أقلام وأراء

أكرم عطا الله في فلسطين .. كل ظنون تل أبيب إثم!

أكرم عطا الله

أكرم عطا الله 2022-04-17

يقول المثل الصيني: «لا تنزع ماء وجه عدوك»، وتلك لا تحتاج إلى حكمة كونفوشيوس كي تدير السياسة، فصراعات التاريخ كلها أعطت ما يكفي من الدروس لمن أراد أن يتعلم، لكن الدولة التي تستند للأيديولوجيا والدين، وتشتق منهما سلوكها السياسي، لا من تجارب التاريخ، من الطبيعي أن ترسب كل مرة وتعيد تعلم الدرس من جديد.
كيف تفكر إسرائيل وهي تعتقد أنه يمكن التوفيق بين الاحتلال الاستيطاني وبين الهدوء في المنطقة؟ بين حكم الفلسطينيين بالحديد والنار والبسطار وبين تطويعهم وتطبيعهم؟ فقد ذهبت بحلول ترقيعية معتقدة أن عقدة تاريخية بهذا المستوى يمكن حلها بأطراف الأصابع كالسلام الاقتصادي واستبدال الحقوق الوطنية برشوة شعب، ومرة تتجلى عبقرية مفاجئة، يتم اكتشافها بعد سبعة عقود، بأنه باستدارة إقليمية والتطبيع مع العرب يمكن أن تلتف على الحقوق أو تحل الأزمة المستعصية، ثم يجيء نفتالي بينيت حاملاً فكرة معلمه أستاذ التاريخ ميخا غولدمان، الذي هبط من حل الصراع، وأكثر حتى من إدارة الصراع، ليخترع مصطلح «تقليص الصراع»، وليظهر رئيس وزراء إسرائيل مثل أرخميدس وهو يخرج من حوض الاستحمام صارخاً: «وجدتها»!
إسرائيل دولة قوية عسكرياً، ويبدو أن تلك القوة أحدثت ما يكفي من العمى للمؤسسة السياسية، وهذا طبيعي، فعندما تتجاوز القوة حدودها تبدأ أزمة الدول، وهناك الكثير من شواهد التاريخ حين أغرق فائض القوة سياسييه قبل الخصم محققاً الهزيمة، فكانت تكفي صورة جندي مدجج يعتقل فتاة في ساحة الأقصى لجسّ نبض الهزيمة، أو صورة فتيان في طريقهم للسجن يرفعون شارة النصر تعلوها ابتسامة المنتصر لنقرأ موازين القوى في صراع الإرادة، وهي الذخيرة الأهم، فحين تتصارع قوميتان على أرض واحدة يكسب من يملك مخزون الإرادة لا مخزون السلاح، وإلا لبقيت أميركا في فيتنام، وبريطانيا في الهند، وفرنسا في الجزائر، ولكن التاريخ لا يقف على رأسه.
استولت فلسطين كعادتها على العناوين، في ذروة حرب تقف على شفا السلاح الذري في أوروبا واقتصاديات القارة التي تقف على مرمى الخطر. ووسط كل هذا تجد ألمانيا وفرنسا وأسبانيا ضرورة لإصدار بيان الشعور بالقلق، وهو نفس الشعور الذي أحيته حرب هناك وأزمة غاز تهدد مجتمعها ومصانعها وصناعاتها. ولم تدرك إسرائيل ذلك بعد، ولم تقرأ، لأنها أصيبت بعمى القوة وما زالت تراهن على حلولها المنفصلة عن واقع شديد الوضوح.
عشرون عاماً هي عمر الموجة الفلسطينية في بحر الثورة المتواصل لشعب يرث الحكاية، ولشعب يتسلّم الصولجان. كلما اعتقدت إسرائيل أنه شارف على السقوط، يلتقطه جيل جديد. وربما هذا ما يفسر سر العشرين عاماً بين تدافع الأجيال الوارثة للأمانة، فبعد النكبة بعشرين عاماً تقوم الثورة وتخوض أولى معارك الشرف في الكرامة بعد أن ظنت تل أبيب أن القضية تبخرت، ثم بعد عشرين عاماً تأتي موجة الانتفاضة الأولى لتكسر كل قيود الواقع بعد أن ظنت تل أبيب أن معركة بيروت هي النهاية، وبعدها بأكثر قليلاً من عشرين عاماً تأتي الانتفاضة الثانية بعد أن ظنت إسرائيل أن عملية التسوية تمكنت من تطويع الفلسطينيين.
وفي مثل هذا الشهر، قبل عشرين عاماً، كان جيش إسرائيل المدجج يجتاح جنين، معتقداً أن لديه حلاً سحرياً لشعب صاعد نحو الجلجلة، وأن بإمكانه كسر شوكته للأبد، وكان المخيم وجسر العبور الصلب على صدور أبطاله طوالبة، وأبو جندل، والآخرين. واعتقدت إسرائيل أيضاً أن الأزمة تم حلها للأبد، والآن يجيء جيل جديد لم يكن قد ولد حينها ليتسلم الراية، ويضع حقائق التاريخ من جديد ليكسر كل ظنون إسرائيل، فحين يتعلق الأمر بفلسطين تصبح كل الظنون إثماً وليس بعضها.
موجة خلف موجة لا تتوقف تباعاً، ربما أدركت إسرائيل ذلك، لكنها تعيد الرسوب من جديد، معتقدة أن الحلول العسكرية في ظل سلوكها المستفز يمكن أن تحقق لها ما تريد على الرغم من تجارب التاريخ، وأن مواعيده ليست مصادفة بعمر الجيل، وهذه المرة تبتدع لها حلاً يتناسب اسمياً مع هدير الموج سمّته «كاسر الأمواج»، معتقدة أن الصخور التي نراها على بحر تل أبيب تتناسب مع حركة شعب، متناسية أن البحر بلا ذاكرة فيما يحمل الشعب الفلسطيني ذاكرة من لحم ودم ووصية، يتناقلها الآباء عن الأجداد والأبناء عن الآباء دون انقطاع.
التاريخ أكبر مدرسة، ويفتح أبوابه مشرعة لكل من أراد بناء نظرياته السياسية المشتقة من وقائع التجربة الإنسانية المتجسدة بخيوط متصلة. ولكن من يضع هذا جانباً ويعود للبحث في الكتب القديمة والأساطير ليصنع منها سياسة، ويضع القوة في خدمة هذا القديم الديني، لا بد أن يصاب بصدمة الواقع ويفشل في كل مرة، ويعيد البحث عن حلول ويغرق أكثر ويستدعي القوة ظناً منه أنها تمتلك الحل السحري. وحين يفشل في قراءة نقيضه سيبقى متوهماً بالحل. ولكن الصورة التي تجسد الواقع أبلغ تعبير عن المستقبل: جنود مدججون في غاية الغضب، ومعتقلون يرفعون شارة النصر. تلك هي الحقيقة ونذر المستقبل، فقد خلد التاريخ صوراً اختزلت لحظته في مرحلة ما، لم تتم قراءتها في حينه، لكن للزمن حكمته كما التعاليم التي يتأخر فهمها أحياناً..!!

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى