ترجمات عبرية

هل إسرائيل بحاجة للفلسطينيين كعدو دائم لتبرير الإحتلال ؟؟

ألون بن مئير

البروفيسور ألون بن مئير ١٧-٤-٢٠٢٢م

إن معاملة إسرائيل القاسية للفلسطينيين تهدف إلى تعميق الاستياء الفلسطيني والتحريض على العنف ‏‏”الخاضع للسيطرة”، والذي يسمح بدوره للحكومات الإسرائيلية بتبرير استمرار الاحتلال لأسباب تتعلق ‏بالأمن القومي.، .. لقد حان الوقت لجميع الإسرائيليين أن يتخلصوا من فكرة أن الاحتلال مركزي لأمنهم القومي، في ‏حين أن العكس هو الصحيح في الواقع‎.
‎تصحيح الخطأ ‏
إن موجة الهجمات العنيفة في إسرائيل التي قتل خلالها فلسطينيون وعرب إسرائيليون “14” مدنياً في الأسبوعين ‏الماضيين، تشير بقوة إلى أن الوقت قد حان لإسرائيل لمواجهة الحقيقة المرّة حول الاحتلال البالغ من العمر “55 سنة” والاعتراف بجعله مركزيًا في أمن إسرائيل القومي هو مغالطة مقصودة. ‏
يستخدم رئيس الوزراء نفتالي بينيت، مثل سلفه نتنياهو، الهجمات الأخيرة لتبرير استمرار الاحتلال، في ‏حين أن الاحتلال نفسه هو الذي حرض على هذه الهجمات. الحقيقة التي لا مفر منها هي أنه بعد أكثر من ‏خمسة عقود من الاحتلال القاسي، أصبح لدى الفلسطينيين – وخاصة الشباب- ما يكفي ولم يعودوا على ‏استعداد لقبول العبودية دون أمل في مستقبل أفضل.
الجزء الأكثر حزنًا هو أن إسرائيل تتغذى عمدًا على هذا ‏اليأس بالطريقة التي تعامل بها الفلسطينيين من خلال استخدام استراتيجية قمعية لضمان مستوى معين من ‏الاستياء والكراهية الفلسطينية، وإدامة مقاومتهم مع تحسين فن كيفية احتواء العنف ولكن دون أن ينتهي تماما‎.‎
‎مغالطة ربط الاحتلال بأمن إسرائيل القومي
‏السخافة هنا، هي أن أي شخص على دراية بمتطلبات الأمن القومي الإسرائيلية المشروعة سوف يعترف بأن ‏قيام دولة فلسطينية مستقلة تتعاون بشكل كامل مع إسرائيل في جميع المسائل الأمنية “والتي يجب أن تكون ‏شرطا مسبقا لا لبس فيه لأي اتفاق سلام”، ستعزز بشكل كبير أمن إسرائيل القومي بدلا من تعريضه للخطر. إن ‏قيام دولة فلسطينية في المستقبل، من شأنه أن يعزز بشكل كبير جهاز أمنها الداخلي وتعمل بشكل وثيق للغاية ‏مع إسرائيل لمنع المتطرفين من أي من الجانبين من ارتكاب أعمال عنف ضد الطرف الآخر.
يجب أن يشمل ‏تعاونهم تبادل المعلومات الاستخبارية ، والقيام بعمليات مشتركة لمنع الهجمات العنيفة من قبل الأفراد أو ‏الجماعات من أي من الجانبين ، ووضع قواعد الاشتباك لمنع الاشتباكات العرضية بين قوات الأمن الخاصة ‏بكل منهما. وهم يستدعون تجربة إسرائيل في غزة، التي أصبحت نقطة انطلاق لهجمات “حماس”، متناسين أن ‏إسرائيل انسحبت من غزة ليلاً دون ترتيب أمني مع السلطة الفلسطينية، الأمر الذي أدى إلى سيطرة “حماس”.
