أقلام وأراء

أكرم عطا الله – الأمم المتحدة ومجلسها .. هل تقادما؟

أكرم عطا الله ١٥-٤-٢٠٢٢م

ماذا تبقى للأمم المتحدة ولمجلس الأمن وكافة المؤسسات التي تفرعت عنها؟ ألم توجه لها الحرب الروسية الأوكرانية ضربة وجودية طرحت كثيراً من علامات التساؤل بعد أن لوح الروسي بجنون السلاح الذري؟.
ربما كانت هذه التجربة الأكثر وضوحاً حول جدوى المؤسسات الدولية التي باتت عاجزة عن ضبط الصراعات الدولية، وإن كانت هناك أحداث سابقة كشفت ما يشبه النهاية لتلك المؤسسات، لكن الحرب في أوروبا كانت كاشفة أكثر من غيرها.
تأسست الأمم المتحدة كهيئة دولية لضمان الأمن والسلم العالمي على أنقاض الحرب العالمية الثانية ومعاركها التي أعادت توزيع موازين القوة من جديد لتكون المؤسسة الدولية انعكاسا لتلك الموازين الجديدة.
وكانت أوروبا شكلت بعد الحرب العالمية الأولى عصبة الأمم التي أطاحت بها الحرب الثانية وأحرقتها وهي العصبة التي لم تساهم فيها الولايات المتحدة وتركتها للأوروبيين معتبرة كما قال الرئيس الأميركي آنذاك أن قادة أوروبا سيمارسون ألاعيبهم داخل عصبة الأمم ولن تتمكن من وقف مطامعهم.
المسألة ليست كذلك، بل إن المؤسسات كما كل شيء محلي أو إقليمي أو دولي تتشكل وفقاً لموازين القوى ثم تأتي الحروب لتعيد هندسة تلك الموازين من جديد.
الأمر ليس نفسه تماماً هذه المرة ؟، ولكن المؤسسة أيضاً هي وليدة مناخها وابنة ظروفها في مرحلة تاريخية معينة تكاملت ظروفها.
ولأن السياسة تتحرك في مجتمعات حية ومتغيرة لذا تصبح هياكل الماضي جزءا من التاريخ وخصوصاً حين تفشل في أداء مهمتها.
نقلت الولايات المتحدة مركز القرار الدولي إلى واشنطن بعد أن تحطمت أوروبا وأراقت كل هذا الدم، واستغلت فشل عصبة الأمم لتعيد بناء النظام الدولي وتم توزيع مراكز النفوذ ارتباطاً بعوامل القوة التي خلخلتها الحرب فقد خسرت ألمانيا وظهرت روسيا المنتصرة لتحظى بعضوية دائمة وفيتو في أعلى مؤسسة تنفيذية ومعها الامبراطوريتان اللتان لم تغرب شمسهما آنذاك وإن بدا أن هناك امبراطورية جديدة قادمة لابتلاع كل القديم.
آنذاك وفي ذلك الزمن كان العالم يبدو كأنه موزع بين جغرافيتي الشمال والجنوب، الشمال في أوروبا والولايات المتحدة الذي يحتكر القوة والعلم والذي يحتل الجزء الآخر وهو الجنوب والشرق الذي يضم شعوبا بسيطة  تنعدم فيها القوة وتخضع للاحتلال كانت أشبه بمجرد غنائم لدول الشمال سواء دول آسيا، التي كما قال عنها رئيس أميركي ذات مرة وهو يقنع القساوسة بضرورة احتلال الفلبين إنه “من غير الملائم أن تترك هذه الجزر لحماقة وجهل سكان محليين لا يصلحون لتولي المسؤولية”، أما العالم العربي فحين تشكلت الأمم المتحدة كان قد تم تقسيمه كتركة عثمانية بين منتصري الحرب الأولى بريطانيا وفرنسا وأيضا بنفس الثقافة الأميركية اعتبروا “أنه لا يترك لحماقة وجهل سكانه”.
وسط هذه المناخات والجغرافيا السياسية وثقافات السادة والعبيد تشكلت المؤسسات الدولية والتي لا يمكن أن يفهم إلا أنها تشكلت لخدمة منظومة الدول المنتصرة والمتحضرة ودول الشمال حتى لا تغرق مرة أخرى في بحر الدم. أما دول الجنوب والشرق أفريقيا والوطن فإن مجرد احتلالها آنذاك كان مخالفاً لكل معتقدات وهياكل ومواثيق الأمم المتحدة في الحريات وتقرير المصير باعتبارها شعوباً “حمقاء وجاهلة”.
لذا استمر الاحتلال ولم تساهم الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن بأي دور في حرية أي شعب، بل كانت الثورات هي المحرك الرئيس لتحرير الشعوب بالعنف وبالدم بل وشهدت الدول الفقيرة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بعد تشكل الأمم المتحدة ومجلسها اعتداءات لم تتوقف.
وكان للولايات المتحدة التي أشرفت على تشكيل المؤسسات الدولية حصة الأسد في تلك الاعتداءات سواء بانقلابات أو كما حدث في غواتيمالا وحكومة مصدق في إيران مروراً بقتل رؤساء مثل تشيلي وحصار دول مثل العراق وإيران والسودان أو اجتياح الصومال والعراق وقتل رئيسها.
وإذا كانت مناخات تشكل المؤسسة ابنة ظروف تاريخية فقد تغيرت هذه الظروف وتغيرت معها موازين القوى هذا إذا تجاهلنا القوة الاقتصادية والتكنولوجية. فمثلا ألمانيا أقوى كثيراً من فرنسا اقتصاديا وظهرت الصين كقوة عملاقة في سنواتها الأخيرة بشكل مفاجئ تناطح به الولايات المتحدة، كما برزت قوى اقتصادية وعسكرية هائلة في شرق آسيا ماليزيا اقتصاديا وقوى لديها قنابل نووية مثل باكستان والهند اللتين كانتا بعد الحرب العالمية الثانية “مجرد شعوب حمقاء وجاهلة لا تصلح لحكم نفسها” أما العرب فأصبحوا وإن بشكل متفرق قوة عسكرية مثل مصر والجزائر وقوة اقتصادية كبيرة مثل دول الخليج العربي وأصبحت مؤثرة في الاقتصاد الدولي وتلك أيضا كانت حسب الغرب “شعوبا جاهلة لا تصلح لتولي المسؤولية”، أما إسرائيل التي أشفق عليها العالم واحتضنها تحولت لدولة احتلال تعتدي على أراضي دول عربية خارج القانون.
وأمام كل تلك التغيرات وأكثر، وأمام جغرافيا الصراعات التي ظهرت ضرورة المؤسسات الدولية يظهر أن هذا الهيكل القديم الذي تم إنشاؤه لتلك الجغرافيا أصبح أضيق كثيرا من أن يستوعب مصالح وصراعات الكرة الأرضية التي أصبحت أكثر تعقيدا، كما أن شعوبا لم تكن بالحسبان أثناء التشكل أصبحت ذات وزن فاعل ما يطرح السؤال وفي ظل كل تلك الصراعات التي فشلت في ضبطها: ألم يعد العالم بحاجة إلى مؤسسات جديدة  .. العالم تغير.  

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى