أمال شحادة   - عبر "تهويد الضفة والقدس" جعلت إسرائيل قيام دولة فلسطين أمرا مستحيلا - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

أمال شحادة   – عبر “تهويد الضفة والقدس” جعلت إسرائيل قيام دولة فلسطين أمرا مستحيلا

0 119

أمال شحادة   – 14/5/2021

قسمت المشاريع الاستيطانية الأحياء ومنعت التواصل الجغرافي بين البلدات الفلسطينية

 المشاهد التي ترافق الزائر إلى الضفة الغربية والقدس، حيث المستوطنات الحديثة والمتطورة والبؤر الاستيطانية المتربعة على أجمل جبال هذه المنطقة الفلسطينية، تُشعر الزائر الغريب بمتاهة الطريق. وتزيد اللافتات الضخمة هذا الشعور حتى يصل إلى مدخل “البلدة الفلسطينية” ليتنفس الصعداء بوصوله إلى الهدف.

لكن أولى خطواته تمنحه مؤشرات لوضع من غير الممكن الحديث فيه عن بلدة فلسطينية ستشملها الدولة العتيدة. أما مَن يدخل إلى المدينة المقدسة، فحدث بلا حرج، فهي ليست فقط فقدت “فلسطينيتها” بل يتضح له أن أي حديث عن كونها عاصمة للدولة الفلسطينية ما هو إلا شعارات وتصريحات من دون رصيد.

منذ عام 1967، طوعت الحكومات الإسرائيلية جهودها لسن قوانين تشرع استمرار احتلالها والسيطرة على أكبر مساحة من الأرض لبناء المستوطنات، وتحقيق هدفها الأسمى ألا وهو “خريطة ديمغرافية بأكثرية مطلقة لليهود وأقلية للعرب”.

ونجحت إسرائيل على مدار تلك السنوات في التهام أكثر من 50 في المئة من الأرض الفلسطينية من مختلف المناطق، والقدس بشكل خاص. ووضعت مخططاتها لمنع وجود بنى أساسية لإقامة الدولة الفلسطينية والتوصل إلى اتفاق حول مساحة الدولة وحتى عاصمتها، في أي اتفاق مستقبلي.

وفي حديث مع “اندبندنت عربية”، قال مدير “مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية” زياد الحموري، إن “الوضعية التي تعيشها الضفة والقدس بشكل خاص، تهدد مستقبل المجتمع الفلسطيني برمته، فالتهام الأراضي ومصادرتها لإنشاء مشاريع استيطانية بالاستناد إلى مختلف القوانين الإسرائيلية، التي سعت تل أبيب إلى سنها منذ عام 1967، جعلت المنطقة الفلسطينية برمتها تعيش وضعاً مأسوياً يعيق أي تطور أو توسع، بالتالي فإن الحديث عن إقامة دولتين لشعبين، ما هو إلا تصريحات سياسية غير قابلة للتنفيذ كما لا يمكن العودة بهذا الوضع إلى الوراء”.

وبرأي الحموري فإن “المستوطنات القائمة، وليس فقط المستوطنات الكبرى التي حسمت إسرائيل أنها لن تتنازل عنها، متواجدة في وضع يستحيل فيه على تل أبيب التخلي عنها لا بأساليب دبلوماسية ولا بقوة الإخلاء كما حدث في بعض البؤر الاستيطانية في السابق”.

ولا يصعب على مَن يرى ما فرضته إسرائيل على أرض الواقع، التوصل إلى فهم تداعيات الواقع على مستقبل الدولة الفلسطينية. فإن كنت في نابلس وتنوي الانتقال إلى بلدة فلسطينية أخرى، تصطدم على طرفَي الطريق بعدد كبير من المستوطنات، بل وتشاهد بأم العين واقع الفلسطينيين المأسوي. ففي معظم المستوطنات، يمر سكانها من المستوطنين في الشوارع الفلسطينية، بل يجولون فيها بحرية مطلقة، فيما الفلسطيني يجد نفسه، ليس فقط غريباً في بلدته وعلى أرضه، بل أمام خطر المستوطنين المحميين من الشرطة والجيش الإسرائيليَين، الذين لا يترددون في اعتراض طريق الفلسطينيين أو حتى الاعتداء عليهم. وينطبق الأمر ذاته على الخليل وبيت لحم والقدس وطولكرم ورام الله ومختلف البلدات الفلسطينية.

و شهدت هذه المناطق خلال السنوات الأخيرة، توسعاً كبيراً لم يقتصر على المستوطنات والشوارع، بل المجمعات التجارية الكبرى لشركات يهودية أُقيمت لخدمة المستوطنين.

ويشير ذلك إلى جانب أكد عليه الحموري بالقول، إن “إقامة الدولة من الناحية الواقعية أمر مستحيل، حيث إن تداخل المستوطنات وإقامة الشوارع الرحبة منعت التواصل بين أحياء البلدة الفلسطينية الواحدة، والتواصل في ما بين البلدات الفلسطينية، التي أصبحت شبه معزولة”.

الخطر الأكبر مشاريع المنطقة سي

وعبر الحموري عن قلق فلسطيني كبير من المخططات الحالية في المنطقة سي (C) التي أدرجتها إسرائيل ضمن مخطط الضم، مشيراً إلى أن استمرار السيطرة على هذه المنطقة سيجعل تنفيذ الضم واقعاً على الأرض حتى من دون الإعلان الرسمي عن ذلك. وأضاف “إسرائيل تعمل على تطبيق قوانينها في مختلف المناطق الفلسطينية وحتى في المنطقة C، وهناك خوف كبير من السيطرة على مساحات شاسعة في هذه المنطقة التي بمجرد تنفيذها ستزيد من الأزمة وتهويد الأرض الفلسطينية بنسبة عالية جداً، بالتالي تتحول كل المناطق الفلسطينية إلى جزر مُحاطة بالمستوطنات، وليس فقط البلدات الفلسطينية كما نراها اليوم”.