‏إن وجود جهاز أمني كما هو موصوف أعلاه، سيجعل الحجج الإسرائيلية القائمة على الانسحاب من غزة جوفاء ‏ومضللة في أحسن الأحوال‎.‎
تطبيع الإحتلال ‏
ما هو مقلق إلى حدّ بعيد هو أن ثلاثة أجيال من الإسرائيليين والفلسطينيين (80٪ من الإسرائيليين و 92٪ من ‏الفلسطينيين) قد ولدوا منذ بدء الاحتلال في نهاية حرب عام 1967. رئيس الوزراء بينيت (الذي ولد عام ‏‏1972 بعد خمس سنوات من بدء الاحتلال) وملايين الإسرائيليين الآخرين نشأوا أثناء الاحتلال واعتبروا ‏الضفة الغربية ، أو “يهودا والسامرة” كما تسمي الحكومة الإسرائيلية الأراضي المحتلة، أرضًا طبيعية امتدادا ً ‏لإسرائيل ما قبل الحرب. المحزن أنه بدلاً من تطوير علاقة أوثق على مر السنين بين اليهود الإسرائيليين ‏والفلسطينيين والتعاطف مع مخاوف وتطلعات كل منهما، استخدمت إسرائيل عن عمد إجراءات قمعية لم تؤد ‏إلا إلى توسيع الهوة بينهما وزادت من كراهية وانعدام الثقة المتبادلة .‎
‎نمت ثلاثة أجيال من الإسرائيليين على الاعتقاد بأن الفلسطينيين عنيفون بشكل لا يمكن إصلاحه ولديهم ‏شعور عميق بالكراهية تجاه كل يهودي إسرائيلي. يتزايد عدد هؤلاء الإسرائيليين باطراد (ربما يتجاوز عددهم ‏الآن 50٪ من السكان) ويتجهون إلى اليمين ؛ إنهم يدعمون المستوطنين ، وقد جُعلوا يصدّقون الرواية العامة ‏اللاذعة التي أطلقها قادة اليمين بأن الفلسطينيين يمثلون تهديدًا وشيكًا، وبالتالي تبنوا النغمة المشتركة التي ‏مفادها أن “الفلسطينيين عازمون على تدميرنا”. من المؤكد أن إسرائيل ، وخاصة خلال فترة رئاسة نتنياهو ‏كرئيس للوزراء من 2009 إلى 2021 ، سعت إلى إبقاء الفلسطينيين كعدو دائم لخدمة هدفه طويل الأمد ‏المتمثل في ضم جزء كبير من الضفة الغربية إن لم يكن كلها‎.‎
ومن ثم، فإن الاستراتيجية الإسرائيلية هي الحفاظ على الاحتلال مع الاستمرار في اليقظة وعدم المساومة أو ‏التنازل وجعل حياة الفلسطينيين صعبة قدر الإمكان، على أمل أن يترك الكثيرون مجتمعاتهم في نهاية المطاف ‏ويفسحون مجالا ً أكبر للمستوطنين. ومن المأساة القول بأن معاملة إسرائيل للفلسطينيين تتعارض مع حقيقة ‏أن الفلسطينيين موجودون هناك ليبقوا، وهو ما لا يمكن لإسرائيل ببساطة أن تحققه بالتمنّي‎.‎
إسرائيل بحاجة إلى عدو دائم ‏
على الجانب الآخر من هذا الانقسام البائس، نشأ ثلاثة أجيال من الفلسطينيين ولديهم عقلية لا تقل خطورة عن ‏الإسرائيليين. لقد تم تلقينهم بنفس الطريقة من قبل قادتهم أن الإسرائيليين هم عدو شرير ووحشي مصمم على ‏كسر إرادتهم وإخضاعهم لمحنة رهيبة تتمثل في احتلال غير محدود. والمعاملة الإسرائيلية للفلسطينيين لم ‏تعزّز سوى هذه الرواية الفلسطينية.
