أقلام وأراء

أسعد عبود: ماكرون الأفريقي الجزائر لوقف التراجع

أسعد عبود 28-08-2022 

في وقت بدت فرنسا أنها تخسر مواقعها التقليدية في أفريقيا لا سيما في مالي لمصلحة روسيا، أتت زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون للجزائر من أجل طي صفحة القطيعة التي سادت في الآونة الأخيرة، وفتح صفحة جديدة، في العلاقات الثنائية بين البلدين.

وهنا لا بد من وضع زيارة ماكرون في السياقات السياسية الإقليمية والدولية التي ترافقها. هناك أولاً الحرب الروسية – الأوكرانية وتأثيراتها على فرنسا وأوروبا عموماً من موجات تضخم هائلة بفعل العقوبات الأوروبية على روسيا ومنها حظر استيراد النفط والغاز الروسيين. وكان لافتاً عشية الزيارة أن ماكرون نبّه الفرنسيين خلال الجلسة الأسبوعية لمجلس الوزراء الأربعاء الماضي، إلى أن ما سماها “أيام الوفرة” قد انتهت وأن فرنسا وأوروبا تعيشان عصر “الأزمات الكبرى”.

كلام ماكرون هو تعبير عن الألم الذي يشعر به الفرنسيون والأوروبيون عموماً، نتيجة الحرب الروسية – الأوكرانية. وعلى رغم أن فرنسا لم تكن تعتمد كثيراً على مصادر الطاقة الروسية، فإنها طلبت من مواطنيها التزام برنامج تقنين في استهلاك الكهرباء.

وبما أن الجزائر هي بلد منتج للغاز، فمن الطبيعي أن تهتم فرنسا بالتوجه إليها كي تعوض بعضاً مما كانت تستورده فرنسا من روسيا، وإن كان الغاز ليس الهدف الرئيسي للزيارة، وفق ما قال مراقبون.

كما أن زيارة ماكرون أتت في وقت يتراجع النفوذ الفرنسي في مالي التي تشهد حرباً مع الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيمي “القاعدة” وتنظيم “داعش”. وفي الأشهر الأخيرة توترت العلاقات بين باريس وباماكو إلى درجة أن المجلس العسكري الحاكم في مالي طلب من القوات الفرنسية العاملة في سياق عملية “برخان” منذ عام 2013، مغادرة مالي.

وساءت العلاقات الفرنسية – المالية بعد انقلابين عسكريين العام الماضي في باماكو، وتوجه الانقلابيين إلى طلب مساعدة شركة “فاغنر” الأمنية الروسية الخاصة. وقد أزعج هذا الأمر باريس، التي وجدت نفسها في موقف حرج، ففضلت الانسحاب من هذا البلد الذي هو واحد من بلدان منطقة الساحل التي تضم أيضاً التشاد وبوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا.

ولم يكن سهلاً على فرنسا التخلي عن نفوذها في مالي لمصلحة روسيا، التي بدأت بتزويد الجيش المالي بالأسلحة مع توسيع رقعة انتشار مقاتلي “فاغنر”، لا سيما في المناطق الغنية بالثروات الطبيعية.

في هذا الظرف الإقليمي غير المواتي لفرنسا، حط ماكرون في الجزائر التي تملك حدوداً طويلة مع مالي والنيجر وليبيا. كما أنها تلعب دوراً مهماً في مكافحة “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.

وبديهي أنه بعد الانسحاب العسكري الفرنسي من مالي، أن تطلب باريس من الجزائر تنشيط دورها في محاربة الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، خصوصاً مع الأنباء عن تحقيق هذه الجماعات تقدماً ملحوظاً في شمال مالي ووسطها، فضلاً عن منطقة المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

وعلى ما شاب العلاقات الفرنسية – الجزائرية من توتر، مع نشر تصريحات للرئيس الفرنسي في تشرين الأول (أكتوبر) 2021 اتهم فيها “النظام السياسي العسكري” الجزائري بإنشاء “ريع للذاكرة”، وشكّك في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار، يظهر اليوم أن ماكرون عازم على تجاوز مرحلة التوتر والعودة إلى تنشيط العلاقات التاريخية بين فرنسا والجزائر. وعلى رغم أن الجزائر ترتبط بعلاقات وطيدة مع موسكو وكانت من بين الدول التي امتنعت عن التنديد بالغزو الروسي لأوكرانيا، فإن باريس لا يمكنها أن تدير ظهرها للجزائر، في وقت هي في حاجة إلى الحفاظ على ما تبقى لها من نفوذ في القارة السمراء.

لهذه الأسباب تكتسب زيارة ماكرون الجزائر أهمية استثنائية، ولا يمكن حصرها فقط في حاجة فرنسا إلى بديل من الغاز الروسي، وإنما تدخل في باب المصلحة الاستراتيجية لباريس في الحفاظ على امتداداتها التاريخية في الجزائر وأفريقيا عموماً.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى