيليّ. إضافة إلى ذلك، فتجربة المجتمع الإسرائيليّ مع ما تُسمّيه الكاتبة بالإرهاب جعلت أفرادُه أكثرُ قدرة على التّعامل مع الواقع النفسيّ المشحون، وكذلك جعلت أفراد الجيش الإسرائيليّ أكثر قدرة على التحمّل نفسياً من أقرانهم في الجيش الأميركيّ على سبيل المثال. وبالتّوازي مع الواقع الإسرائيليّ المُعاش، يحضُرُ التّاريخ الذي يستدعي معرفة المجتمع الإسرائيليّ بضحايا الهولوكوست وما عانوه من صدمات نفسيّة من قبل؛ وذلك يعني أنّ الجيل الذي وُلِدَ في إسرائيل كان أقدَر على استيعاب التجارب العصيبة التي مرّ بها جيلُ مهاجري الهولوكوست؛ والاحتكاك بتلك التّجربة عن كثب ولَّدَ نوعاً من الإيمان الصّلب لدى أفراد الجيش الإسرائيليّ، وذلك الإيمان جعلهم أكثر قدرة على تحمّل ظروف المعركة القاسية. ذلك ما تُطلقُ عليه الكاتبة: “الأمر يختلف عندما تُقاتل من أجل وطنك”؛ فذلك يجعلُكَ ببساطة أكثر قدرة على تطوير مناعة نفسيّة قويّة تمكّنك من ارتكاب كلّ ما يتطلّبه الأمر “لحماية الوطن” (6).

من الإنكار إلى التدخّل العلاجيّ السابق على الخدمة العسكريّة

تتعامل المؤسسة العسكريّة الإسرائيلية مع متلازمة اضطراب الكرب التالي للرضح إذاً ضمن منطقَين؛ الأوّل، منطقُ الإنكار الذي حتّى في ظلّ وجود التصنيف الطبّي في حدّ ذاته، إلّا أنّ سلوك المؤسسة العسكرية يوحي بأنّها تفضّل عدم الاعتراف بتدهورٍ حقيقيّ على مستوى الصحّة النفسيّة في الجيش الإسرائيليّ. فهي تنظُرُ إلى هذه الأعراض وحالات الاكتئاب بوصفها مجرّد إرهاق نفسيّ لا حالة صحّية جدّية تتطلّبُ تفسيراً وبحثاً فيما وراء الأسباب الظاهرة، بحثاً قد يصلُ حدّ بحث ومُساءلة العقيدة العسكريّة الأمنيّة في إسرائيل وهيمنتها على الدّولة والمجتمع في إسرائيل. فالافتراضُ الأساس عند المؤسسة هو إيمان الجنديّ بالعقيدة الصهيونيّة إيماناً مُطلقاً، وذلك يتنافى وإمكانية تطويره لأيّ شعورٍ بالصدمة جرّاء قتاله من أجل تلك العقيدة، وذلك يعني نفيُ وجود الصّدمة من الأساس والتعامل معها – إن تمّ الاعتراف بها- على أنّها نتيجة ظُروفٍ سابقة أو لاحقة على الخدمة العسكريّة، لا بسبب الخدمة العسكريّة نفسها.

المنطقُ الآخر الذي تستخدمهُ المؤسسة العسكريّة للتعامل مع متلازمة الـ (PTSD)، هو منطقُ التدخّل العلاجيّ النفسيّ الوقائيّ السابق على العمل العسكريّ. ففي العام 2016 ظهرت دراسة أعدّها باحثان من جامعة تل أبيب بالاشتراك مع القسم العلاجيّ في جيش الاحتلال الإسرائيليّ، تناقش تطوير تدريب انتباه مُحوسَبْ يُقلِّلُ حتّى الثُلْث من احتماليّة تطوير الجنود خلال المعركة لمتلازمة اضطّراب الكرب التالي للرضح. وكان التدريب قد تمّ اختباره على الجنود الذين شاركوا في الحرب الإسرائيليّة على قطاع غزّة عام 2014، وبناء على “الفعاليّة” التي أظهرتها التقنيّة، تمّ اتّخاذ قرارٍ بتضمينها في التدريب الأساس لكلّ القوات العسكريّة الإسرائيليّة البرّية.