يعاني الفلسطينيون تحت الاحتلال يومًا بعد يوم من وحشية الجيش ‏الإسرائيلي – الإخلاء القسري والغارات الليلية وعمليات القتل شبه اليومية (في عام 2021 قتل أكثر من 300 ‏فلسطيني) والسجن وهدم المنازل التي بنيت بدون تصاريح (وهذه من الصعب جدا ً الحصول عليها)، والقيود ‏الشديدة على السفر والحركة. وللتأكيد، أنه لكي تحافظ إسرائيل على الاحتلال، غالبًا ما تلجأ إلى الانتهاكات ‏الجسيمة لحقوق الإنسان لدرجة أن إلصاق “دولة الفصل العنصري” بإسرائيل أصبح أمرًا شائعًا بشكل متزايد‎.‎
ومصير الفلسطينيين في غزة أسوأ من ذلك ، حيث تستمر إسرائيل في فرض حصار بري وجوي وبحري ‏على القطاع بأكمله ، وهو ما تبرره على أساس أن “حماس” تشكل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل. أضف إلى ذلك ، فقد ‏اعتاد الإسرائيليون على المستوى المنخفض للعنف مع “حماس” وعندما يتدهور الوضع ، تعود القوات ‏الإسرائيلية إلى غزة “لجز العشب”، كما فعلت أربع مرات في الماضي – وتدفع “ثمنا” مقبولا في الدم ‏تمتصه اسرائيل برباطة جأش. لقد رفضت إسرائيل على مر السنين دعوة “حماس” إلى وقف إطلاق نار طويل ‏الأمد ، من 15-20 سنة والذي كان سيقام في ظل إطار رقابة صارمة. كان من شأن ذلك أن يسمح ل”حماس” ‏بالتركيز على إعادة بناء البنية التحتية والمؤسسات وتطوير مصلحة راسخة في الحفاظ على وقف إطلاق النار، ‏بدلاً من السعي المستمر للحصول على أسلحة أكثر تطوراً وإعداد قواتها للحرب القادمة‎.‎
‎هذا ما يوجز استراتيجية إسرائيل تجاه الفلسطينيين:إسرائيل بحاجة إلى عدو دائم لدعم احتلالها ، وهو ما يفسر ‏عدم اهتمامها بأي حوار سلام جاد إذا كان إنشاء دولة فلسطينية هو الهدف النهائي‎.‎
‎اعتناق عقلية مشوهة
‏الأمر المقلق للغاية هو أن الجمهور الإسرائيلي أصبح راضياً بشكل متزايد ، متقبلاً الحجة التي طرحها رئيس ‏الوزراء السابق نتنياهو بشكل خاص بأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لم يعد عقبة تمنع العديد من الدول العربية ‏من صنع السلام مع إسرائيل. يشير نتنياهو والآن بينيت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وأربع دول عربية بموجب ‏اتفاقيات إبراهيم (الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان) كدليل لدعم حجتهم. وهم ينسون بسهولة ‏أن الشرط المسبق لتطبيع العلاقات هو تحجيمها من ضم أي أرض فلسطينية وأن إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها ‏القدس الشرقية هو شرط أساس لتحقيق سلام شامل بين إسرائيل والدول العربية‎.‎
و‎بالنسبة للأغلبية النسبية من الإسرائيليين الذين يتبنون هذه العقلية المشوهة – ربط الاحتلال بالأمن القومي – هو ‏أمر خطير بشكل ينذر بالسوء ، لأنه لا يترك مجالًا كبيرًا أو لا يترك مجالًا للمصالحة مع الأشخاص الذين يجب ‏أن يتعايشوا معهم بشكل أو بآخر. إنه من المحزن أن نرى أنّ استمرار العداء للفلسطينيين يجبر إسرائيل على ‏العيش مع البندقية. هذا لا يتعارض فقط مع رؤية مؤسسي إسرائيل ، ولكنه يتناقض تمامًا مع القيم اليهودية التي ‏حافظت على حياة اليهود على مر القرون. في هذه الأثناء، تتجاهل إسرائيل الفوائد والمزايا التي يمكن أن تجنيها ‏من السلام ، ولكن بشكل خاص وأبرزها الخلاص الأخلاقي الذي هو مركز لوجود إسرائيل‎.‎
مزايا السلام بعيدة المدى
‏سيعالج السلام مع الفلسطينيين مخاوف إسرائيل الأمنية الوطنية النهائية ، حيث ستندمج إسرائيل في الشرق ‏الأوسط الكبير وشمال إفريقيا ، وتشكل تحالفات أمنية ضد أي عدو مشترك ، وتخلق هلالًا من الحلفاء يمتد من ‏الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط وهذا من شأنه أن يقوض بشدة طموحات إيران بالهيمنة‎.‎
سيفتح السلام مع الفلسطينيين الباب على مصراعيه أمام الغالبية العظمى من الدول العربية والإسلامية لتطبيع ‏العلاقات مع إسرائيل، الأمر الذي سيكون له فوائد اقتصادية بعيدة المدى ، وخاصة الفوائد الجيواستراتيجية ‏والأمنية‎.‎