وشكلت قوانين الطوارئ والقوانين البريطانية وما تسميه إسرائيل “أراضي الغائبين” عنصراً حيوياً في أيدي المؤسسة الإسرائيلية للسيطرة على الأرض الفلسطينية وتهويدها. ونجحت في تطبيقها على مدار سنوات في مختلف المناطق الفلسطينية ضاربةً بعرض الحائط، كافة القوانين الدولية التي تمنع مثل هذه الممارسات.

القشة التي قصمت ظهر البعير

من جهة أخرى، جاء الانفجار الشعبي الفلسطيني من الضفة مروراً بالقدس وبلدات فلسطينيي 48، جراء تراكم الاحتقان الفلسطيني في ظل سياسة التهويد والسيطرة على الأرض والممتلكات الفلسطينية. ورأى زياد الحموري أن “أحداث الأقصى والشيخ جرّاح، ما هي إلا القشة التي قصمت ظهر البعير”. وأضاف أن “انفجار الأوضاع في القدس إثر مخطط إفراغ حي الشيخ جراح من سكانه الأصليين، أصبح قضية الشعب الفلسطيني برمته. ومع أن قضية القدس باتت موضوعاً محسوماً من الناحية الجغرافية، إلا أنها تشكل مثالاً صارخاً لمختلف البلدات الفلسطينية، فهذه المدينة باتت مفتتة ومقسمة، لا ترابط بين أحيائها، حيث المستوطنات التي تفصل بين شعفاط وبيت حنينا والشيخ جراح والبلدة القديمة وجعلها قواطع لا ربط بين أحيائها”.

وأشار الحموري إلى المؤسسات والمكاتب الإسرائيلية الرسمية التي أُقيمت في هذه المناطق الفلسطينية مثل المحكمة المركزية ووزارة القضاء ومركز الشرطة وغيرها. وقال إن هذه المواقع “أكملت السياسة الإسرائيلية في قطع التواصل بين الأحياء الفلسطينية، بالتالي جعلت معظمها معزولة، ومن الصعب خلق أي نوع من التواصل بعد سيطرة المستوطنين عليها أيضاً”.

حوالى 96 في المئة من القدس تم تهويدها. يعيش سكانها الفلسطينيون البالغ عددم 320 ألفاً، داخل جزر تحيطهم المؤسسات الإسرائيلية والمستوطنات، يحملون “الهوية الزرقاء” وهم مجرد مقيمين أو حتى سياح من الممكن سحب الهوية منهم وإلغاء الإقامة، بالتالي يُدرَجون ضمن “قانون الغائبين” الذي يشكل أبرز القوانين الإسرائيلية في القدس، خلال هذه الفترة.

وفي ظل هذه الوضعية يعيش 80 في المئة من سكان القدس تحت خط الفقر، حيث الكثافة السكانية هي الأعلى في العالم، إذ يعيش 40 ألف نسمة في أقل من كيلومتر واحد، وهي النسبة الأعلى في العالم.

ومن أجل تحقيق سياسة التهويد في المدينة المقدسة، تعمل إسرائيل على مسارات عدة أبرزها:

المسار الاقتصادي، حيث البطالة تتجاوز 30 في المئة، وعدم إفساح المجال أمام توسيع المشاريع الاقتصادية فيها، ليس فقط بسبب الكثافة السكانية والمساحة الضيقة، إنما في ظل القوانين المجحفة بحق سكانها الأصليين.

منع البناء عبر العراقيل التي تضعها إسرائيل مستغلةً القوانين المفروضة على السكان، ما يدفعهم إلى البناء من دون تراخيص حتى طاولت أوامر الهدم أكثر من 23 ألف بيت فلسطيني.

أما المسار الثالث والأخطر فهو استخدام قانوني الولاء والقومية، وهما قانونان متداخلان، وبتطبيقهما يخسر الفلسطيني هويته بعد سحب الجنسية الفلسطينية منه. وضمن سياسة التهويد قامت إسرائيل بسحب الجنسية من أكثر من 15 ألف مقدسي.

القرار 3790

في السياق، يشكل قرار الحكومة الإسرائيلية المعروف بـ”قرار 3790″، عنصراً مركزياً في سياسة تهويد القدس، وهو قرار تمت فيه المصادقة على “الخطة الخمسية لتقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية والتطوير الاقتصادي لشرق القدس”، والمفترض أن تنتهي عام 2023.

وأعلن الإسرائيليون بوضوح، أن الهدف منه هو “تعزيز قدرة سكان القدس الشرقية على الاندماج في المجتمع الاقتصادي الإسرائيلي وتعزيز حصانة العاصمة” اقتصادياً واجتماعياً.

هذا الهدف بحد ذاته هو استكمال لتهويد القدس من خلال تثبيت السيطرة الإسرائيلية على المدينة وفلسطينييها.

أحد أبرز بنود الخطة هو تدعيم التعليم في القدس بما يتناسب والمنهج الإسرائيلي، بما في ذلك تعليم اللغة العبرية إلى جانب البحث عن وظائف لشبان فلسطينيين، تقدم الخدمات لتطوير وتسريع مشاريع إسرائيلية بشكل غير مباشر وتفرض واقعاً خطيراً في سياق تهويد المدينة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.