بحسب تقرير لصحيفة The Jerusalem Post، فالتقنية تعملُ على تحسين الأداء الذهنيّ للجنديّ من خلال رفع مستوى انتباهه للأخطار المُحتملة في البيئة التي يكون فيها؛ وذلك يعملُ على إعداده للفعل العسكريّ بالتّوازي مع تخفيض احتماليّة تطويره لمتلازمة (PTSD). يقول البروفسور يائير بار حاييم الذي أعدّ الدّراسة بالاشتراك مع دكتور إيلان فالد، بالاشتراك مع خبراء من جيش الاحتلال الإسرائيلي: “قُمنا بمراقبة أعداد كبيرة من المُشاة في الجيش الإسرائيليّ ابتداء من تدريبهم الأساس وحتّى أدائهم على الأرض”، “واكتشفنا أنّ الجنود أنفسهم الذين كانوا يتجنّبون الانتباه إلى الأخطار المُحتملة هم أنفسهم الذين كانوا أكثر عُرضة لتطوير متلازمة PTSD لاحقاً”.

يُقدّم للجنديّ المشارك في التّدريب موادّ محفّزة لفظيّة وصوريّة تشملُ التي توحي بالتّهديد وأخرى محايدة؛ ويُطلبُ منه تحديد الأهداف التي تظهرُ على الشِاشة بجانب هذه المحفّزات البصريّة واللفظيّة لمدّة عشر دقائق، أربع مرّات شهريّاً. وقد أجرِيت هذه الاختبارات على 800 جنديّ مشاة إسرائيليّ منذُ بداية العام 2012. وفي العام 2014، عندما بدأت الحرب الإسرائيليّة على قطاع غزّة، شارك الجنود الذين خضعوا لهذه التجارب بجانب جنود آخرين لم يخضعوا لها في الحرب التي استمرّت أكثر من 50 يوما على قطاع غزّة. وبعد أربعة أشهر، أعاد البروفسور بار حاييم وزملاؤه اختبار الجنود الذين شاركوا ولم يُشاركوا في تجربتهم، وتبيّن أنّ 2.6% من أولئك الذين خاضوا التّجربة المُحوسبة طوّروا متلازمة PTSD، بالمقارنة مع 7.8% من أولئك الذين لم يشاركوا في التجربة. وتعليقاً على نتائج التّجربة، يقول بار حاييم: “إنّه من النّادر تطوير علاج الإدراك السلوكيّ ليُصبح أداة تدخّل وقائيّة فعالة”، و”هي أخبار رائعة أن نكون قادرين على تحسين القوّة الذهنيّة للجنديّ الإسرائيليّ وتجنّب خطر متلازمة الـ PTSD، وذلك يضَعُ الجيش الإسرائيليّ في مقدّمة حقل العلاج الوقائي على مستوى عالميّ” (7).

تعملُ تجربة بار حاييم إذاً على رفع قُدرة الجنديّ الإسرائيليّ على الأداء العسكريّ ذهنياً وجسمانياً بالتّوازي مع تقليل احتماليّة تعرّضه لأيّ صدمة نفسيّة لاحقاً؛ على افتراض أنّ الصّدمة النفسيّة هي نتيجة نقص في الانتباه لدى الجنديّ سابق على الفعل العسكريّ في حدّ ذاته؛ أي، تحويل نُقطة النّظر من النّظر في أخلاقيّة الفعل العسكريّ في حدّ ذاته والعواقب النفسيّة المترتّبة على جرائم الحرب الإسرائيليّة في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة، إلى النّظر في ميكانيكيات عمل العقل الإنسانيّ والعمل على التّلاعب فيه وتدريبه ليكون آلة قتل أكثر فعاليّة وإنساناً أقلّ أخلاقيّة، وبالتّالي أقلّ عرضة للصدمة النفسيّة!

الهوامش :
What is PTSD? American Psychiatric Association, https://www.psychiatry.org/patients-families/ptsd/what-is-ptsd.
2
What is Post-Trauma? Israel Trauma and Resiliency Center, https://www.natal.org.il/en/knowledge_item/whatistrauma/.
3
Wald, Ilan & Degnan, Kathryn & Gorodetsky, Elena & Charney, Dennis & Fox, Nathan & Fruchter, Eyal & Goldman, David & Lubin, Gad & Pine, Daniel & Bar-Haim, Yair. (2013). Attention to Threats and Combat-Related Posttraumatic Stress Symptoms: Prospective Associations and Moderation by the Serotonin Transporter Gene.
4
Israeli government accused of abandoning soldiers with PTSD, The Guardian, Amanda Forslund and Charlotta Lindblom, 21 Aug 2019.
5
Ibid.
6
Why do Israel’s IDF soldiers suffer from PTSD less than their American counterparts? The Israel Forever Foundation, Forest Rain Marcia, 17 Oct 2018.
7
IDF to use Israeli-made computer tech to thwart PTSD, US to follow suit, Jerusalem Post, 7 July 2016.

* عن مركز مدار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.