السلام مع الفلسطينيين سيسحب البساط من تحت إيران، التي تستخدم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لتبرير ‏عدائها لإسرائيل. علاوة على ذلك، ستضطر طهران إلى إنهاء تهديداتها “الوجودية” ضد إسرائيل، لا سيما ‏إذا دخلت دول الخليج العربي في تحالف أمني مع إسرائيل، وهو ما تتم مناقشته. ‏
السلام مع الفلسطينيين سيجبر حزب الله ، و”حماس” والجهاد ‏الإسلامي ، على إعادة تقييم موقفهم تجاه إسرائيل، لأن السلام سيقوض بشدة أساس مقاومتهم.‏
‏السلام مع الفلسطينيين سيصلح الانقسام السياسي الذي يتسع بشكل خطير بين اليهود الإسرائيليين الذين ‏يسعون لإنهاء الاحتلال والذين لا يسعون إليه ، وكذلك بين عرب إسرائيل واليهود. سيساعد السلام على توليد ‏التماسك الاجتماعي، وهو أمر أساس لأمن إسرائيل واستقرارها الداخلي. ‏
سيؤدي السلام مع الفلسطينيين إلى تحسين العلاقات المشحونة بين إسرائيل والجالية اليهودية الأميركية بشكل ‏جذري، وهي التي تدعم بأغلبية ساحقة إنهاء الصراع على أساس حل الدولتين. ‏
من شأن السلام مع الفلسطينيين أن يخفف إلى حد ما من صعود معاداة السامية، التي ينسبها عدد لا يحصى من ‏الناس في جميع أنحاء العالم إلى معاملة إسرائيل للفلسطينيين في الأراضي المحتلة. ‏
السلام مع الفلسطينيين لن يسمم عقول جيل آخر من الإسرائيليين الذين يعيشون تحت الوهم بأنهم لا يستطيعون ‏الازدهار والأمان إلا إذا بقوا مسيطرين على المناطق وأحبطوا تطلعات الفلسطينيين في إقامة دولة.‏
‏إن السلام مع الفلسطينيين سيوفر لإسرائيل مئات الملايين الإضافية من الدولارات التي تخصصها للأمن في ‏الضفة الغربية ، والتي يمكن أن تستثمرها بدلاً من ذلك في ترميم عشرات الأحياء الإسرائيلية المنهكة، ‏وتحسين البنية التحتية والإسكان في العديد من المجتمعات الفقيرة اليائسة من أجل التوصل إلى مستوى معيشة ‏كريم وإنساني.‏
السلام مع الفلسطينيين سوف يسلط الضوء على إسرائيل في ضوء جديد لمجتمع الأمم. فبدلاً من إدانتها ‏وانتقادها بسبب الاحتلال ، ستُشيد بشجاعتها وثباتها وتصحيح الخطأ مع تعزيز أمنها القومي في نفس الوقت. ‏
وأخيرًا ، سيحرر السلام مع الفلسطينيين الإسرائيليين من العبء الأخلاقي الثقيل والمقيت للاحتلال ، الذي ‏ظلوا يتحملونه لأكثر من خمسة عقود. ‏
إنهاء الاحتلال لأسباب أخلاقية وعملية
‏ينبغي على حكومة بينيت، مهما كانت هشة، أن تتعامل مع موجة الهجمات الفلسطينية على أنها جرس إنذار ‏وتبدأ عملية تضميد الجراح مع الفلسطينيين. فبدلاً من اللجوء إلى المزيد من الإجراءات القمعية والقاسية في ‏الضفة الغربية، على الأرجح لمنع الهجمات المستقبلية، فإن مثل هذه الإجراءات الوحشية لن تؤدي إلا إلى ‏تحفيز المقاومة الفلسطينية وربما تؤدي إلى انتفاضة عنيفة واسعة النطاق. سيكون الآلاف من الشباب ‏الفلسطيني على استعداد للتضحية بأنفسهم بدلاً من العيش في حالة من البؤس واليأس، دون أي أمل في أن ‏يكونوا أحرارًا ويحققون أحلامهم. إنها الآن مسألة وقت فقط متى سيثورون، ما لم تدرك إسرائيل أن الاحتلال ‏هو وصفة لكارثة وتعمل على إنهائه، لمصلحتها كما لمصلحة الفلسطينيين.‏
‏لا تحتاج إسرائيل إلى عدو دائم من أجل البقاء، ولم يعد بإمكانها تبرير الاحتلال على أساس مخاوف تتعلق ‏بالأمن القومي. كانت ولادة إسرائيل انتصارًا لما هو حق وأخلاقي على أسوأ الشرور. لقد كانت المسؤولية ‏الأخلاقية للمجتمع الدولي في أعقاب الهولوكوست هي التي أوصلت إسرائيل إلى الوجود. ولذا تعتمد قوة ‏إسرائيل وديمومة وثروة إسرائيل على هذا الأساس الأخلاقي، الذي هو جوهر وجودها وسيظل دائمًا كذلك. ‏
وفقط من خلال رفع تلك الشعلة الأخلاقية عالياً سعياً وراء ما هو حق وعادل، ستضمن إسرائيل استمرار ‏وجودها كدولة ديمقراطية، حرة ومستقلة ، تعيش في أمان وأمن ، ولا يستطيع أي عدو تحديها دون عقاب.‏

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى