أقلام وأراء

أسعد عبود: الشتاء الأوروبي أكثر قسوة هذا الموسم

أسعد عبود 24-08-2022 

بعد ستة أشهر على الحرب الروسية – الأوكرانية، تغير وجه العالم وتبدلت العلاقات بين الدول، وبدا أن النظام الدولي الذي يسود منذ انهيار سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي، قد بات من الماضي، بينما النظام الجديد لم تتبلور ملامحه بعد.

وطبعاً الحرب تستنزف روسيا وأوكرانيا بالدرجة الأولى، وتدفع الدولتان أثماناً بشرية ومادية فادحة في حرب يرجح كثيرون أن تطول سنوات. وعلى نحوٍ خاص، تلقي الحرب أيضاً بثقلها على القارة الأوروبية التي تبين أن السلام الذي ساد فيها عقب الحرب العالمية الثانية، كان سلاماً موقتاً، وها هي حرب أخرى طاحنة، تدور رحاها في القارة مجدداً.

منذ الأيام الأولى للهجوم الروسي على أوكرانيا، سارعت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى التنديد بموسكو، ووقفت خلف الولايات المتحدة في فرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا، التي كانت المصدّر الرئيسي للنفط والغاز إلى الاتحاد الأوروبي على مدى عقود.

ووجهت الحرب ضربة قاصمة للعلاقات الأوروبية – الروسية. ووجد الأوروبيون أنفسهم مجدداً في حاجة إلى الولايات المتحدة للدفاع عنهم في مواجهة روسيا، وانبعث حلف شمال الأطلسي من “موته السريري” الذي كان يعيشه في الأعوام الأخيرة، وإذا بالدول الأوروبية تعيد النظر في موازناتها الدفاعية وتخصص مبالغ ضخمة من أجل التسلح وتعزيز الأوضاع القتالية لجيوشها.

استفاق الأوروبيون في 24 شباط (فبراير) على واقع جيوسياسي جديد. ودفعهم الخوف من روسيا إلى الوقوف الى جانب أوكرانيا ودعمها بالسلاح والمال، وعمدوا إلى فرض ست دفعات من العقوبات على روسيا. لكن هذه العقوبات، وبينها الحظر على استيراد الطاقة منها، أحدثت مفعولاً عكسياً داخل الدول الأوروبية، التي شهدت موجات تضخم لم تعرفها منذ عقود، ودفعتها إلى إدخال أنماط جديدة من طريقة العيش، بينما دول كثيرة تعد نفسها لشتاء قاسٍ في ظل عدم توافر البدائل للغاز والنفط الروسيين، بالسرعة المطلوبة. وطلبت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ودول أخرى من مواطنيها التقنين في استهلاك الطاقة قدر الإمكان.

وفيما ليس سهلاً تعويض النقص في الطاقة الروسية، فإن دولاً في الاتحاد الأوروبي بدأت تتذمر من الانعكاسات السلبية لسياسة العقوبات وتتململ من الخسائر التي تتكبدها نتيجة استمرار الحرب. وانعكس ذلك تذمراً لدى الرأي العام الأوروبي، الذي يؤيد في غالبيته تسوية سياسية للنزاع.

ويسود الخوف في بعض الدول من أن تؤدي موجات التضخم أو الدخول في فترات من الركود الاقتصادي، إلى ترجيح كفة الأحزاب القومية المتشددة التي لا تؤيد فرض العقوبات على روسيا وتؤيد وقف الحرب.

وقال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان المعروف بقربه من الكرملين في خطاب الشهر الماضي، إن استراتيجية العقوبات التي تبناها الاتحاد الأوروبي ضد روسيا قد أخفقت. وأضاف أن “ثمة حاجة إلى استراتيجية جديدة يتعين أن تركز على محادثات سلام وعلى صوغ اقتراح جيد للسلام… عوض التركيز على كسب الحرب”. وقال: “إننا نجلس في سيارة وإطاراتها الأربعة مثقوبة. من الواضح أن الحرب لا يمكن كسبها بهذه الطريقة”.

مثل هذه الدعوات، بدأت تثير مخاوف من حصول انقسام في الغرب حيال روسيا. وهذا الأمر إن حدث سيجعل روسيا في موقف أقوى في المواجهة التي تخوضها لتقويض الأحادية القطبية التي تتمتع بها الولايات المتحدة منذ ثلاثة عقود.
والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يكرر في خطبه أن الحرب ليست فقط مسألة وجودية بالنسبة الى روسيا، وإنما كانت خطوة ضرورية لدك النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، ولنشوء عالم متعدد الأقطاب.

ورغم أن الحرب قد تؤدي إلى اهتزاز وضعية أميركا العالمية، فإن أوروبا هي التي تدفع ثمناً فادحاً نتيجة الحرب وبفعل أوسع تغيير جيوسياسي يشهده العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى